المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبداً .. لا يتكرر..!



محمد عطيف
5 - 8 - 2007, 03:54 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذه قصة أخرى لي ..
أتمنى أن تعجبكم وتعجبكن ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شرفوني ..



أبداً لا يتكرر ..!
نظر إليها في وله فآلمته رقبته ، ولم تحاول هي أن تبادله المثل .. قال لها :
- ما رأيك في المكان ؟
وقبل أن ترد شعرت بألم هي الأخرى من وضع الجلوس الذي كانا فيه .. كانت توليه ظهرها إذ أسندته إلى ظهره .. تأملت المكان : بدر في عليائه في ربيع عمره ، وربوة مطلة على واد نصفه كثيف الشجر والأخر بساط ترابي ساحر .. استنشقت بعمق ذلك النسيم العذب الذي أخذ يعبث بهما في دلال ثم مررت كفها على جبينها اللدن قبل أن تقول :
- ما أروعه .. أحسبك جئت إلى هنا قبلاً .. لا أدري كم مرة ؟ ومع من ؟
.. ران الصمت قليلاً قبل أن يهمس لها :
- أنت ثقيلة ..هل يمكنك أن تغيري وضع جلوسك ! .. أعني أريد تأملك إذا سمحت ..!
ابتسمت وهي تلبي طلبه وتعتدل لتواجهه إذ فعل نفس ما فعلت .. .. تنهد في ارتياح فقالت معاتبة :
= ألهذه الدرجة ؟!
فقال باسماً :
- عفوك سيدتي .. إنما من حلاوة النظر إليك ..
بدا أنها تفهمت ما ظنته مجاملة فابتسمت في حين أردف هو :
- قلت أن المكان رائع .. أليس كذلك ؟
- بلى هو كذلك ..
فقال وقد تسللت أنامله إلى كفها فسحبته في دلال :
- أتنبع حلاوته وروعته من جمال طبيعته ؟ أم من فتنة قمره الساحر ؟ أم من كليهما ؟ أم من شيء أخر يا ترى ؟
.. لم تستطع أن تجب لوهلة ثم قالت مفكرة :
= أعتقد أن جمال طبيعته تمتلك الحظ الأوفر من ذلك ..
- لا .. أنا لا أعتقد ذلك ..هناك شيء أهم بكثير مما قلت .. بل هو الذي جعل المكان يمتلك كل هذا السحر .. ألا يمكنك تلمسه ؟
قالت في رزانة :
= لا أدري حقاً ماذا تعني ؟ .. ولكن ما استطعت إدراكه هو أن طبيعة المكان أوجدت حلاوة الجلوس فيه .. قمره المنير .. نوره الفضي وقد افترش هذا البساط الأرضي .. ذلك الجمال الخفي والرائع في تلك العتمة .. حتى وحشة المجهول داخل تلك الأغصان الملتفة تحمل جمالاً غير ظاهر ربما لا يدركه الكثيرون .. وهذا الجدار الصغير العتيق على هذه الربوة فيه لمسة بساطة أخاذة لا تخفى .. يمكنك أن تمر يوماً من هنا .. لوحدك أو لوحدي فيحدثنا عن أجمل الذكريات إذ ننساها حينما تصدأ عواطفنا ..
= لديك حجة قوية .. ولكن لم تمسي كبد الحقيقة بعد .. هناك شيء أراه هنا بوضوح ويتجسد أمامي ولعلك ترينه وتشعرين به ولكن يغيب عن ذهنك أنه المقصود .. شيء لعله أشبه بالسحر وأخشى كثيراً أن أفقده ولقد سمعت منك مرات عديدة أن عمره قصير .. قصير جداً ..
.. تأملته وقد انتابتها الحيرة ثم تمتمت :
= تشعرني بحيرة كبيرة إذ تستشهد بما تزعم أنني قلته لك ! .. وهذا ما يثير شوقي لمعرفة سرك المكنون .. أتعني أنك لن تخبرني حتى أدركه بنفسي .. الحمد لله إذ وهبني عقلاً أظنه راجحاً مستبصراً ، ولا أستشعر قصوره على الأقل في مثل هذه المواقف .. ولكن من حكمته – سبحانه وتعالى – أن لا ندرك كل شيء ، وتفوتنا أحياناً صغائر الأمور وبديهياتها ويتوجب علينا أن لا نأسى لذلك ..
.. هذه المرة تسللت أناملها فسحب كفه في رد سريع شفعه بابتسامة وهو يقول :
- أؤيد كثيراً ما ذكرته ..ولا أعني أنك إذا لم تدركي الحل فذلك قصور في عقلك .. ولكن إذا لم تعرفيه الآن فربما حرمت قوله .. نعم لنفس الدرجة .. أنا أراه الآن عياناً .. كما أراك بالضبط ..!!
بدا عليها التذمر وهي تقول :
= أرجوك .. لست بحاجة لأصدع رأسي بألغازك التي لا تنتهي .. التفكير عندي عملية شاقة وأخشى أن يفاجئني دائماً فأخسر .. ألا يمكنك تقريب الحل بعض الشيء ؟
تعلقت عيناه بالبدر الراحل وهو يقول :
- سأحاول .. هو من الأشياء الجميلة في حياة الإنسان ، بل أحياناً يكون هدفاً له .. يسعى إليه .. يرجوه .. ولربما حرم منه فشعر بالتعاسة .. نراه كثيراً فنعجب به أحياناً وقد نسخر منه إذا ندرك عدم واقعيته أحياناً أخــــــرى ..
- ضحكت في خفوت وقالت :
- تمنيت لو أنني لم أطلب منك إيضاحاً فقد زدت الأمر غموضاً !!
بدا عليه أنه سيقول شيئاً ولكنها سارعت لوضع كفها على فمه وهي تقول :
= لا .. لا تقل شيئاً آخر .. ودعنا نعد فقد قضينا وقتاً طويلاً هنا ولم نشعر به ..
نظر في ساعته ثم قال :
- نعم .. ولكن بالنسبة للغز فلن أخبرك .. سنعود إلى هنا يوماً إذا شاء الله وستعرفين الحل من تلقاء نفسك ..
وفيما أسندها في ممشاها إلى أسفل الربوة مغادرين كان الليل يرقبهما وقد نسي تقهقره الموجع ..

مرت سنوات ..
هكذا حسبها .. وثلاثة أطفال يملئون البيت ضجيجاً وفرحاً .. لم تعد تخلو له إلا نادراً .. وهو ما عاد يجد من الوقت إلا قليلاً ليحدثها عن الأيام الخوالي ، وإذا ما خرجا للنزهة لا تكون لهما بقدر ما تكون للطفولة الغضة .. في ردهة الصالة المظلمة كان نور القمر يشق طريقه في هدوء .. وقع بصرها عليه وومض شيء ما في داخلها .. شعرت به كأنما ينفض عنه صدى السنين الماضية من تلك الليلة .. سمعت صوت الباب .. رأته يدخل والإرهاق يبدو عليه واضحاً .. أشارت دون أن تتحدث إلى نور القمر وهو يسطع في أرضية الصالة .. في لحظة أدرك دخيلتها .. وردت هي على نظرته الحائرة :
- أمي هنا الليلة ..

على الجدار العتيق وعلى نفس الربوة لم يكن يوجد إلا المكان نفسه بكل تضاريسه وتلك الليلة تماماً لم يتبدل شيء .. هل أنت متأكد ؟ .. لا يدريان حقاً .. هذه المرة كان وزنه هو الأثقل .. قالت :
= ألا يمكنك تغيير وضعك ؟
وقبل أن يجيب أردفت :
- أريد التطلّع إلى عينيك ! .
- ابتسم في هدوء وهو يحاول التخلص من الإرهاق ثم أجاب مطلبها .. لم يعرفا كم مر من الوقت وهما صامتين قبل أن يهتف :
- ما رأيك في المكان؟
- ولم تنتبه للمغزى فأجابت دون تفكير:
- ليس كما المرة الماضية .. ربما لأننا مرهقان ..!!!
- لا . ليس هذا .. سنعود للغز مرة أخرى .. هل تذكرينه؟
- أما زلتَ تبخل بالإيضاح؟!
- لا .. كل ما حولك وكل ما تشعرين به هو أكبر إيضاح...!

- لا أفهم ..
- أليس المكان هو نفس المكان؟ والطبيعة هي نفسها..؟!
- نعم ..هو ذاك
- تنهد وقال في نعجب:
- ألم تدركي بعد!! .. لماذا فقد المكان روعته وطبيعته لا زالت كما هي! .. يبدو أنك مرهقة جداً ..
كان يهم بإكمال جملته ولكنها اعتدلت فجأة إذ أدركت الحل ثم حدقت فيه وهتفت وهي تضع كفها على رأسها :
- كم كنتُ بلهاء!! .. بلهاء لثلاث سنوات!! .. فعلاً لغزك هو من روائع الحياة .. هو جمالها .. ربما هو طلسمها المتحكم في سعادتها .. كان لا بد أن أدرك ذاك منذ البداية .. نعم المكان هو نفس المكان ولكنه ليس هو الذي صنع سعادة تلك الليلة ..
.. ومدت هذه المرة يدها فاحتضنت يده وأضافت:
- لكم أود أن أصرخ بالحل علناً .
- لا .. لا تفعلي .. يكفي أنك عرفتيه.
عاود الصمت هيمنته على المكان .. قطعته بعد قليل : هلم نعود..
فقال باسماً :
- أتدركين الفرق الآن؟
قالت في أسف واضح :
- نعم ..ولكن أَلاَ يتكرر؟
فقال وهما يهمان بالنزول دون أن يسند أحدهما الآخر :
- إنه إبداع إلهي .. تتشربه في شوقٍ نفوسنا وتختزله أرواحنا .. فيصنع بها العجب .. ليس المستحيل أن يتكرر ولكن ذلك صعب .. صعوبة التجديد في مثل هذه الأمور .. ليس المستحيل أن نجدد حياتنا ولكن أن نتذوق حلاوته بكراً مرتين .. ذلك في نظري شيءٌ لا يتكرر .. أرجو ألاّ يحزنك ذلك ..
تمتمتْ :
- وحتى لو حزنتُ فلن يعود .. ولكن ما دمنا نملك الفرصة للتجديد فنحن لم نخسر الكثير .. أليس كذلك؟
لم يجب ولكن أومأ برأسه موافقاً ..
وللمرة الثانية لم يلمحا الليل وهو يرقبهما ولا زال ستاره الأسود ممتهن الكرامة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ انتهت ــــــــــــــــــــــــــــ
.

زهــرة حــــب
5 - 8 - 2007, 05:42 PM
؛؛

و لن يتكرر

مازال المكان يحمل ذات الملامح

ومازالت القلوب تتغير





محمد
لقلمك عطر الورد
اسلوب مميز بسيط تتعلق بأول حرف لتجد نفسك وصلت النهاية
فتتمنى ان الحكاية لم تنته



؛؛

عبد الرحيم محمود
6 - 8 - 2007, 02:12 AM
إنه إبداع إلهي .. تتشربه في شوقٍ نفوسنا وتختزله أرواحنا .. فيصنع بها العجب .. ليس المستحيل أن يتكرر ولكن ذلك صعب .. صعوبة التجديد في مثل هذه الأمور .. ليس المستحيل أن نجدد حياتنا ولكن أن نتذوق حلاوته بكراً مرتين .. ذلك في نظري شيءٌ لا يتكرر .. أرجو ألاّ يحزنك ذلك ..

============

محاكاتك نبض به روح
يدل على براعة في الافصاح عن الاحاسيس

امكانيات لاباس بها تتدبر الامور بها

لتجعلنا نتعلق بكتاباتك ذات المغزى


مودتي

محمد عطيف
6 - 8 - 2007, 03:58 PM
؛؛
و لن يتكرر
مازال المكان يحمل ذات الملامح
ومازالت القلوب تتغير
محمد
لقلمك عطر الورد
اسلوب مميز بسيط تتعلق بأول حرف لتجد نفسك وصلت النهاية
فتتمنى ان الحكاية لم تنته
؛؛

.. زهرة ..
وحضورك أنت هو حكاية التشريف التي أعتز بها ولا تنتهي ..

محمد عطيف
6 - 8 - 2007, 04:00 PM
إنه إبداع إلهي .. تتشربه في شوقٍ نفوسنا وتختزله أرواحنا .. فيصنع بها العجب .. ليس المستحيل أن يتكرر ولكن ذلك صعب .. صعوبة التجديد في مثل هذه الأمور .. ليس المستحيل أن نجدد حياتنا ولكن أن نتذوق حلاوته بكراً مرتين .. ذلك في نظري شيءٌ لا يتكرر .. أرجو ألاّ يحزنك ذلك ..
============

محاكاتك نبض به روح
يدل على براعة في الافصاح عن الاحاسيس
امكانيات لاباس بها تتدبر الامور بها
لتجعلنا نتعلق بكتاباتك ذات المغزى
مودتي


.. وحضورك هو النبض لحضور زاهي ..
شكراً لاطلالتك البهية ..

عمري كله اماني
11 - 8 - 2007, 09:41 PM
تسلم كتير علي القصة الروعة

محمد عطيف
11 - 8 - 2007, 10:57 PM
تسلم كتير علي القصة الروعة


.. وتسلمي أكثر على وقتك هنا ..

شمس الاصيل
23 - 1 - 2008, 02:40 PM
إنه إبداع إلهي .. تتشربه في شوقٍ نفوسنا وتختزله أرواحنا .. فيصنع بها العجب ..


.. ذلك في نظري شيءٌ لا يتكرر ..


الاستاذ محمد عطيف

صدقت

انك مبدع وكل ماكتبت

نتشوق اكثر الي المزيد

من كتاباتك

كانه سحر ونحن سعداء به


اسعدنا تواجدك وكتاباتك

ونتمنى عودتك الينا

دمت بود