المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكايات لا أملّ...



الحسن ناجين
22 - 12 - 2008, 04:23 PM
من الحكايات التي لا أملّ سماعها على لسان أبي، تلك التي كان يرويها عن جدي، أنّه كان قويا يخشاه كل الشجعان ويحترمه شيوخ القبيلة. ففي تلك المرحلة من تاريخ بلادنا، كان يسود جوٌ من عدم الاستقرار مع وجود الاستعمار. وقد كانت الشجاعة حكرًا على بعض الأشخاص أو بعض المناطق والدواوير. وكانت تتم بعض الغارات الليلية بين القبائل "فمن عزّ بزّ ومن غلب سلب". كما كان لزاما على كل قبيلة أن تكون لها مجموعتها المقاتلة والحامية لها وهذا لا يمنع من وجود تحالفات بين القبائل.
وفي يوم من أيام الصيف، نادت جدي عمته، وأعطته شيئا ملفوفا بخرقة، وكان الأمر أن يوصلها إلى والده في الحقل الذي يبعد بما يزيد على أربعة أميال. ثم بعد وقت يسيرٍ قد لا يتجاوز نصف ساعة، عاد جريا. التفت ناحية ملعب الدوار، ليبصر الغبار يعلو ساحته، والكل يصيح. كانت إحدى فرق كرة القدم المجاورة، جاءت لتأخذ بثأر الهزيمة الأخيرة على أرضها، فجاءوا بخيلهم ورَجْلِهم. ولأنه كان يحس بأنياب الجوع تنهش
مصارينه، فقد طلب لعمته شيئا يأكله، وأخرجت له من الدار إناءا به قمح مدقوق أو ما يسمى عندنا باللغة العامية "بَنْدَق" ومخلوط باللبن وهذا أيضا له اسم خاص به وهو "الروينة". لست أدري كيف أفرغ الخليط في جوفه؟ ثم اتجه إلى الملعب بعد أن تمنطق حبلا. علا الصراخ والتشجيعات، وفي بعض مناطق الملعب كانت تسمع الزغاريد. أخذ مكانه داخل الملعب، وكان موقعه بالنسبة للتشكيلة ما يصطلح عليه اليوم بقلب الهجوم. زد على هذا أن كل الهجومات تبدأ من عنده وتنتهي عنده إلا نادرا. وكيف كانت قوانين كرة القدم في زمانهم؟ كانوا يصنعون الكرة من الخرق البالية، بحيث أن بطن الكرة عبارة عن حُشوة من الكتان وفوق كل هذا يقومون بعقدها عدة مرات حتى لا يخرج ما ببطنها.في الملعب، كل الضربات ممكنة، بالأيدي والأرجل، وإن شاء أحدهم فليعض الكرة بأسنانه حتى تَفرُغ رجلاه للجري ويداه للّكم والدفاع عن نفسه. ولأن جدي كان قائد الفريق فقد كانت كل التمريرات تمرّ من بين أيديه وهو من يسجل الأهداف. ولأن الفريق الخصم له قائده، فقد كانت المجابهة حتمية. كل الضربات ممكنة، فليس هناك من حكم يصفّر إن أخطأ أحدهم في حق الأخر، ومن هذا المنطلق، كانت كل الضربات ممكنة وجائزة ولا يحاسب عليها أي طرف. وحين يتوصل جدي بالكرة، كان يجد أمامه خصما عنيدا ومنافسا لا يكلّ ولا يملّ. كانا يترافسان ويتراكلان ويتلاكمان حتى أن صيحات الجمهور تختلط بالزغاريد والجميع ينتظر من يستسلم من القائدين وتلك هزيمة قاسية. ثم يقومان للجري والهرولة والسقوط.
بدأت الشمس تجنح نحو المغيب، فكنت ترى وجوها مغبرة وثيابا ممزقة ودما يسيل واللعاب ممزوجا بالغبار يعمر الوجه والعيون تدمع من الغبرة واللكمات التي تصيبها. فكنت ترى لاعبين يجرون في كل الاتجاهات يشبهون إلى حد كبير الأشباح التي تجري في كل النواحي. ولأن الفصل
كان خريفا فقد كانت الأرض ما زالت تحت وطأة فصل الصيف، أي أنّ أقل حركات الهواء تجعل العجاج يتعالى في الفضاء.
وتنتهي المباراة مثلما بدأت بالصياح والزغاريد، وحملوا جدي على الأكتاف لأنه كان مصدر انتصار فريق الدوار على المغيرين.
ولأن أماكن اللهو كانت شبه معدومة في ذلك الزمان مثل ما نحياه في زماننا من راديو وتلفاز ومقاهٍ وأسواق يومية وكل هذه الثورة المعلوماتية التي نعيشها، فقد كانت لهم طرقهم في تزجية الوقت وتمضيته. فكانوا إذا ما تساقطت الأمطار وبرُد الجو، يلعبون لعبة سموها "هيه" كي تدفأ أجسامهم. وتفصيل اللعبة، أنّ أحدهم يدخل دائرة إما عن طريق القرعة أو متطوعا، والتطوع نادرا ما يكون لأن اللعبة خشنة جدا بالرغم من انتشاء الجميع بمزاولتها، فيتحلّقون حول الرجل. وعليه ألا يخرج من الدائرة الصغيرة التي رسموها له في الوسط. ويبقى يدور على ألا يرفع إحدى رجليه، فقانون اللعبة يسمح له بتحريك الأخرى كي يضرب المتحلقين حوله، حينها يخرج من الدائرة ليدخلها من أصابته ركلته. والنشوة ليست في هذا، بل حين تسمع نغمة موحدة خشنة "هيه...هيه" والضربات تنزل على ظهر اللاعب وسط الدائرة وهم يدورون حوله في حركة موزونة تزيد من غيظه.
ولأنْ لا ضجيج في قريتنا، فقد كان الجمهور عريضا.تتسع القاعدة لتشمل الأطفال الصغار الذين يؤججون الوضع بضحكاتهم وحركاتهم حول اللاعبين، وينضاف للجمع الشيوخ والعجزة، ربما لاستحضار أمجادهم وصولاتهم وجولاتهم. ثم، تتحلق النسوة غير بعيد للفرجة وهن تتضاحكن وتتغامزن فيما بينهن. والويل لمن كان زوجها ضعيفا، حين يدخل وسط الحلقة فتنزل عليه الضربات من كل جهة من أيادٍ نتنة خشنةٍ متشققة من حراثة الأرض والحفر والردم.
المسكين في الوسط لا يقدر على تحمل ذلك الألم المبرح أو المغادرة ، يئن في صمت ويتلوّى ليس من نشوته بل من الألم المتزايد الذي يعصر قلبه الصغير مع عجزه عن لمس أحدهم لأن رجليه مغلولتان لقصرهما،يكاد لا يمس أحدا منهم وإن كان يرسلهما في كل الاتجاهات، حتى لا يبقى أضحوكة وسط أهل الدوار.
وفي الجهة الأخرى تجدُ زوجته المسكينة تعيش نوعا آخر من المهانة بين النساء. فالرجال الأقوياء يؤدبون زوجها ويلقنونه دروسا في القوة وعدم تحمله رفوشهم الهاوية عليه بكل ما أوتوا من قوة، ولا تقدر على تحمل كلماتهن وإن لم تكن نابية فإنها تترك آثارا قد لا تنمحي بسهولة. ورغم علمها بضعف زوجها فهي لا تقدر أن تمنعه أن يكون من بين اللاعبين وإلا فذاك خزي من نوع آخر.

مازن الطباع
22 - 12 - 2008, 06:23 PM
أهنئك بذلك القلم العذب

وأهنئك بروعة حضور أنسانا مثلك

فلك أجمل أكليل من زهور بعبق الفل والياسمين

أرسلهـا إليك عـبر كلمـاتـي!!!

حفيظة طعام
23 - 12 - 2008, 01:52 PM
أسجــــــــــــــــــــــــــــل مرورا يليق بحضرة كلماتك
دمت

مازن الطباع
25 - 12 - 2008, 09:56 PM
موضوع يستاهل ختم التميز

فيصل الزوايدي
25 - 12 - 2008, 11:04 PM
أخي الحسن .. رحلة الى الماضي بما فيه .. ظل الحدث مطلقا فاثّر على اركان القص ..
دمت في الخير

الحسن ناجين
25 - 12 - 2008, 11:43 PM
مساء الخيرات..
شكرا للجميع شعراء وكتاب المنتدى لإطرائكم..
وأخص الأستاذ مازن الطباع، الأستاذة حفيظة الطعام
والأستاذ فيصل الزوايدي..بالشكر..
كلماتكم وسام أخوة أعلقه على صدري..
فأنتم صندوق أسراري..بكم أنا موجود..
وشكرا..مع الوعد بالجديد شعرا وقصصا..

ظل الياسمين
30 - 12 - 2008, 01:10 PM
رائع انت

فيما كتبت وسردت


كل الود