شاديه ابو كشك
27 - 1 - 2009, 01:07 PM
'جسد موشوم' لبتول الفكيكي استنطاق أحوال عشتار!
تتبرع بجزء من ريع المعرض لإغاثة غزة:
http://www.alquds.co.uk/today/26m14.jpg
عمان ـ 'القدس العربي'-شبكة رؤى الأدبية
يستضيف مركز 'رؤى' للفنون، في 3 شباط (فبراير) المقبل المعرض الشخصي السابع للفنانة العراقية بتول الفكيكي. وتتناول لوحات المعرض المسمى (جسد موشوم) تجليات روحية حميمية للجسد الانساني بكل عذاباته ومحنه ومعاناته ومسراته وانكساراته، وستتبرع الفنانة بتول الفكيكي بجزء من ريع المعرض لـ'الأنروا' وذلك دعما للشعب الفلسطيني في غزة. ويستمر المعرض الى 19 من شباط (فبراير) 2009، وقالت الفكيكي المقيمة في لندن في التقديم لمعرضها:
اللاوعي يدفعني الى اختيار الجسد كونه بيتاً للسعادة والالم...المكان يهيمن على جزء كبير من ذاتي لا يمكنني التخلي عن جغرافية المكان والبشر والميثولوجيا..الرموز... كلها هي خزين الذاكرة عن المكان أغلب أعمالي تعتمد على الشكل وتأثيره على أعمالي كبير. إن الشكل هو الجسد والمضمون هو الروح.. وتتساءل بتول الفكيكي التي توزعت جدارياتها في مدن مختلفة بينها جدارية في مطار بغداد الدولي: ما قيمة الجسد بلا روح وأين الروح حين يختفي الجسد؟ وقالت:
ألجأ الي الرسم لنفض الالام .. وهكذا مع لحظات الفرح حين تدفعني لأدون اللحظة وحفظ قوة تأثيرها.لجأت الي عشتار واستنطقت حالاتها، تجليها، عذاباتها، عسفها، أوجاعها، فرحها، حزنها وهمومها.
وبمناسبة معرض الفنانة بتول الفكيكي في مركز 'رؤى' للفنون، عمان - الاردن قدم لمعرض 'جسد موشوم' الدكتور نزار شقرون وهو شاعر وجامعي من تونس.
ذاكرة في لوحات الفنّانة بتول الفكيكي: المأساة
تستمرّ تجربة الفنّانة بتول الفكيكي في التّواصل مع الموروث الفنّي العراقي الحديث، حيث تُعلي بشكل دامغ من انتمائها إلى المشهد التّشكيلي العراقي رغم استقرارها منذ أكثر من خمس عشرة سنة في بريطانيا، هذا الفضاء المحمّل بإغراءات فنيّة ومفعم بتيّارات وموجات ما بعد حداثيّة كثيرا ما أثّرت في المشهد التّشكيلي العربي فما بالك بسلطة تأثيرها على الفنّان العربي الذي يحيا في صلب دوّامتها؟ إلاّ أنّ الفكيكي لم تنجذب إلى ما يطرأ سنويّا من متغيّرات الفنّ المعاصر و'تقليعاته' بل إنّها واصلت حفر نهرها غير عابئة برياح تحطيم مقولات الفنّ. وإذا ما ذهب الفنّان العربي إلى استقدام 'الهابنينغ' و'البرفورمانس'و'فنّ التّنصيبة' فإنّها بقيت محافظة على فهمها للعمل الفنّي باعتباره 'لوحة' و'نافذة' مطلّة على العالم وعلى الذّات، والتزمت بفنّ التّصوير التزامها باللّون وقدرته على إكساب العمل الفنّي جماليّته ورؤيته الآنيّة والمستقبليّة للإنسان العربي. وتمثّل هذه المحافظـــــة موقفا تقنيّا ووجوديّا إزاء ما يتناثر في العالم من حمّى اقتـــــلاع 'اللّوحة' وإلقائها في مزبلة تاريخ الفنّ، وإن كانت هــذه الدّعوى قائمة منذ بداية القرن العشرين ومستفحلة أكــــثر في نهاياته ، فإنّ الإصرار على التّمسّك باللّوحة المسنديّة يعدُّ خيارا فنّيّا بدرجة أولى، وموقفا رافضا للانصياع إلى هذه المتغيّرات. وتأخذ سمة المحافظة شكل الثّابت البنائي في تجربة الفكيكي، إنّنا أمام خيط رابط، من عمل إلى آخر، ومن حقبة إلى أخرى، فلا يكون الانقطـــاع لديها نهائيّا وإنّما ينبني على الاتّصال والتّوالد العجيب، وهو ما يقودنا إلى استجلاء نواة ينبوعيّة للتّجــــربة ما تفتأ تلد العمل تلو الآخر، فينهض الأسلوب الفــنّي من رحم واحدة بمثل ما تكون الفكرة الأمّ هي الرّحم المركزية لجمـــيع الأعمال الفنّيّة. وبقدر ما تعيدنا جميع الأعمال إلى رؤية عميقة مركزيّة ومستبدّة بتفاصيل التّجربة، فإنّها تسمح بالتّنويع في الاستخدامات اللّونيّة خاصّة وفي طرق التّعامل مع العناصر التّشكيليّة.
تبيّن تجربة بتول الفكيكي مجازيّا أنّها شجرة بشتّى المعاني، فلا يمكن اليوم أن ننظر إلى المشهد التّشكيلي العراقي الحديث دون أن تقف أمامنا تجربتها بثقلها التّاريخي والرّمزي، فبعد ليلى العطّار تقف بتول في واجهة هذا المشهد، وإذا كانت يد الغدر قد سرقت العطّار من الحياة أي عطّلت تجربتها الفنّيّة إلى الأبد وهي في أوج العطاء، فإنّ بتول ما تزال تشاكس غدر الزّمان والمكان لتضاعف من تفتّق تجربتها. ولا يعني أنّها تنتمي إلى هذه الدّائرة التي يريد بعض مؤرّخي الفنّ جرّها إليها، أي دائرة الفنّ النّسائي العراقي، بل إنّها تكسر هذا الطّوق، ولا تستسيغه بمعناه الاختزالي، فكونها امرأة مبدعة وسط حشود الذّكوريّة العربيّة شبه المطلقة لا ينغلق على 'نسويّة' مرَضيّة رغم ما يمكن أن تلهبه تيمة 'المرأة' في أعمالها الفنّيّة، وإذا ما اعتبرناها واحدة من أهمّ الرّسّامات العراقيّات في تاريخ الفنّ التّشكيلي العراقي، فلأنّها مضت في تأصيل تجربتها الفنّيّة، منطلقة من رؤية للعمل الفنّي ومن استقراء للوضع التّشكيلي العراقي، وهو ما بلور لديها مشروعا فنّيّا له مقوّماته الأسلوبيّة وامتداداته في كلّ فترات تجربتها، فما يميّزها عن غيرها هو هذا الامتداد الجمالي من السّبعينيات إلى الآن في إطار المحافظة على نهج أسلوبي يكثّف من الشّفافيّة ومن عشق الألوان وتوليد ممكنات اللّون الواحد بتفريعاته وباستدعاء العلامات والرّموز إلى درجة بلوغ العمل الفنّي طور 'المنسوج الرّمزي' الذي يغتني بالسّرد في تشخيصيّة جديدة تجمع بين مباشرة المرجع والانقطاع عنه في الوقت نفسه. وما يزيد في إكساب هذا الامتداد سلطته على التّجربة عدم تغافله عن المتغيّرات الحضاريّة التي عايشتها الفنّانة قبل وبعد الغزو الأمريكي لبلدها، إذ أنّ عالمها موشوم بالحدث الحضاري الذي لا تكون الوقائع التّاريخيّة سوى شرارات منه. ولم يدفعها 'المنفى الاختياري والاضطراري' في آن واحد الى الانعزال تماما عن العالم في أوّل حياتها بلندن وهو ما جعلها تشارك في المهرجانات الدّوليّة وتعرض أعمالها في معارض فرديّة وجماعيّة، وإن احتجبت نسبيّا في بعض السّنوات وانقطعت عن هذه المشاركات فذلك كان من باب اعتكاف المتصوّف الذي يخلد إلى مزاره/مرسمه لمجاهدة تجربته وللتّرقّي إلى مدارج العرفان، وسريعا ما عادت بتول إلى غمرة حضورها، وبين الحضور والغياب في تجربتها حياة وممارسة فنيّة إنّما تختزل 'النّسغ العشتاري' في نبض فعاليّتها الإبداعيّة.
هناك إقرار متواصل بالينبوع الأوّل لفكرة القداسة متمحورا حول المرأة/الأمّ/الآلهة الأولى في الفكر الجمعي الرّافديني والإنساني عموما، وهو ما لا يمكن إنكاره أو تجاوزه، ولكنّ هذه المرأة التي تستحضر في داخلها كلّيّةَ العناصر بما هي 'حاكمة ما في السّماوات من فوق وما في الجحيم من تحت، مركز القوّة الرّبّانيّة' تجسّد في الأعمال الفنيّة لعبة الخفاء والتّجلّي، إنّه تجلّيها فوق الأرض وخفاؤها في العوالم السّفليّة، وقد برزت في المراحل الأولى من التّجربة الفنّيّة بفعل 'تخلّق' العمل الفنّي، أي ولادته، فالعمل الفنّي لا يحيل على مرجعيّة خارجه فحسب وإنّما يسرد أيضا قصّة ولادته هو بالذّات، وهذا ما يعدُّ أساس العمليّة الإبداعيّة. إنّ ما يشغل الفنّانة ليس فعل الإحالة على ما هو خارج اللّوحة فقط ولكن إظهار تفكيرها المستمرّ في بناء عالم اللّوحة، ويأخذ هذا التّفكير بعدا إنشائيّا يتقاطع فيه الوعي باللاّوعي، الوعي بالولادة المستمرّة وبحلول العمل الفنّي في العالم الدّنيوي، واللاّوعي بملامسة غيب العمل الفنّي الذي نختزله في الإدراك التّشكيلي، والذّاكرة البصريّة والثقافيّة للفنّانة، ويجمع هذا اللاّوعي طبقات حضاريّة في كيان الفنّانة. من الصّائب الاعتراف بالقاع الأسطوري الذي يستدعيه العمل الفنّي فتحضر العناصر الأسطوريّة من شخوص ومفردات علاميّة وروحيّة ممتلئة بالحلم والواقع في آن واحد. تحضر'عشتار' بمثل ما يحضر'تمّوز'، ولكنّه حضور يطرح الأسطورة جانبا، فلا تتماهى الأعمال الفنّيّة مع محتوى الأساطير، بقدر ما تولّد أسطورتها الخاصّة، فبين المرأة والرّجل في لعبة التّشكيل أكثر ممّا بين الكائنين في لعبة الأسطورة. وإذ تبقى المرأة مثالا مركزيّا للحضور، فإنّه حضور مُرتعب وأليم في الغالب، ذاك ما يصوّره ظهورها في العمل الفنّي، بل ذاك ما تنتهي إليه اللّوحة وقد استحالت شيئين عجيبين أوّلهما أنّها 'فضاء مشهدي' وثانيهما أنّها 'جسد' ،ولكن يأتي حضور المرأة مفتقرا إلى الحركة، كأنّها كائن استاتيكي وهو وجه من وجوه ألمها، ولهذا فهي نقيض الأسطورة. إنّ المرأة الأسطوريّة لها قدسيّة في ذاتها وفي سياق انبثاقها، ولدى متلقّيها، أمّا امرأة بتول الفكيكي فهي تستبطن الشّعور القاسي والمشترك مع غالبيّة النّساء العربيّات بأنّهنّ ما زلن رمزيّا في طور 'الموؤودة'، فيكون العالم الأسطوريُّ عالما واهيا أمام ما يحدث في الواقع، وبهذا حاولت الفكيكي أن تجمع بين تمويه الانتماء إلى أسطوريّة خالصة وبين الانتساب اللاّمشروط إلى أديم الأرض العربيّة وهواء السّماء العربيّة، وليست الغاية من استدعاء ما هو أسطوري الانغراس في الخطاب التّأصيلي وإنّما الانطلاق من عصر كانت فيه المرأة ، المقدّس بامتياز بينما هي في الوطن العربي بشكل عامّ ما تزال مُدانة وما يزال جسدها موشوما بكلّ علامات التّأخّر رغم كلّ المساحيق القانونيّة والتّشريعيّة المتناثرة هنا وهناك لأنّ المشكل الدّامي هو سيادة النّظرة الدّونيّة للمرأة على أرض الواقع ورضوخ المجتمع لحالة المفارقة بين تشريع حالم وواقع كابوسي.
المرأة /الجسد في الإرث الأسطوري ينبوع الخصب والحياة والقداسة، صورة منتهكة في الواقع المعاصر للمرأة العربيّة. بدأ تجلّي المرأة في ظلّ تشخيصيّة حالمة، ساعدتها الشّفافيّة والألوان ذات الانسيابيّة من مضاعفة الحلم، وتخصيب الذاكرة، وإن كان العنصر الرّجالي يحضر ويغيب في مجمل الأعمال ويقف دوما في المستوى الثّاني لسطح اللّوحة وهو اختيار جمالي ومعرفي، فإنّ وجوده مرتهن دائما بوجود المرأة لأنّه لا يحضر مفردا أو وحيدا، إنّ وجوده المشروط بالمرأة يُدخله إلى 'حرم المرأة' فتنقلب المواضعات لتشير إلى عودة'المكبوت'، المرأة من الهامش إلى المركز، والرّجل من السّياديّة إلى الارتهان، وربّما قد يستشفّ المشاهد نوعا من التّغنّي النّسوي برياديّة المرأة في ظاهر الرّؤية الفنيّة، ولكنّ ذلك ليس صحيحا لأنّ التّلويح بالحضور المكتنز للعنصر النّسائي لا يحمل إقصاء للعنصر الرّجالي، بل هناك تكامل خاصّة في المراحل الأولى من التّجربة وقد يعزى انفراد 'المرأة' بالظّهور في الأعمال الأخيرة إلى تحوّل في الرّؤية من ثنائيّة الوجود إلى غربة الجسد الطّعين، ومن التّكامل الذي كان ظاهريّا ومحكوما بالشّرط الأسطوري(تمّوز/عشتار) وبالشّرط الواقعي الاجتماعي، إلى إعلان اللّوحة/العالم الكياني للفنّانة بسرابيّة ما هو أسطوري وتلاشي ماهو اجتماعي، وكأنّ اضمحلال التّكامل أكّد خيبة الوصال في عالم كلّ ما فيه يعلن عن الانشطار.
تلازم الألوان التّرابيّة أغلب ردهات التجربة، معلنة بذلك انتماء عالم الفنّانة إلى الأرض، ولكنّ الشّروخ والصّدوع هي سمة هذا العالم/هذه الأرض، ومهما ذهب تكوين العناصر إلى استدعاء العناصر النّباتيّة والأشجار ذات الهالة القدسيّة، فإنّ مفهوم الخصوبة موهوم بسبب 'زلزلة الأرض'، وهو ما يُغدق على اللّوحة بعدها الحركي فالعالم الفنّي ثابت من حيث حضور العناصر المتكرّرة:'المرأة'، 'الرّجل'، النّبات' الأشجار'، الأرض'، 'الجدار'، ولكنّه دينامي في مستوى بنائيّة هذه العناصر التي تلتقي في بؤرة الانكسار والتّصدّع. وبمثل ما يكون العالم التّكويني مصابا بهذه الدّيناميّة وهذه الشّروخ بشكل مشترك ومجمّع، فإنّ عددا كبيرا من اللّوحات يفرد لهذه العناصر استقلالها عن الأخرى ليكون التّصدّع مصيرا جماعيّا وفرديّا في الوقت نفسه، وكأنّ خراب الجماعة مُؤذنٌ بخراب الذّات.
تتبرع بجزء من ريع المعرض لإغاثة غزة:
http://www.alquds.co.uk/today/26m14.jpg
عمان ـ 'القدس العربي'-شبكة رؤى الأدبية
يستضيف مركز 'رؤى' للفنون، في 3 شباط (فبراير) المقبل المعرض الشخصي السابع للفنانة العراقية بتول الفكيكي. وتتناول لوحات المعرض المسمى (جسد موشوم) تجليات روحية حميمية للجسد الانساني بكل عذاباته ومحنه ومعاناته ومسراته وانكساراته، وستتبرع الفنانة بتول الفكيكي بجزء من ريع المعرض لـ'الأنروا' وذلك دعما للشعب الفلسطيني في غزة. ويستمر المعرض الى 19 من شباط (فبراير) 2009، وقالت الفكيكي المقيمة في لندن في التقديم لمعرضها:
اللاوعي يدفعني الى اختيار الجسد كونه بيتاً للسعادة والالم...المكان يهيمن على جزء كبير من ذاتي لا يمكنني التخلي عن جغرافية المكان والبشر والميثولوجيا..الرموز... كلها هي خزين الذاكرة عن المكان أغلب أعمالي تعتمد على الشكل وتأثيره على أعمالي كبير. إن الشكل هو الجسد والمضمون هو الروح.. وتتساءل بتول الفكيكي التي توزعت جدارياتها في مدن مختلفة بينها جدارية في مطار بغداد الدولي: ما قيمة الجسد بلا روح وأين الروح حين يختفي الجسد؟ وقالت:
ألجأ الي الرسم لنفض الالام .. وهكذا مع لحظات الفرح حين تدفعني لأدون اللحظة وحفظ قوة تأثيرها.لجأت الي عشتار واستنطقت حالاتها، تجليها، عذاباتها، عسفها، أوجاعها، فرحها، حزنها وهمومها.
وبمناسبة معرض الفنانة بتول الفكيكي في مركز 'رؤى' للفنون، عمان - الاردن قدم لمعرض 'جسد موشوم' الدكتور نزار شقرون وهو شاعر وجامعي من تونس.
ذاكرة في لوحات الفنّانة بتول الفكيكي: المأساة
تستمرّ تجربة الفنّانة بتول الفكيكي في التّواصل مع الموروث الفنّي العراقي الحديث، حيث تُعلي بشكل دامغ من انتمائها إلى المشهد التّشكيلي العراقي رغم استقرارها منذ أكثر من خمس عشرة سنة في بريطانيا، هذا الفضاء المحمّل بإغراءات فنيّة ومفعم بتيّارات وموجات ما بعد حداثيّة كثيرا ما أثّرت في المشهد التّشكيلي العربي فما بالك بسلطة تأثيرها على الفنّان العربي الذي يحيا في صلب دوّامتها؟ إلاّ أنّ الفكيكي لم تنجذب إلى ما يطرأ سنويّا من متغيّرات الفنّ المعاصر و'تقليعاته' بل إنّها واصلت حفر نهرها غير عابئة برياح تحطيم مقولات الفنّ. وإذا ما ذهب الفنّان العربي إلى استقدام 'الهابنينغ' و'البرفورمانس'و'فنّ التّنصيبة' فإنّها بقيت محافظة على فهمها للعمل الفنّي باعتباره 'لوحة' و'نافذة' مطلّة على العالم وعلى الذّات، والتزمت بفنّ التّصوير التزامها باللّون وقدرته على إكساب العمل الفنّي جماليّته ورؤيته الآنيّة والمستقبليّة للإنسان العربي. وتمثّل هذه المحافظـــــة موقفا تقنيّا ووجوديّا إزاء ما يتناثر في العالم من حمّى اقتـــــلاع 'اللّوحة' وإلقائها في مزبلة تاريخ الفنّ، وإن كانت هــذه الدّعوى قائمة منذ بداية القرن العشرين ومستفحلة أكــــثر في نهاياته ، فإنّ الإصرار على التّمسّك باللّوحة المسنديّة يعدُّ خيارا فنّيّا بدرجة أولى، وموقفا رافضا للانصياع إلى هذه المتغيّرات. وتأخذ سمة المحافظة شكل الثّابت البنائي في تجربة الفكيكي، إنّنا أمام خيط رابط، من عمل إلى آخر، ومن حقبة إلى أخرى، فلا يكون الانقطـــاع لديها نهائيّا وإنّما ينبني على الاتّصال والتّوالد العجيب، وهو ما يقودنا إلى استجلاء نواة ينبوعيّة للتّجــــربة ما تفتأ تلد العمل تلو الآخر، فينهض الأسلوب الفــنّي من رحم واحدة بمثل ما تكون الفكرة الأمّ هي الرّحم المركزية لجمـــيع الأعمال الفنّيّة. وبقدر ما تعيدنا جميع الأعمال إلى رؤية عميقة مركزيّة ومستبدّة بتفاصيل التّجربة، فإنّها تسمح بالتّنويع في الاستخدامات اللّونيّة خاصّة وفي طرق التّعامل مع العناصر التّشكيليّة.
تبيّن تجربة بتول الفكيكي مجازيّا أنّها شجرة بشتّى المعاني، فلا يمكن اليوم أن ننظر إلى المشهد التّشكيلي العراقي الحديث دون أن تقف أمامنا تجربتها بثقلها التّاريخي والرّمزي، فبعد ليلى العطّار تقف بتول في واجهة هذا المشهد، وإذا كانت يد الغدر قد سرقت العطّار من الحياة أي عطّلت تجربتها الفنّيّة إلى الأبد وهي في أوج العطاء، فإنّ بتول ما تزال تشاكس غدر الزّمان والمكان لتضاعف من تفتّق تجربتها. ولا يعني أنّها تنتمي إلى هذه الدّائرة التي يريد بعض مؤرّخي الفنّ جرّها إليها، أي دائرة الفنّ النّسائي العراقي، بل إنّها تكسر هذا الطّوق، ولا تستسيغه بمعناه الاختزالي، فكونها امرأة مبدعة وسط حشود الذّكوريّة العربيّة شبه المطلقة لا ينغلق على 'نسويّة' مرَضيّة رغم ما يمكن أن تلهبه تيمة 'المرأة' في أعمالها الفنّيّة، وإذا ما اعتبرناها واحدة من أهمّ الرّسّامات العراقيّات في تاريخ الفنّ التّشكيلي العراقي، فلأنّها مضت في تأصيل تجربتها الفنّيّة، منطلقة من رؤية للعمل الفنّي ومن استقراء للوضع التّشكيلي العراقي، وهو ما بلور لديها مشروعا فنّيّا له مقوّماته الأسلوبيّة وامتداداته في كلّ فترات تجربتها، فما يميّزها عن غيرها هو هذا الامتداد الجمالي من السّبعينيات إلى الآن في إطار المحافظة على نهج أسلوبي يكثّف من الشّفافيّة ومن عشق الألوان وتوليد ممكنات اللّون الواحد بتفريعاته وباستدعاء العلامات والرّموز إلى درجة بلوغ العمل الفنّي طور 'المنسوج الرّمزي' الذي يغتني بالسّرد في تشخيصيّة جديدة تجمع بين مباشرة المرجع والانقطاع عنه في الوقت نفسه. وما يزيد في إكساب هذا الامتداد سلطته على التّجربة عدم تغافله عن المتغيّرات الحضاريّة التي عايشتها الفنّانة قبل وبعد الغزو الأمريكي لبلدها، إذ أنّ عالمها موشوم بالحدث الحضاري الذي لا تكون الوقائع التّاريخيّة سوى شرارات منه. ولم يدفعها 'المنفى الاختياري والاضطراري' في آن واحد الى الانعزال تماما عن العالم في أوّل حياتها بلندن وهو ما جعلها تشارك في المهرجانات الدّوليّة وتعرض أعمالها في معارض فرديّة وجماعيّة، وإن احتجبت نسبيّا في بعض السّنوات وانقطعت عن هذه المشاركات فذلك كان من باب اعتكاف المتصوّف الذي يخلد إلى مزاره/مرسمه لمجاهدة تجربته وللتّرقّي إلى مدارج العرفان، وسريعا ما عادت بتول إلى غمرة حضورها، وبين الحضور والغياب في تجربتها حياة وممارسة فنيّة إنّما تختزل 'النّسغ العشتاري' في نبض فعاليّتها الإبداعيّة.
هناك إقرار متواصل بالينبوع الأوّل لفكرة القداسة متمحورا حول المرأة/الأمّ/الآلهة الأولى في الفكر الجمعي الرّافديني والإنساني عموما، وهو ما لا يمكن إنكاره أو تجاوزه، ولكنّ هذه المرأة التي تستحضر في داخلها كلّيّةَ العناصر بما هي 'حاكمة ما في السّماوات من فوق وما في الجحيم من تحت، مركز القوّة الرّبّانيّة' تجسّد في الأعمال الفنيّة لعبة الخفاء والتّجلّي، إنّه تجلّيها فوق الأرض وخفاؤها في العوالم السّفليّة، وقد برزت في المراحل الأولى من التّجربة الفنّيّة بفعل 'تخلّق' العمل الفنّي، أي ولادته، فالعمل الفنّي لا يحيل على مرجعيّة خارجه فحسب وإنّما يسرد أيضا قصّة ولادته هو بالذّات، وهذا ما يعدُّ أساس العمليّة الإبداعيّة. إنّ ما يشغل الفنّانة ليس فعل الإحالة على ما هو خارج اللّوحة فقط ولكن إظهار تفكيرها المستمرّ في بناء عالم اللّوحة، ويأخذ هذا التّفكير بعدا إنشائيّا يتقاطع فيه الوعي باللاّوعي، الوعي بالولادة المستمرّة وبحلول العمل الفنّي في العالم الدّنيوي، واللاّوعي بملامسة غيب العمل الفنّي الذي نختزله في الإدراك التّشكيلي، والذّاكرة البصريّة والثقافيّة للفنّانة، ويجمع هذا اللاّوعي طبقات حضاريّة في كيان الفنّانة. من الصّائب الاعتراف بالقاع الأسطوري الذي يستدعيه العمل الفنّي فتحضر العناصر الأسطوريّة من شخوص ومفردات علاميّة وروحيّة ممتلئة بالحلم والواقع في آن واحد. تحضر'عشتار' بمثل ما يحضر'تمّوز'، ولكنّه حضور يطرح الأسطورة جانبا، فلا تتماهى الأعمال الفنّيّة مع محتوى الأساطير، بقدر ما تولّد أسطورتها الخاصّة، فبين المرأة والرّجل في لعبة التّشكيل أكثر ممّا بين الكائنين في لعبة الأسطورة. وإذ تبقى المرأة مثالا مركزيّا للحضور، فإنّه حضور مُرتعب وأليم في الغالب، ذاك ما يصوّره ظهورها في العمل الفنّي، بل ذاك ما تنتهي إليه اللّوحة وقد استحالت شيئين عجيبين أوّلهما أنّها 'فضاء مشهدي' وثانيهما أنّها 'جسد' ،ولكن يأتي حضور المرأة مفتقرا إلى الحركة، كأنّها كائن استاتيكي وهو وجه من وجوه ألمها، ولهذا فهي نقيض الأسطورة. إنّ المرأة الأسطوريّة لها قدسيّة في ذاتها وفي سياق انبثاقها، ولدى متلقّيها، أمّا امرأة بتول الفكيكي فهي تستبطن الشّعور القاسي والمشترك مع غالبيّة النّساء العربيّات بأنّهنّ ما زلن رمزيّا في طور 'الموؤودة'، فيكون العالم الأسطوريُّ عالما واهيا أمام ما يحدث في الواقع، وبهذا حاولت الفكيكي أن تجمع بين تمويه الانتماء إلى أسطوريّة خالصة وبين الانتساب اللاّمشروط إلى أديم الأرض العربيّة وهواء السّماء العربيّة، وليست الغاية من استدعاء ما هو أسطوري الانغراس في الخطاب التّأصيلي وإنّما الانطلاق من عصر كانت فيه المرأة ، المقدّس بامتياز بينما هي في الوطن العربي بشكل عامّ ما تزال مُدانة وما يزال جسدها موشوما بكلّ علامات التّأخّر رغم كلّ المساحيق القانونيّة والتّشريعيّة المتناثرة هنا وهناك لأنّ المشكل الدّامي هو سيادة النّظرة الدّونيّة للمرأة على أرض الواقع ورضوخ المجتمع لحالة المفارقة بين تشريع حالم وواقع كابوسي.
المرأة /الجسد في الإرث الأسطوري ينبوع الخصب والحياة والقداسة، صورة منتهكة في الواقع المعاصر للمرأة العربيّة. بدأ تجلّي المرأة في ظلّ تشخيصيّة حالمة، ساعدتها الشّفافيّة والألوان ذات الانسيابيّة من مضاعفة الحلم، وتخصيب الذاكرة، وإن كان العنصر الرّجالي يحضر ويغيب في مجمل الأعمال ويقف دوما في المستوى الثّاني لسطح اللّوحة وهو اختيار جمالي ومعرفي، فإنّ وجوده مرتهن دائما بوجود المرأة لأنّه لا يحضر مفردا أو وحيدا، إنّ وجوده المشروط بالمرأة يُدخله إلى 'حرم المرأة' فتنقلب المواضعات لتشير إلى عودة'المكبوت'، المرأة من الهامش إلى المركز، والرّجل من السّياديّة إلى الارتهان، وربّما قد يستشفّ المشاهد نوعا من التّغنّي النّسوي برياديّة المرأة في ظاهر الرّؤية الفنيّة، ولكنّ ذلك ليس صحيحا لأنّ التّلويح بالحضور المكتنز للعنصر النّسائي لا يحمل إقصاء للعنصر الرّجالي، بل هناك تكامل خاصّة في المراحل الأولى من التّجربة وقد يعزى انفراد 'المرأة' بالظّهور في الأعمال الأخيرة إلى تحوّل في الرّؤية من ثنائيّة الوجود إلى غربة الجسد الطّعين، ومن التّكامل الذي كان ظاهريّا ومحكوما بالشّرط الأسطوري(تمّوز/عشتار) وبالشّرط الواقعي الاجتماعي، إلى إعلان اللّوحة/العالم الكياني للفنّانة بسرابيّة ما هو أسطوري وتلاشي ماهو اجتماعي، وكأنّ اضمحلال التّكامل أكّد خيبة الوصال في عالم كلّ ما فيه يعلن عن الانشطار.
تلازم الألوان التّرابيّة أغلب ردهات التجربة، معلنة بذلك انتماء عالم الفنّانة إلى الأرض، ولكنّ الشّروخ والصّدوع هي سمة هذا العالم/هذه الأرض، ومهما ذهب تكوين العناصر إلى استدعاء العناصر النّباتيّة والأشجار ذات الهالة القدسيّة، فإنّ مفهوم الخصوبة موهوم بسبب 'زلزلة الأرض'، وهو ما يُغدق على اللّوحة بعدها الحركي فالعالم الفنّي ثابت من حيث حضور العناصر المتكرّرة:'المرأة'، 'الرّجل'، النّبات' الأشجار'، الأرض'، 'الجدار'، ولكنّه دينامي في مستوى بنائيّة هذه العناصر التي تلتقي في بؤرة الانكسار والتّصدّع. وبمثل ما يكون العالم التّكويني مصابا بهذه الدّيناميّة وهذه الشّروخ بشكل مشترك ومجمّع، فإنّ عددا كبيرا من اللّوحات يفرد لهذه العناصر استقلالها عن الأخرى ليكون التّصدّع مصيرا جماعيّا وفرديّا في الوقت نفسه، وكأنّ خراب الجماعة مُؤذنٌ بخراب الذّات.