حسام حسن
6 - 1 - 2008, 09:14 PM
الحداثـــة العربيــة .. ســــطح أم عمــــق؟ الظل الباهت لخطاب الحداثة الغربي
تشكل علاقة الفكر بالواقع علاقة إشكالية. والقول بأنها علاقة جدلية ليس خطأ، بمعنى أن التغيرات التي تحدث في كل منهما - عبر سيرورة تاريخية طويلة نسبياً - تؤثر في الآخر بشكل ما، وأن كل واحد منهما يواجه الآخر بشيء من الممانعة، بسبب ميل إلى الاستقرار.
وبشكل عام، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن إشكالية الحداثة، لا تخرج عن إطار علاقة الفكر بالواقع. ولما كان خطاب الحداثة هو خطاب أوروبي المنشأ والهوية، فمن المفيد التمهيد للحداثة العربية بعرض موجز للخطوط العريضة للحداثة الأوروبية. الحداثة الأوروبية: البنية والتاريخ من المألوف أن التأريخ للفلسفة الغربية الحديثة يبدأ عادة من ديكارت (1596 - 1650) والملقب - عن جدارة - بأبي الفلسفة الحديثة أو بأبي العقلانية الحديثة، إلا أن فلسفة ديكارت ذاتها جاءت تتويجاً للمرحلة الأولى من النهضة الأوروبية (1453 - 1600) والتي اتسمت بالنزعة الإنسانية، وكان من أبرز أعلامها (نيقولاي دي كوسَّا، وبارسيلوس، وماكيافيللي، وجيوردانو برونو). وإعلاناً ببدء المرحلة الثانية (1600- 1690) فقد عرفت بنزعتها العلمية، وكان من أبرز أعلامها - إضافة إلى ديكارت (فرنسيس بيكون وهوبز وسبينوزا ولايبنتس ولوك).
لقد ترافقت المرحلة الأولى للنهضة مع بدء الانتشار الأوروبي في القارة الأمريكية؛ هذا الانتشار الذي عمل على نهب ثروات القارة وبخاصة الذهب الذي تدفق بكميات كبيرة على أوروبا. الأمر الذي أدى إلى انتعاش اقتصادي، وبالتالي تشكلت فئة اجتماعية جديدة، كانت بمثابة النواة التي انبثقت منها الطبقة البرجوازية. ومع مرور قرابة القرنين على سيرورة التشكل هذه ومع استمرار تدفق الذهب المنهوب، ونمو التجارة في أوروبا، أصبحت الطبقة البرجوازية الفاعل الاقتصادي الأكثر تأثيراً في المجتمع الأوروبي.
وهنا يأتي الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر، إذاً أنا موجود)، والذي كان إعلاناً عن وجود الطبقة البرجوازية وهويتها بمقدار ما كان تعبيراً عن نمط جديد من الوعي - الوعي العقلاني للعالم. خاصة وأن الكوجيتو الديكارتي كان مترافقاً بمنهج الشك الديكارتي الذي وضع كل المعارف التقليدية في سلة الشك ونظر إليها بعين الريبة. لينطلق بعد ذلك كل من هوبز وسبينوزا ولايبنتس ولوك لتعميق العقلانية من جوانب مختلفة، وليقوم لوك بتعميق تجريبية بيكون، المنهج الذي أدى تطبيقه في العلم الطبيعي إلى تأسيس ميكانيك نيوتن. ومع انتشار العقلانية، بدأت البرجوازية الأوروبية تطالب بتحقيق كيانها السياسي المتمثل بالدولة القومية، الأمر الذي أدى وظيفتين
هامتين للمجتمعات الأوروبية:
1-استقلال السلطة السياسية في كل دولة عن السلطة البابوية، وهذا ما سمي لاحقاً بالعلمانية، أي فصل السلطة الزمانية عن السلطة الدينية؛
2-منع تدفق الذهب من الشعوب الأوروبية إلى خزائن الفاتيكان. وبسبب المقاومة العنيفة التي واجهتها هذه المطالب، نشأت حركات الإصلاح الديني والثورات الشعبية، وقد انتهت جميعها، وبحكم حركة التاريخ، إلى تحقق الدولة القومية. وهنا بدأ التيار العقلاني بطرح السؤال عن طبيعة العلاقة بين السلطة والشعب. الأمر الذي أدى، تدريجياً، إلى بلورة جملة من المبادئ مثل: العقد الاجتماعي، ومبدأ سيادة القانون، ومن ثم المجالس النيابية.
وكانت هذه المبادئ بمثابة المكونات الأساسية للديمقراطية الغربية، التي استطاعت من خلالها البرجوازية الأوروبية أن تمارس دوراً سياسياً مكافئاً لفاعليتها الاقتصادية. إلا أن البرجوازية الغربية اندفعت بعد ذلك، واستناداً إلى التطورات العلمية والتكنولوجية، باتجاه الصناعة، لتشكل الطبقة الرأسمالية، و يتحول معها الكوجيتو الديكارتي من الأنا أفكر إلى الأنا المركز. ويصف آلان تورين هذا التحول بأنه تحول من الأنا العقلاني إلى الذات النرجسية، التي تنظر إلى العالم انطلاقاً من ذاتها، باعتبارها مركز العالم، وباقي العالم مجرد محيط يدور في فلكها، ولتبدأ أوروبا مرحلتها الاستعمارية مع بداية النصف الثاني للقرن الثامن عشر، وتخوض خلالها صراعاتها على مناطق النفوذ.
إلا أن الإنتاج السلعي المتزايد باستمرار، والإفقار المستمر للشعوب الواقعة تحت الاستعمار، أدى في النهاية إلى كساد سلعي، كان من بعض نتائجه قيام حربين عالميتين. ليعود الوعي الأوروبي ويعلن - مع بداية الستينيات من القرن العشرين - انتهاء مرحلة الحداثة، وبدء مرحلة ما بعد الحداثة، والتي تمثلت في عدد من المدارس الفكرية: كالبنيوية والتفكيكية والتأويلية وغيرها. الحداثة العربية: تاريخ ومشكلات ثمة خلاف جزئي حول ما إذا كانت حملة نابليون على مصر هي الصدمة التي أطلقت شرارة الوعي العربي بحالة الضعف والتخلف الذي يعيشها المجتمع العربي، أم أن حالة الوعي هذه هي نتاج مشروع محمد علي باشا (حكم مصر من 1805 - 1852) في تأسيس دولة قوية مستقلة عن السلطنة العثمانية ومنافسة للدول العظمى الاستعمارية. ويبدو أن جمع الرأيين في هذا الخلاف ليس بالخطأ الكبير. والمهم أنه مع بداية الربع الثاني من القرن التاسع عشر بدأ العقل العربي بطرح إشكالية النهضة عبر ممثلها الأول رفاعة رافع الطهطاوي، العائد من بعثة عملية إلى فرنسا، استمرت سبع سنوات. وكان من أهم طروحاته: نشر التعليم وفتح المدارس، وبخاصة في القرى والأرياف. وطالب بتعليم البنات وتحرر المرأة، كما نادى بالانفتاح على الفكر الغربي، وكان مؤسس ومدير أول دار حكومية للترجمة. أما في المسائل السياسية، فقد نظر الطهطاوي إلى الدولة على أنها طائر، جناحاه الشعب والسلطة، إضافة إلى الكثير من الطروحات العقلانية. وما لبثت طروحات الطهطاوي أن كرست - على يد كثير من المثقفين المصريين وغير المصريين - مسألة النهضة، ومن أبرز هؤلاء نذكر قاسم أمين ومحمد عبدو وجمال الدين الأفغاني وفرح أنطون وشبلي شميل وعبد الرحمن الكواكبي.. وصولاً إلى طه حسين، والعديد من المثقفين، الذين عرفهم النصف الثاني من القرن العشرين. والمهم هنا هو الإجابات التي قدمها المثقفون العرب لسؤال النهضة. فقد انقسمت الإجابات في اتجاهات ثلاثة: الأول، هو الاتجاه السلفي، والذي يرى أن ضعفنا هو نتيجة لابتعادنا عن تراثنا الديني، وبالتالي فإن شرط النهضة هو العودة إلى حظيرة الدين وتشكيل دولة إسلامية، تقوم على مبادئ الدين وتعيد للعرب والمسلمين عظمتهم وقوتهم. أما التيار الثاني فكان له موقف معاكس تماماً، إذ رأى أن التعلق بالماضي هو سبب تخلفنا وأن شرط النهضة هو الاقتداء بالغرب اقتداء الحافر بالحافر. وقد سمي هذا التيار بالعصروي والليبرالي والعدمي وغيرها من التسميات. أما التيار الثالث، فقد رأى أن علينا أن نجمع بين الأمرين جمعاً حميداً، فنأخذ من تراثنا ما فيه من أخلاق وقيم ونأخذ من الغرب ما فيه من علم وعقلانية وتطور تكنولوجي، وقد سمي هذا التيار بالتيار التوفيقي. والمهم هنا أن ما يمكن أن يسمى خطاب الحداثة في الفكر العربي الحديث والمعاصر يتمثل في جملة من المثقفين الذين رفعوا شعار العقلانية وأشادوا بقيمة العقل في تحقيق النهضة، وعلى سبيل المثال نذكر محمد عبده وفرح أنطون، اللذين طالبا بالعودة إلى العقلانية الرشدية، وكذلك طه حسين الذي دعا إلى تبني العقلانية الديكارتية وبخاصة منهج الشك الديكارتي وتطبيقه على التراث، وهو ما قام به في كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي). ومن المعاصر اليوم نجد الحداثة حاضرة لدى الكثير من المثقفين من أمال محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وعبد الله العروي وعلي حرب ومطاع الصفدي وأدونيس وغيرهم. إلا أن ما له دلالة كبيرة هنا، هو أن سؤال النهضة ومطلب الحداثة ما زال مثاراً وما زال موضوع خلاف ونقاش حتى الساعة. وهو أمر إنما يشير إلى أننا لم نحقق النهضة المنشودة، ولم ننجز من الحداثة ما أردناه. ونحن هنا إنما نؤكد على أمرين: الأول أن العديد من مثقفينا (ومنهم من أشرنا إليهم) قد قدموا خطاباً أصيلاً في الحداثة. والأمر الآخر هو أننا على المستوى الواقعي لم ندخل مرحلة الحداثة. فالحداثة الأوروبية حققت على أرض الواقع انتشار المنهج العقلاني في التفكير والمنهج التجريبي في البحث العلمي والدولة القومية الديمقراطية القائمة على العقد الاجتماعي ومبدأ سيادة القانون على المستوى السياسي، ومبدأ الحرية الفردية المحكومة بضمير أخلاقي فردي على المستوى الأخلاقي والسلوكي. وهي أمور فشلت الحداثة العربية في تحقيقها جملة وتفصيلاً. فالحداثة العربية حداثة خطاب وليست خطاب حداثة، إنها تعبير عن خطاب يحدث ذاته وفق مفاعيله الداخلية وتأثراته بالخطاب الغربي، دون أن تكون خطاباً تعبّر به حداثة الواقع عن ذاتها. ذلك أن سؤال النهضة أساساً، وكما أشرنا سابقاً، كان إما بتأثير خارجي (حملة نابليون) أو بأمر سلطاني (مشروع محمد علي باشا). ولم يكن بإطلاق تعبيراً عن طبقة اجتماعية فاعلة تريد إثبات وجودها والاعتراف بهويتها. لقد افتقدت الحداثة العربية إلى الحامل الاجتماعي، وهو المكون الأساسي الذي يضمن للفكر تأثيره على الواقع ويعطيه القدرة على توجيه الحراك الاجتماعي وفق حركة التاريخ. ورغم اعتقادنا بأن حداثة الخطاب العربي هي مجرد ظل باهت لخطاب الحداثة الغربية، فإننا نؤكد بأن الحداثة كانت وما زالت الهمّ الأول للكثير من المثقفين العرب، رغم أنها بالنسبة إلى الكثير من الشعوب والحكومات العربية آخر الهمّ.
تشكل علاقة الفكر بالواقع علاقة إشكالية. والقول بأنها علاقة جدلية ليس خطأ، بمعنى أن التغيرات التي تحدث في كل منهما - عبر سيرورة تاريخية طويلة نسبياً - تؤثر في الآخر بشكل ما، وأن كل واحد منهما يواجه الآخر بشيء من الممانعة، بسبب ميل إلى الاستقرار.
وبشكل عام، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن إشكالية الحداثة، لا تخرج عن إطار علاقة الفكر بالواقع. ولما كان خطاب الحداثة هو خطاب أوروبي المنشأ والهوية، فمن المفيد التمهيد للحداثة العربية بعرض موجز للخطوط العريضة للحداثة الأوروبية. الحداثة الأوروبية: البنية والتاريخ من المألوف أن التأريخ للفلسفة الغربية الحديثة يبدأ عادة من ديكارت (1596 - 1650) والملقب - عن جدارة - بأبي الفلسفة الحديثة أو بأبي العقلانية الحديثة، إلا أن فلسفة ديكارت ذاتها جاءت تتويجاً للمرحلة الأولى من النهضة الأوروبية (1453 - 1600) والتي اتسمت بالنزعة الإنسانية، وكان من أبرز أعلامها (نيقولاي دي كوسَّا، وبارسيلوس، وماكيافيللي، وجيوردانو برونو). وإعلاناً ببدء المرحلة الثانية (1600- 1690) فقد عرفت بنزعتها العلمية، وكان من أبرز أعلامها - إضافة إلى ديكارت (فرنسيس بيكون وهوبز وسبينوزا ولايبنتس ولوك).
لقد ترافقت المرحلة الأولى للنهضة مع بدء الانتشار الأوروبي في القارة الأمريكية؛ هذا الانتشار الذي عمل على نهب ثروات القارة وبخاصة الذهب الذي تدفق بكميات كبيرة على أوروبا. الأمر الذي أدى إلى انتعاش اقتصادي، وبالتالي تشكلت فئة اجتماعية جديدة، كانت بمثابة النواة التي انبثقت منها الطبقة البرجوازية. ومع مرور قرابة القرنين على سيرورة التشكل هذه ومع استمرار تدفق الذهب المنهوب، ونمو التجارة في أوروبا، أصبحت الطبقة البرجوازية الفاعل الاقتصادي الأكثر تأثيراً في المجتمع الأوروبي.
وهنا يأتي الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر، إذاً أنا موجود)، والذي كان إعلاناً عن وجود الطبقة البرجوازية وهويتها بمقدار ما كان تعبيراً عن نمط جديد من الوعي - الوعي العقلاني للعالم. خاصة وأن الكوجيتو الديكارتي كان مترافقاً بمنهج الشك الديكارتي الذي وضع كل المعارف التقليدية في سلة الشك ونظر إليها بعين الريبة. لينطلق بعد ذلك كل من هوبز وسبينوزا ولايبنتس ولوك لتعميق العقلانية من جوانب مختلفة، وليقوم لوك بتعميق تجريبية بيكون، المنهج الذي أدى تطبيقه في العلم الطبيعي إلى تأسيس ميكانيك نيوتن. ومع انتشار العقلانية، بدأت البرجوازية الأوروبية تطالب بتحقيق كيانها السياسي المتمثل بالدولة القومية، الأمر الذي أدى وظيفتين
هامتين للمجتمعات الأوروبية:
1-استقلال السلطة السياسية في كل دولة عن السلطة البابوية، وهذا ما سمي لاحقاً بالعلمانية، أي فصل السلطة الزمانية عن السلطة الدينية؛
2-منع تدفق الذهب من الشعوب الأوروبية إلى خزائن الفاتيكان. وبسبب المقاومة العنيفة التي واجهتها هذه المطالب، نشأت حركات الإصلاح الديني والثورات الشعبية، وقد انتهت جميعها، وبحكم حركة التاريخ، إلى تحقق الدولة القومية. وهنا بدأ التيار العقلاني بطرح السؤال عن طبيعة العلاقة بين السلطة والشعب. الأمر الذي أدى، تدريجياً، إلى بلورة جملة من المبادئ مثل: العقد الاجتماعي، ومبدأ سيادة القانون، ومن ثم المجالس النيابية.
وكانت هذه المبادئ بمثابة المكونات الأساسية للديمقراطية الغربية، التي استطاعت من خلالها البرجوازية الأوروبية أن تمارس دوراً سياسياً مكافئاً لفاعليتها الاقتصادية. إلا أن البرجوازية الغربية اندفعت بعد ذلك، واستناداً إلى التطورات العلمية والتكنولوجية، باتجاه الصناعة، لتشكل الطبقة الرأسمالية، و يتحول معها الكوجيتو الديكارتي من الأنا أفكر إلى الأنا المركز. ويصف آلان تورين هذا التحول بأنه تحول من الأنا العقلاني إلى الذات النرجسية، التي تنظر إلى العالم انطلاقاً من ذاتها، باعتبارها مركز العالم، وباقي العالم مجرد محيط يدور في فلكها، ولتبدأ أوروبا مرحلتها الاستعمارية مع بداية النصف الثاني للقرن الثامن عشر، وتخوض خلالها صراعاتها على مناطق النفوذ.
إلا أن الإنتاج السلعي المتزايد باستمرار، والإفقار المستمر للشعوب الواقعة تحت الاستعمار، أدى في النهاية إلى كساد سلعي، كان من بعض نتائجه قيام حربين عالميتين. ليعود الوعي الأوروبي ويعلن - مع بداية الستينيات من القرن العشرين - انتهاء مرحلة الحداثة، وبدء مرحلة ما بعد الحداثة، والتي تمثلت في عدد من المدارس الفكرية: كالبنيوية والتفكيكية والتأويلية وغيرها. الحداثة العربية: تاريخ ومشكلات ثمة خلاف جزئي حول ما إذا كانت حملة نابليون على مصر هي الصدمة التي أطلقت شرارة الوعي العربي بحالة الضعف والتخلف الذي يعيشها المجتمع العربي، أم أن حالة الوعي هذه هي نتاج مشروع محمد علي باشا (حكم مصر من 1805 - 1852) في تأسيس دولة قوية مستقلة عن السلطنة العثمانية ومنافسة للدول العظمى الاستعمارية. ويبدو أن جمع الرأيين في هذا الخلاف ليس بالخطأ الكبير. والمهم أنه مع بداية الربع الثاني من القرن التاسع عشر بدأ العقل العربي بطرح إشكالية النهضة عبر ممثلها الأول رفاعة رافع الطهطاوي، العائد من بعثة عملية إلى فرنسا، استمرت سبع سنوات. وكان من أهم طروحاته: نشر التعليم وفتح المدارس، وبخاصة في القرى والأرياف. وطالب بتعليم البنات وتحرر المرأة، كما نادى بالانفتاح على الفكر الغربي، وكان مؤسس ومدير أول دار حكومية للترجمة. أما في المسائل السياسية، فقد نظر الطهطاوي إلى الدولة على أنها طائر، جناحاه الشعب والسلطة، إضافة إلى الكثير من الطروحات العقلانية. وما لبثت طروحات الطهطاوي أن كرست - على يد كثير من المثقفين المصريين وغير المصريين - مسألة النهضة، ومن أبرز هؤلاء نذكر قاسم أمين ومحمد عبدو وجمال الدين الأفغاني وفرح أنطون وشبلي شميل وعبد الرحمن الكواكبي.. وصولاً إلى طه حسين، والعديد من المثقفين، الذين عرفهم النصف الثاني من القرن العشرين. والمهم هنا هو الإجابات التي قدمها المثقفون العرب لسؤال النهضة. فقد انقسمت الإجابات في اتجاهات ثلاثة: الأول، هو الاتجاه السلفي، والذي يرى أن ضعفنا هو نتيجة لابتعادنا عن تراثنا الديني، وبالتالي فإن شرط النهضة هو العودة إلى حظيرة الدين وتشكيل دولة إسلامية، تقوم على مبادئ الدين وتعيد للعرب والمسلمين عظمتهم وقوتهم. أما التيار الثاني فكان له موقف معاكس تماماً، إذ رأى أن التعلق بالماضي هو سبب تخلفنا وأن شرط النهضة هو الاقتداء بالغرب اقتداء الحافر بالحافر. وقد سمي هذا التيار بالعصروي والليبرالي والعدمي وغيرها من التسميات. أما التيار الثالث، فقد رأى أن علينا أن نجمع بين الأمرين جمعاً حميداً، فنأخذ من تراثنا ما فيه من أخلاق وقيم ونأخذ من الغرب ما فيه من علم وعقلانية وتطور تكنولوجي، وقد سمي هذا التيار بالتيار التوفيقي. والمهم هنا أن ما يمكن أن يسمى خطاب الحداثة في الفكر العربي الحديث والمعاصر يتمثل في جملة من المثقفين الذين رفعوا شعار العقلانية وأشادوا بقيمة العقل في تحقيق النهضة، وعلى سبيل المثال نذكر محمد عبده وفرح أنطون، اللذين طالبا بالعودة إلى العقلانية الرشدية، وكذلك طه حسين الذي دعا إلى تبني العقلانية الديكارتية وبخاصة منهج الشك الديكارتي وتطبيقه على التراث، وهو ما قام به في كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي). ومن المعاصر اليوم نجد الحداثة حاضرة لدى الكثير من المثقفين من أمال محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وعبد الله العروي وعلي حرب ومطاع الصفدي وأدونيس وغيرهم. إلا أن ما له دلالة كبيرة هنا، هو أن سؤال النهضة ومطلب الحداثة ما زال مثاراً وما زال موضوع خلاف ونقاش حتى الساعة. وهو أمر إنما يشير إلى أننا لم نحقق النهضة المنشودة، ولم ننجز من الحداثة ما أردناه. ونحن هنا إنما نؤكد على أمرين: الأول أن العديد من مثقفينا (ومنهم من أشرنا إليهم) قد قدموا خطاباً أصيلاً في الحداثة. والأمر الآخر هو أننا على المستوى الواقعي لم ندخل مرحلة الحداثة. فالحداثة الأوروبية حققت على أرض الواقع انتشار المنهج العقلاني في التفكير والمنهج التجريبي في البحث العلمي والدولة القومية الديمقراطية القائمة على العقد الاجتماعي ومبدأ سيادة القانون على المستوى السياسي، ومبدأ الحرية الفردية المحكومة بضمير أخلاقي فردي على المستوى الأخلاقي والسلوكي. وهي أمور فشلت الحداثة العربية في تحقيقها جملة وتفصيلاً. فالحداثة العربية حداثة خطاب وليست خطاب حداثة، إنها تعبير عن خطاب يحدث ذاته وفق مفاعيله الداخلية وتأثراته بالخطاب الغربي، دون أن تكون خطاباً تعبّر به حداثة الواقع عن ذاتها. ذلك أن سؤال النهضة أساساً، وكما أشرنا سابقاً، كان إما بتأثير خارجي (حملة نابليون) أو بأمر سلطاني (مشروع محمد علي باشا). ولم يكن بإطلاق تعبيراً عن طبقة اجتماعية فاعلة تريد إثبات وجودها والاعتراف بهويتها. لقد افتقدت الحداثة العربية إلى الحامل الاجتماعي، وهو المكون الأساسي الذي يضمن للفكر تأثيره على الواقع ويعطيه القدرة على توجيه الحراك الاجتماعي وفق حركة التاريخ. ورغم اعتقادنا بأن حداثة الخطاب العربي هي مجرد ظل باهت لخطاب الحداثة الغربية، فإننا نؤكد بأن الحداثة كانت وما زالت الهمّ الأول للكثير من المثقفين العرب، رغم أنها بالنسبة إلى الكثير من الشعوب والحكومات العربية آخر الهمّ.