المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكايات لا أملّ -3-



الحسن ناجين
6 - 5 - 2009, 09:01 PM
كان حيّنا يجاور الحقول والبساتين المسقية، ولا تبعد عنها الدّوار إلاّ بما لا يزيد عن الخمسمائة متر.
كانت ليالينا ظلماء حالكة. وكان الضوء الوحيد المتاح هو ضوء الشموع. وبمجرد أن تغيب الشمس وراء الأفق الواسع، تبدأ الجنادب والضفادع في عزف سيمفونيتها المُعتادة، وهذا ما يجعلني لا أقدر على مغادرة عتبة الدار.
أدخلوني المدرسة، ربما مرغما لحبي للعب مثل سائر الأطفال القادمين من القرية، أو ربما للكره الدفين لجوّ المدرسة التي كانت في منتصف الستينيات شيئا جديدا بالنسبة لنا،وجحيما لا يطاق. فقد كنا ندرس القرآن بالجامع جلوسا على حُصُر تأكل من أجسامنا أكثر مما نحفظه. وبين أيدينا ألواح نواظب على حفظ ما بها، حتى نتمكن في الصباح من استظهار الآيات كي نمحوها بالماء، ومن تمّ نطليها بالصلصال ونكتب عليها بمادة سوداء مذابة في الماء، كنا نسميها "السمخ"، وكنا نحصل عليها من خلال تعريض الصوف للنار، إلى أن نحصل على كتلة متجانسة شيئا ما لونها أسود . قلت كانت المدرسة شيئا جديدا. ومرغما قبلت الوضع. ومثل الجامع فهناك دائما رجل مكلف بتدريسنا، هذه المرة لم يكن اسمه الفقيه، بل كنا نناديه أستاذا.
كانت تمر علي الأيام والشهور رتيبة وأنا جالس، ملتزم بمقعدي الخشبي، لتمر كل أحرف الهجاء من أمامي. وكنت أرسم لها في رأسي الصغير أشكالا، كانت تخيفني. والسبب في ذلك، هو هذا الرجل الذي يعتني بهندامه كل يوم. فهو يلبس ثيابه في أناقة بالغة، ويضمخ كسوته بالعطر، لدرجة أنني حين أشم عطره وهو يمر بين الصفوف كانت تعتريني قشعريرة، تأخذني من قدميّ إلى أعلى رأسي. وفي بعض الأحيان أحس بالمغص في بطني. وكم كنت أحب ألا يلبس وزرته، فذاك دليل على أنني قد أكون أول المعاقبين أو أنه يستعدّ لحرب مع هذه الرؤوس الفارغة. لست أدري، كان هذا مبلغ الخوف مني.. كما كان لروائح الأقلام الملونة روائح ما زلت أشمها إلى اليوم. روائح الخشب الزكيّة الذي صنعت منه الأقلام، مثلما كانت للكتب والدفاتر روائح لجِدّتها، وروائح المداد في المحبرة وأما الصور المعلّقة على الجدران فقد كنت أستظهرها في منامي، كانت صورة الذئب والعنزة وسط الغابة وصورة الجزار يهوي على اللحم يقطعه وبعض الصور كانت للأرياف الفرنسية تجعلني أعيش ليلي أحيانا هناك وأنا أحاول جاهداً أن أتكلم لغتهم. أحلام بريئة لطفل صغير قد كنته يوماً .
ولا زلت أذكر حادثة علقت في ذهني إلى اليوم. في الحقيقة كنت في أولى سنوات الدراسة خاملا كسولا. والحادثة تتعلق بهذه الصفة التي لزمتني لثلاث سنوات. كان باب الفصل إلى الشرق بينما توجد أربع نوافذ في الجهة الغربية، وهذا ما يخلق مجرى هواء قوي، على الأخص في حصة ما بعد الظهر. كنت لا أجيد قراءة العربية، وإن حصل يوما و قرأت جملة فإن ما يليها لن يفهم منه السامع شيئا. كنا نبدأ قراءة النصوص واحدا واحدا، بدءا من أول صف حتى النهاية. وفي خلال ذلك كان الأستاذ يمر بين صفوف المقاعد شاهرا هراوة غليظة من شجر الزيتون. وبين الحين والآخر يتوعد المخطئين. وكل من كانت تطاله عصاه يستلم ما تيسر على يديه
وظهره. وكانت خطتي التي أفلتت بها مرتين من القراءة تتلخص في أن أرفع يدي عن كتاب القراءة، حين يبدأ الصديق الذي أمامي بالتململ والنحنحة استعدادا للقراءة، حيث أن كل الأوراق منزوعة من أصلها، لتتطاير بفعل مجرى الهواء. أرفع إصبعي مستأذنا الأستاذ في جمع ما تناثر. آخذ الإذن بذلك لأقف بين المقاعد وعند باب الفصل لاسترداد المتناثرات، وبين الجمع والترتيب يكون قد مر الوقت، وهكذا كانت تفوتني حصة القراءة، وأسلم من هراوة الأستاذ.

هناء المهنا
27 - 5 - 2009, 07:21 PM
ذكرتني بأيام المدرسة

والله ايام حلوة


سرد جميل


الحسن دمت بكل ابداع


تحياتي لك