المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجدة رحيّمة" - قصة قصيرة



حسام حسن
5 - 2 - 2008, 09:26 AM
الجدة رحيّمة" - قصة قصيرة

على الرغم من وجود اخوة واخوات وأولاد وبنات أعمام وعمات،الا ان "الجدة رحيّمة"كانت تؤثرنى على الجميع،وتحيطنى باهتمام يفوق ما كان يحصل عليه أقرانى، وأحظى منها بما يشعرهم بغيرة لا حدود لها.
فلا احد يأكل أو يشرب معها او يجالسها ليستمع الى احاديثها عن اهل بلدتنا من عقود وقرون وايام هوجة عرابى او حكاياتها عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال والنداهة وعرائس البحار وغوايتهن للبحارة...او ينعم بحضن دافىء محاط بذراعين طيبتين...
لا أحد،الا انا ...كانت تستيقظ من نومها الخفيف عند الفجر..فتهتف منادية لى باسمى،فأهرع من فورى اليها،وأبدأ مساعدتى لها لكى تتوضأ فأقوم باحضار الطست ودورق المياه وأصب لها حتى تنتهى وتؤدى صلاة الفجر،ثم بعد ذلك تبدأ ممارسة عملها المفضل اليها..بأن أقوم بامساك العنزة لها..وتبدأ هى فى مداعبة ضرعها برفق فيسيل الحليب الطازج ليستقر فى الاناء الذى يخشى كل من يقطن هذه الدار من المساس به خوفا من غضب "الجدة رحيّمة".
قالت ان جدتها "ءامنة" حجت البيت الحرام وزارت مسجد النبى المختار..ودعت الله وكانت عاقر ان يرزقها بالخلف الصالح الذى يسعدها وزوجها..ويملأ عليها حياتها.
وبعد ان أتمت شعائر الحج وفى طريق العودة غفا الجمع المصاحب طلبا للراحة الا هى مما اصابها من لوعة،فلا نوم زار جفونها ولا طعام نزل جوفها..وسارت قليلا مهمومة حزينة الا ورأت امامها رجل وقور لحيته كثة بيضاء كبياض وجهه الذى قارب بياض الثلج ،وثيابه ناصعة..يبدو وكأنه لا يرتكن الى الارض من تحته وكأنه فى وقفته يعتمد على الفراغ.
فزعت منه وراعها ما رأت..فسقطت مغشيا عليها..ورأت فيما يرى النائم ضياءا منيرا يخاطبها ان صبى الحليب فى انائك الفخارى واشربى منه حتى ترتوى..يعطيكى الله ما وقر فى قلبك وما أردتى.
فأفاقت من سباتها لتجد بجوارها اناءا كالذى رأته فى المنام فصحبته الى موضع اهلها الغافين.
وتنهى "الجدة رحيّمة"القصةبابتسامة تكشف عن لثة تتعلق بها بضع اسنان ..ان "الجدة ءامنة" رزقها الله بعشرين فتى وفتاة..وتستطرد بعد ان تتعاظم الابتسامة الى ضحكة صافية ان لو ارتويت لرزقك الله بكل ماتحب من مال وبنين.
اتتنى يوما،كنت قد بلغت عامى الثانى فى الجامعة وجلست قبالتى وهى تذرف دموعا سعيدة فرحة وتمتمت شفتاها بارتعاشة بعبارات من ادرك ان موعد الرحيل قد حان وقد وجب عليه اسداء النصح الاخير..راعنى هذا الشعور الذى اعتمل فى صدرها وقد التمعت عيناها من اثر الدمع بعدما افشت ما يجيش بداخلها..وانا اعلم انها ما أخطأت يوما فى تقديرماتشعر به..
قبلا اخبرت اهل الدار ان حادثا جلل قد حان حدوثه ومابيد احد منعه من الحدوث..
وما ان حاق بنا مصاب فادح بوفاة عمى الاصغر الذى انجبته بمشقة وصعوبة لاتتحملها الا الام المحبة التى هى فى انتظار خروج وليدها ليرى الشمس مهما حملها هذا من مشقة ..
اخبرونى ان صراخها لم يرتفع بل ظلت هادئة وقتها عكس ماهو متوقع فى هذا الوضع الذى تشبه الآلآم فيه الآم الموت. الا انها كانت على يقين تام بانها الآم الحياة التى تعمل داخلنا دائما دون ان نشعر بها الا حين يعلن قادم عن قدومه .
كانت تصيح به:
- اخرج الى الحياة كرجل.. لا تحاول الاختباء.
وحدث المراد من رب العباد وجاء الى دنيانا..كان فى صغره يشعرك بانه سيكون له من الشأن العظيم شيئا كبيرا .
ترعرع فى حجر امه محاطا بعناية فائقة حتى شب وكبر ..واصبح رجلا يافعا..وسيما..مهندما..انيقا.. تنقل بين البلاد متاجرا..حتى خبر الناس وعاداتهم..ودارسا على ايدى الفقهاء حتى حفظ من المتون واراء الشراح ما اهله ليخطب بموقع متميز فى جلسات الذكر..وليكون فى بطانة"الشيخ جاهر" خادم الطريقة الصوفية فى بلدتنا.
كانت تطلب منه ان يتزوج حتى يتسنى لها ان تحمل وليده الآتى حتما..حتى تشبع الاحساس العارم لديها بأن تعبها فى ولادته لم يذهب هباءا..
وكان رده..- الأوان ما حان ياأماه ..يعقبه دوما بابتسامة مليحة وقبلة على جبينها.
احترق داخل الزرع عندما اشعل "النطاط"النيران فى الحقل،ليعلن عن غضب "العمدة" العارم من المرأة قوية الارادة التى اشعلت قلوب الناس من ظلمه..لم تهنأ بالا وقتها الا بعد ان مضغت كبد العمدة الذى وجدوا جثته ملقاة على جانب الترعة وقد مثل بها اشد التمثيل..وقيد الحادث ضد مجهول الا ان الجميع كان يعلم انها من نكل به ..فقط دون ذكر ذلك لأن تأييد ماحدث كان اقوى بداخلهم.
لم يمر اسبوع على القائها لى على مسامعى خبر وفاتها الا وكانت قد رحلت مخلفة الايمان بداخلى الذى جعلنى انفذ وصيتها فى جعل العدل والحق منهاجا فى الحياة.
هذا بخلاف اناء اللبن المقدس الذى ماانفك يبتل صباح كل يوم بقطرات اللبن الطازج


حسام حسن

عبد الرحيم محمود
6 - 2 - 2008, 01:39 AM
قصه جميله حسام


الى الامام

نريد ان نرى ابداعك


مودتي

حسام حسن
6 - 2 - 2008, 02:46 AM
اشكرك ابيه عبد الرحيم

شمس الاصيل
14 - 2 - 2008, 11:15 AM
ذات الصدر الحنين الجدات

سرد سهل وممتع

تسلم الايادي اخي حسام

ننتظر المزيد

أحمد الشافعي
14 - 2 - 2008, 05:27 PM
وها أنت بكل وأدي تتالق حسام

إلي الأمام دوماً يا صديقي

حسام حسن
15 - 2 - 2008, 05:12 AM
شمس الاصيل شكرا بزاف على مرورك

صديقى صديقى منور والله شكرا على مرورك يا شافعى