عوني زنون أبوالسعيد
8 - 2 - 2008, 01:14 AM
أيها الممسوس بالشعر
(إلى شاعر "له أنتِ")
علي أبو خطاب
حين يذكر التاريخ الأدبي الفلسطيني عثمان حسين، سيذكره في رأيي لثلاثة أمور، الأول شعره، والثاني تنظيره الشعري، والثالث مجلة عشتار، بالنسبة إلى شعره نجد أن حسين كان متمرداً شعرياً منذ ديوانه الأول، حيث رفض الجعجعة الخطابية السائدة آنذاك دون طحن شعري يفيد الحركة الشعرية? إلا ما ندر- وأعلن لا انتماءه لهذا السائد، وكان سيزيفاً شعرياً حمل صخرة الشعر إلى قمة الأولمب من أجل ذائقة شعرية جديدة، وأخذ يؤسس لحالة شعرية خاصة برغم تقاطع ذاتيته مع التشظي العام، وكان تفرده الشعري أحد أهم الاستثناءات في المشهد الشعري الفلسطيني، لكن الآن? ورغم احتفاظه بتفرده? ثمة من تأثر به من الشعراء المعاصرين. وبهذا التفرد كان حسين بريئاً من تهمة التشابه الشعري التي يُتهم بها عادة كتّاب قصيدة النثر والشعر الحر، وأود أن أشير إلى أن كلا الشكلين الشعريين خاليان من الوزن والقافية إلا أن الأول يُكتب على شكل "النثر" في حين يكتب الآخر على شكل "شعر التفعيلة". إن حسين يمارس في شعره "القطيعة الإيجابية" فهو كما قال عنه الشاعر باسم النبريص في مقدمته لمجموعة عثمان حسين "من سيقطع رأس البحر": إنه شاعر "مجرّب" وهذا ما يقوده دوماً إلى آفاق شعرية جديدة مع كل مجموعة له. وهذا ما يكاد يجعل منه أهم صوت شعري في جيله مقيم في قطاع غزة، أما على صعيد فلسطين فهو في طليعة شعراء جيله خصوصاً لتميزه في الشعر الحر وقصيدة النثر التي أوصلته ممارساً الشعرية لهما أن يكون أحد الأصوات العربية الهامة في هذا المضمار. لكن مع ذلك? للأسف- لم يأخذ حقه الكافي حتى الآن من الدراسة والنقد سواء من نقادنا العرب أو حتى الفلسطينيين، وليس هذا المقال سوى مدخل لدراسة شاملة لكل أعماله الشعرية سننجزها مستقبلاً.
أما عن حسين كمنظّر أدبي، فيكمن في الدور الذي لعبه سنوات سابقة كمنظر للشعر الحر وقصيدة النثر كشكلين عصريين للشعرية العربية بل وللنص المفتوح عامة أيضاً، وذلك رغم قلة كتاباته التنظيرية، إلا أن حواراته في المشهد الثقافي تدعم ذلك بقوة كما أن لتنظيره جانباً آخر هو إبداعه الشعري ذاته. حيث إن التنظير والإبداع حاضران في نصه? وإن كنت أتمنى أن يولي النقد جانباً أكبر من كتاباته لإيماني بأن الشاعر الكبير هو ناقد كبير أيضاً، وخير مثال على ذلك طبعاً إليوت وأدونيس وجبرا وغيرهم. إن حسين يرفض بقوة هيمنة السياسي على الثقافي وهيمنة الشروط السياسية على الشروط الفنية، يقول حسين في مقدمته لمجموعة رؤى الياسمين 1993 لعائدة حسين: "ما زلنا نؤكد على أن التجربة الشعرية الفلسطينية في الأراضي المحتلة لم تخرج بعيداً عن مدار الطرح الرؤيوي الساذج ولا عن مباشرية الأيدلوجي المرتبط ارتباطاً شرطياً بسلفية لغوية ذات بعد واحد، وما زلنا نرفض? أيضاً- تكريس الأمر الواقع شعرياً، وإبداعياً، فالمنتج الحضاري لا يخضع لطبائع المراحل بقدر ما يخضع للوعي بطبيعة هذه المراحل، ولا يتأثر سلباً بأشكال الحصار المختلفة، الشعر على وجه الخصوص، وكجزء من هذا المنتج، يولد حاراً ونقياً ومغايراً في مثل هذه الظروف". وهو ينادي من أجل قصيدة فنية مركبة من أجل الوصول في النهاية للقضاء على الذائقة التقليدية التي اعتمدت الوزن والقافية من أجل الطرب أساساً ودغدغة العواطف، لكن حسين يكتب الشعر الخالي من الوزن والقافية ليحفز المستمع والقارئ على الاشتراك في العملية الإبداعية ويبحث وراء السطور، إنه يريد قصيدة تزلزل ولا تهدئ، يريد قصيدة متجددة تثير التفكير ولا تستهلك بعد أول قراءة. يكمل حسين ما سبق قائلاً: "القصيدة لم تعد هيكلاً تعليمياً جافاً، تولد وتموت فوق ظلها الوصيد، أو ضمن أفقها الواحد، القصيدة الجديدة ترفض أحادية الظل، وتغامر باتجاه آفاق لا نهائية تأخذ على عاتقها مسؤولية صعبة، تتمثل في إعادة صياغة "الذائقة الشعرية" لدى الآخر من خلال تراكميتها، الذائقة المجبولة بكل ما هو جمالي وإنساني، وهل تخرج قضيتنا المركزية والفلسطينية عن كونها من أخطر وأعمق القضايا الإنسانية" هنا يربط حسين بين الجمالي والفلسطيني فهو يرفض تفضيل أو تغليب أحدهما على الآخر. ويهاجم حسين النقد الأكاديمي الساذج أحياناً والذي يسعى إلى نوع من التقليدية الأدبية وعدم مجاراة ظروف العصر وإنسانه الجديد. يقول حسين: "ذلك الطرح النقدي الأكاديمي في مؤسساتنا الأكاديمية البدائية، التي تؤسس قيماً جمالية? تربوياً وإبداعياً- لا تنسجم مع حقيقة المتغيرين السيكولوجي والعقلي لدى الإنسان الفلسطيني من جهة، ومأزقيته الوجودية من جهة ثانية". إن حسين دائم الدعوة لاختراق شعري فلسطيني يقول عنه: "ذلك الاستثناء الذي يتشكل ببطء في ظروف صعبة والذي يحتاج إلى مزيد من الوقت والتعب". إن حسين كتب هذا في ذروة الانتفاضة الفلسطينية وفي خضم طوفان من الشعر السياسي المبتذل والناقص في شروطه الفنية غالباً، ومن هنا كان صوتاً جريئاً أو بعبارة التوراة? صوتاً صارخاً من الأرض (أرض الشعر). إن حسين في كل ما يطرحه من آراء نقدية لا يتحدث من فراغ، بل من وحي تجربته الشعرية ودراسته للأدب العربي إضافة إلى أنه "مثقف" ? كما يقول النبريص أيضاً- وذلك لمطالعاته الواسعة في الأدب العربي والعالمي ومتابعته الواعية لما يدور حوله في الساحة الثقافية العربية والفلسطينية خصوصاً. وعلى صعيد جرأته الأدبية التي تحدثنا عنها نراه أيضاً ? بخلاف كثيرين ? أن شاعر "الشعر الحر" أو "قصيدة النثر" ليس بحاجة لمعرفة الأوزان الشعرية (العروض) التي تلزم شاعر العمودي أو التفعيلة فهما? في رأيه- شكلين شعريين لهما خصوصيتهما التي لا علاقة لها بالوزن والقافية إلا عفواً، بل يرى حسين أن المتبحّر في الأوزان يكون أسوأ من يكتبهما لأنه يحمل إرثه الخليلي حينها وبذلك لا ينتج شعراً حراً وقصيدة نثر جيدة أو حتى قصيدة تفعيلة أو عمودية جيدة، فأصبح كمن "رقص على السلم". وقد أشار د.عبد الواحد لؤلؤة في مقدمته لمجموعة جبرا إبراهيم جبرا "متواليات شعرية" إلى هذا الأمر حين قال: "أما افتعال الوزن والقافية في الشعر الحر فإن ذلك ما يهبط به إلى مستوى النثر الرديء".
ويترأس عثمان هيئة تحرير مجلة عشتار، وهنا نلاحظ أيضاً أن للشعراء الكبار غالباً مجلاتهم المهمة، فهي رغم قلة أعدادها وتباعد فترات صدورها? تميزت بمواضيعها الهامة على صعيد الشعر والقصة القصيرة والترجمة والنقد الأدبي وغيره، وما زالت تواصل- ولكن بتقطع- الخروج عن التقاليد الشعرية وشق طريق جديدة للمهمش والمختلف الذي يحمل شروطه الفنية. وتكاد أن تكون مجلة عشتار قد سبقت المجلات الفلسطينية في الاحتفاء بالشعراء الفلسطينيين الشباب والتواصل معهم من أجل التجريب الشعري لصالح الإبداع. ومجلة عشتار في جانبها النقدي حاولت أن ترسخ نقداً إبداعياً يعيد النظر في التجربة الإبداعية الفلسطينية من منظور فني مغاير للمنظور السياسي كما حاولت أن تسدّ النقص في مجال المتابعة النقدية للكتابات الشابة التي لا يلتفت إليها سوى قلة من النقاد لا لنقص إمكاناتها وطاقاتها الإبداعية بل لأن أغلب النقاد يتجه نحو الأسماء اللامعة وإن كتبت أحياناً نصوصاً تقل عن مستوى نصوص الأسماء الخافتة.
بالنسبة إلى مجموعته "له أنتِ" تمثل إضافة نوعية للشعر الفلسطيني والعربي عامة، ويشاركه تقنياته وأدواته الشعرية التي ما زالت في طور التجريب. وتعتبر هذه المجموعة امتداداً لعالم حسين الشعري الذي صاغه في ثلاث مجموعات سابقة حيث المناخ الواقعي الفنتازي ذاته أو بعبارة أخرى الواقعية المصاغة بصور تجنح للسريالية غالباً، وهذه الصور الفنتازية هي عماد عالمه الشعري ومنطلق خصوصيته. وحسين يزاوج في أشعاره بين الشعر الحر وقصيدة النثر الذي تتمثل في هذه المجموعة بقصيدتين فقط هما "الدخول أولاً وربما أيضاً إلى خيلي" و"اعتراف". والمراوحة بينهما لها دوافعها النفسية التي تتعلق بالنفس الشعري واكتمال المعنى والدفق الشعوري. وإن كنا نلاحظ أن قصيدته قصيرة غالباً، بل إن هناك "القصيدة القصيرة جداً" أو "القصيدة التوقيعة" أو "قصيدة الومضة" أو "الجملة الشعرية"? حسب عبارة الصكر? ونجد هذا النوع الشعري في قصائد "يا دلفيني" و"عجز" و"تراجع" و"مباركة" و"نجاة"، ويصعب تحديد سطور هذه القصيدة القصيرة جداً ولكني أحددها بخمسة سطور على الأكثر. وهذا القصائد التي شاعت كلون معاصر تخلو من أية استطالات أو ترهلات وتعتمد الاختزال والتكثيف الصياغي لذا أرى أنها أحد أنواع "قصيدة الاختزال" أو "قصيدة البياض" أو "كتابة الحذف" وهي أحد الاتجاهات الشعرية العربية المعاصرة والتي تميل للحذف أكثر من ميلها للاستطراد. وقصائد حسين من هذا النوع تحتاج لقارئ خاص، يقول حاتم الصكر: "صعوبة هذا النوع من القصائد بالغة القصر لا يكمن في بنائها المقتصد وتمام دلالتها فحسب، بل في حاجتها إلى قارئ نظير لإيقاعها، يمكنه إدراك حكمتها وبلاغتها، ولا يبحث عن شروح أو تمددات لفظية وصورية عاطفية باذخة، قارئ يتعقب أثر النص في نفسه ولا يبحث في النص عن كل شيء كوجود تام ومكتمل" وهذا يتوافق مع ما ذكرته سابقاً أن حسين يبحث عن قارئ مثالي فعال يشترك معه في خلق النص وليس عن قارئ خامل يبحث عن نص واضح، فنص حسين غامض بقدر ما يحمل الغموض من جمالية، وكل هذا طبعاً في طريق خلق ذائقة شعرية جديدة.
عنوان المجموعة "له أنتِ" يضعنا أمام لعبة ذهنية شعرية من تلك التي يجيدها حسين، هنا إشارة لزوجين متناقضين دمجا معاً غائب (مذكر) مقابل مخاطب (مؤنث). وهذا ما يسميه فخري صالح جماليات التنافر. ويلعب حسين على وتر التنافر أكثر من مرة في مجموعته هذه، من ذلك قوله في قصيدته الأولى "الدخول أولاً وربما أيضاً إلى خيلي" (يكسراني بأنوثة) و(مخبئ الواضح) وفي القصيدة التي تحمل المجموعة اسمها يقول (ظلمة سنوات الضوء) وغير ذلك.
ربما أكثر ميزتين جماليتين تطغيان على شعر عثمان حسين هما "الدرامية" وما يمكن تسميته (الصوت الجانبي). الدرامية غدت جزءاً عضوياً من الشعر العربي المعاصر وحسين يستثمرها ببراعة في مجموعته ويستغلها كتقنية نثرية في النسيج الشعري. وهذه الدرامية نجدها في القصائد التالية: "كأنه يحمل يديه بسأم"، و"في غزة" و"صباح الخير" و"إغلاق"، وغالباً لا نعرف في هذه القصائد من الطرف الآخر في الحوار? على افتراض أن الأول هو الشاعر- عدا قصيدة "صباح الخير" حيث نسمع صوت ابنه محمود يقول "صباح الخير يا بابا".
أما "الصوت الجانبي" نقصد به القول الشعري الذي يقع بين قوسين كبيرين [ ] ويتخلل سياق القصيدة. وصاحب الصوت هنا غامض أيضاً كالمحاور في أغلب قصائده الدرامية، وربما هما لا وعي الشاعر أو قرينه الشعري أو أرواح مجهولة يستدعيها الشاعر. ونجد الصوت الجانبي في القصائد التالية: "خلاصة الأمر" و"في غزة" و"يبتلع ريقه ثم يبتسم" و"له أنتِ" و"الخميس" و"لبس" و"أنتظر المفاجأة منذ وقت بعيد".
ويوظف حسين التفاصيل جيداً في سياق قصيدته إسهاماً منه في هذا النوع من الشعر العربي المعاصر أي "قصيدة التفاصيل"، نجد ذلك في قصيدتي "صباح الخير" و"طاحونة جائعة" خصوصاً قصيدته الأخيرة التي تتضافر فيها التفاصيل لتعطي إحساساً بعبثية الحياة ومرارتها وتؤكد براعة حسين في الارتقاء بها لمستوى الأزلي والسمو بالمبتذل للمستوى الشعري.
أما إذا تركنا التقنيات الشعرية جانباً واتجهنا للمضمون فهو غالباً? في المجموعة كلها- هو المرارة والسأم والضجر والمحنة، ولا يتسع المقام هنا لإيراد كل الأدلة على ذلك لذا نكتفي بعناوين بعض القصائد مثل "كأنه يحمل يديه بسأم" و"عجز" و"تراجع" و"اعتراف" و"مرارة" و"إغلاق" و"خديعة" و"طاحونة جائعة"، وحسين في شجونه الذاتية هذه ينطبق عليه قول النبريص "منصتاً ومنصفاً للمسكوت عنه، لخطاب الفردي فيه، بعد أن خطف الجماعي جميع المسافات". لكن الفردي عند حسين بل عند الشعراء المعاصرين عامة تقريباً? ليس منفصلاً عن العام بل في جدلية معه لذا يستدرك النبريص ويقول "مخلصاً وأميناً? حتى بالمعنى الأخلاقي? لخراب عصره ولخيبات نهايات القرن". إن حسين ليس صوت تأملاته الوجودية فقط بل أيضاً صوت المأزقين الوجودي والنفسي للإنسان الفلسطيني وهذا ما يهمه وتحدث عنه كما مر بنا.
وكما للرسام أحياناً ألوانه الخاصة التي يحضرها بنفسه، كذلك للشاعر مفرداته أو قاموسه الشعري الذي يشكل به عالمه الغرائبي. ومن الثيمات أو العناصر الشعرية عند حسين "البحر" وما يتعلق به وكأنه يؤسس لـ "شعر البحر" مثلما يوجد "أدب البحر" ? إشارة إلى روايات حنا مينا مثلاً- نجد حسين يسمي مجموعته الثانية "البحار يعتذر عن الغرق" ومجموعته الثالثة "من سيقطع رأس البحر" بعض عناوين قصائده البحر كما في قصائد "هل نكتفي بزورق واحد" و"توضأت بماء النوارس" من مجموعته الثانية "من سيقطع رأس البحر"، أما هذه المجموعة فهنا قصيدة "يا دلفيني" وقصيدة "رغوة". ولا مجال هنا لاستقصاء أوسع في متون قصائده كلها. لكن نكتفي بمثال واحد من قصيدته الأولى في هذه المجموعة "الدخول أولاً وربما أيضاً إلى خيلي" حيث يقول: "يمسح البحر بهما وجهه" و"سيختلط البحر بالجبل" و"البحر مرة أخرى".
إن حسين شاعر يضيف الجديد إلى الشعر العربي مع كل مجموعة جديدة، لكن لا يلتفت إليه الكثير من نقادنا المعروفين أو رغم أننا نقع في منقطة مسلطة عليها الأضواء سياسياً، إلا أننا مظلومون ثقافياً? بالمعنى الحقيقي- فالتسليط الثقافي لا يكون إلا على قامات شعرية معينة وعلى نماذج شعرية تحترف السياسة الخطابية? غالباً- أكثر من احترافها للشعرية الفنية. لكني واثق من أن في وقت ما? ربما قريب? سيعطي النقاد شعر حسين حقه من الدراسة ويضعونه في موقعه الشعري الذي يستحقه بين أنداده العرب وذلك من منظور ليس أدبي فقط بل ومنظور سياسي راقي يراعي الفني أيضاً ولا يضحي بالشكل وتقنيات التعبير لصالح المضمون.
الحياة الجديدة
(إلى شاعر "له أنتِ")
علي أبو خطاب
حين يذكر التاريخ الأدبي الفلسطيني عثمان حسين، سيذكره في رأيي لثلاثة أمور، الأول شعره، والثاني تنظيره الشعري، والثالث مجلة عشتار، بالنسبة إلى شعره نجد أن حسين كان متمرداً شعرياً منذ ديوانه الأول، حيث رفض الجعجعة الخطابية السائدة آنذاك دون طحن شعري يفيد الحركة الشعرية? إلا ما ندر- وأعلن لا انتماءه لهذا السائد، وكان سيزيفاً شعرياً حمل صخرة الشعر إلى قمة الأولمب من أجل ذائقة شعرية جديدة، وأخذ يؤسس لحالة شعرية خاصة برغم تقاطع ذاتيته مع التشظي العام، وكان تفرده الشعري أحد أهم الاستثناءات في المشهد الشعري الفلسطيني، لكن الآن? ورغم احتفاظه بتفرده? ثمة من تأثر به من الشعراء المعاصرين. وبهذا التفرد كان حسين بريئاً من تهمة التشابه الشعري التي يُتهم بها عادة كتّاب قصيدة النثر والشعر الحر، وأود أن أشير إلى أن كلا الشكلين الشعريين خاليان من الوزن والقافية إلا أن الأول يُكتب على شكل "النثر" في حين يكتب الآخر على شكل "شعر التفعيلة". إن حسين يمارس في شعره "القطيعة الإيجابية" فهو كما قال عنه الشاعر باسم النبريص في مقدمته لمجموعة عثمان حسين "من سيقطع رأس البحر": إنه شاعر "مجرّب" وهذا ما يقوده دوماً إلى آفاق شعرية جديدة مع كل مجموعة له. وهذا ما يكاد يجعل منه أهم صوت شعري في جيله مقيم في قطاع غزة، أما على صعيد فلسطين فهو في طليعة شعراء جيله خصوصاً لتميزه في الشعر الحر وقصيدة النثر التي أوصلته ممارساً الشعرية لهما أن يكون أحد الأصوات العربية الهامة في هذا المضمار. لكن مع ذلك? للأسف- لم يأخذ حقه الكافي حتى الآن من الدراسة والنقد سواء من نقادنا العرب أو حتى الفلسطينيين، وليس هذا المقال سوى مدخل لدراسة شاملة لكل أعماله الشعرية سننجزها مستقبلاً.
أما عن حسين كمنظّر أدبي، فيكمن في الدور الذي لعبه سنوات سابقة كمنظر للشعر الحر وقصيدة النثر كشكلين عصريين للشعرية العربية بل وللنص المفتوح عامة أيضاً، وذلك رغم قلة كتاباته التنظيرية، إلا أن حواراته في المشهد الثقافي تدعم ذلك بقوة كما أن لتنظيره جانباً آخر هو إبداعه الشعري ذاته. حيث إن التنظير والإبداع حاضران في نصه? وإن كنت أتمنى أن يولي النقد جانباً أكبر من كتاباته لإيماني بأن الشاعر الكبير هو ناقد كبير أيضاً، وخير مثال على ذلك طبعاً إليوت وأدونيس وجبرا وغيرهم. إن حسين يرفض بقوة هيمنة السياسي على الثقافي وهيمنة الشروط السياسية على الشروط الفنية، يقول حسين في مقدمته لمجموعة رؤى الياسمين 1993 لعائدة حسين: "ما زلنا نؤكد على أن التجربة الشعرية الفلسطينية في الأراضي المحتلة لم تخرج بعيداً عن مدار الطرح الرؤيوي الساذج ولا عن مباشرية الأيدلوجي المرتبط ارتباطاً شرطياً بسلفية لغوية ذات بعد واحد، وما زلنا نرفض? أيضاً- تكريس الأمر الواقع شعرياً، وإبداعياً، فالمنتج الحضاري لا يخضع لطبائع المراحل بقدر ما يخضع للوعي بطبيعة هذه المراحل، ولا يتأثر سلباً بأشكال الحصار المختلفة، الشعر على وجه الخصوص، وكجزء من هذا المنتج، يولد حاراً ونقياً ومغايراً في مثل هذه الظروف". وهو ينادي من أجل قصيدة فنية مركبة من أجل الوصول في النهاية للقضاء على الذائقة التقليدية التي اعتمدت الوزن والقافية من أجل الطرب أساساً ودغدغة العواطف، لكن حسين يكتب الشعر الخالي من الوزن والقافية ليحفز المستمع والقارئ على الاشتراك في العملية الإبداعية ويبحث وراء السطور، إنه يريد قصيدة تزلزل ولا تهدئ، يريد قصيدة متجددة تثير التفكير ولا تستهلك بعد أول قراءة. يكمل حسين ما سبق قائلاً: "القصيدة لم تعد هيكلاً تعليمياً جافاً، تولد وتموت فوق ظلها الوصيد، أو ضمن أفقها الواحد، القصيدة الجديدة ترفض أحادية الظل، وتغامر باتجاه آفاق لا نهائية تأخذ على عاتقها مسؤولية صعبة، تتمثل في إعادة صياغة "الذائقة الشعرية" لدى الآخر من خلال تراكميتها، الذائقة المجبولة بكل ما هو جمالي وإنساني، وهل تخرج قضيتنا المركزية والفلسطينية عن كونها من أخطر وأعمق القضايا الإنسانية" هنا يربط حسين بين الجمالي والفلسطيني فهو يرفض تفضيل أو تغليب أحدهما على الآخر. ويهاجم حسين النقد الأكاديمي الساذج أحياناً والذي يسعى إلى نوع من التقليدية الأدبية وعدم مجاراة ظروف العصر وإنسانه الجديد. يقول حسين: "ذلك الطرح النقدي الأكاديمي في مؤسساتنا الأكاديمية البدائية، التي تؤسس قيماً جمالية? تربوياً وإبداعياً- لا تنسجم مع حقيقة المتغيرين السيكولوجي والعقلي لدى الإنسان الفلسطيني من جهة، ومأزقيته الوجودية من جهة ثانية". إن حسين دائم الدعوة لاختراق شعري فلسطيني يقول عنه: "ذلك الاستثناء الذي يتشكل ببطء في ظروف صعبة والذي يحتاج إلى مزيد من الوقت والتعب". إن حسين كتب هذا في ذروة الانتفاضة الفلسطينية وفي خضم طوفان من الشعر السياسي المبتذل والناقص في شروطه الفنية غالباً، ومن هنا كان صوتاً جريئاً أو بعبارة التوراة? صوتاً صارخاً من الأرض (أرض الشعر). إن حسين في كل ما يطرحه من آراء نقدية لا يتحدث من فراغ، بل من وحي تجربته الشعرية ودراسته للأدب العربي إضافة إلى أنه "مثقف" ? كما يقول النبريص أيضاً- وذلك لمطالعاته الواسعة في الأدب العربي والعالمي ومتابعته الواعية لما يدور حوله في الساحة الثقافية العربية والفلسطينية خصوصاً. وعلى صعيد جرأته الأدبية التي تحدثنا عنها نراه أيضاً ? بخلاف كثيرين ? أن شاعر "الشعر الحر" أو "قصيدة النثر" ليس بحاجة لمعرفة الأوزان الشعرية (العروض) التي تلزم شاعر العمودي أو التفعيلة فهما? في رأيه- شكلين شعريين لهما خصوصيتهما التي لا علاقة لها بالوزن والقافية إلا عفواً، بل يرى حسين أن المتبحّر في الأوزان يكون أسوأ من يكتبهما لأنه يحمل إرثه الخليلي حينها وبذلك لا ينتج شعراً حراً وقصيدة نثر جيدة أو حتى قصيدة تفعيلة أو عمودية جيدة، فأصبح كمن "رقص على السلم". وقد أشار د.عبد الواحد لؤلؤة في مقدمته لمجموعة جبرا إبراهيم جبرا "متواليات شعرية" إلى هذا الأمر حين قال: "أما افتعال الوزن والقافية في الشعر الحر فإن ذلك ما يهبط به إلى مستوى النثر الرديء".
ويترأس عثمان هيئة تحرير مجلة عشتار، وهنا نلاحظ أيضاً أن للشعراء الكبار غالباً مجلاتهم المهمة، فهي رغم قلة أعدادها وتباعد فترات صدورها? تميزت بمواضيعها الهامة على صعيد الشعر والقصة القصيرة والترجمة والنقد الأدبي وغيره، وما زالت تواصل- ولكن بتقطع- الخروج عن التقاليد الشعرية وشق طريق جديدة للمهمش والمختلف الذي يحمل شروطه الفنية. وتكاد أن تكون مجلة عشتار قد سبقت المجلات الفلسطينية في الاحتفاء بالشعراء الفلسطينيين الشباب والتواصل معهم من أجل التجريب الشعري لصالح الإبداع. ومجلة عشتار في جانبها النقدي حاولت أن ترسخ نقداً إبداعياً يعيد النظر في التجربة الإبداعية الفلسطينية من منظور فني مغاير للمنظور السياسي كما حاولت أن تسدّ النقص في مجال المتابعة النقدية للكتابات الشابة التي لا يلتفت إليها سوى قلة من النقاد لا لنقص إمكاناتها وطاقاتها الإبداعية بل لأن أغلب النقاد يتجه نحو الأسماء اللامعة وإن كتبت أحياناً نصوصاً تقل عن مستوى نصوص الأسماء الخافتة.
بالنسبة إلى مجموعته "له أنتِ" تمثل إضافة نوعية للشعر الفلسطيني والعربي عامة، ويشاركه تقنياته وأدواته الشعرية التي ما زالت في طور التجريب. وتعتبر هذه المجموعة امتداداً لعالم حسين الشعري الذي صاغه في ثلاث مجموعات سابقة حيث المناخ الواقعي الفنتازي ذاته أو بعبارة أخرى الواقعية المصاغة بصور تجنح للسريالية غالباً، وهذه الصور الفنتازية هي عماد عالمه الشعري ومنطلق خصوصيته. وحسين يزاوج في أشعاره بين الشعر الحر وقصيدة النثر الذي تتمثل في هذه المجموعة بقصيدتين فقط هما "الدخول أولاً وربما أيضاً إلى خيلي" و"اعتراف". والمراوحة بينهما لها دوافعها النفسية التي تتعلق بالنفس الشعري واكتمال المعنى والدفق الشعوري. وإن كنا نلاحظ أن قصيدته قصيرة غالباً، بل إن هناك "القصيدة القصيرة جداً" أو "القصيدة التوقيعة" أو "قصيدة الومضة" أو "الجملة الشعرية"? حسب عبارة الصكر? ونجد هذا النوع الشعري في قصائد "يا دلفيني" و"عجز" و"تراجع" و"مباركة" و"نجاة"، ويصعب تحديد سطور هذه القصيدة القصيرة جداً ولكني أحددها بخمسة سطور على الأكثر. وهذا القصائد التي شاعت كلون معاصر تخلو من أية استطالات أو ترهلات وتعتمد الاختزال والتكثيف الصياغي لذا أرى أنها أحد أنواع "قصيدة الاختزال" أو "قصيدة البياض" أو "كتابة الحذف" وهي أحد الاتجاهات الشعرية العربية المعاصرة والتي تميل للحذف أكثر من ميلها للاستطراد. وقصائد حسين من هذا النوع تحتاج لقارئ خاص، يقول حاتم الصكر: "صعوبة هذا النوع من القصائد بالغة القصر لا يكمن في بنائها المقتصد وتمام دلالتها فحسب، بل في حاجتها إلى قارئ نظير لإيقاعها، يمكنه إدراك حكمتها وبلاغتها، ولا يبحث عن شروح أو تمددات لفظية وصورية عاطفية باذخة، قارئ يتعقب أثر النص في نفسه ولا يبحث في النص عن كل شيء كوجود تام ومكتمل" وهذا يتوافق مع ما ذكرته سابقاً أن حسين يبحث عن قارئ مثالي فعال يشترك معه في خلق النص وليس عن قارئ خامل يبحث عن نص واضح، فنص حسين غامض بقدر ما يحمل الغموض من جمالية، وكل هذا طبعاً في طريق خلق ذائقة شعرية جديدة.
عنوان المجموعة "له أنتِ" يضعنا أمام لعبة ذهنية شعرية من تلك التي يجيدها حسين، هنا إشارة لزوجين متناقضين دمجا معاً غائب (مذكر) مقابل مخاطب (مؤنث). وهذا ما يسميه فخري صالح جماليات التنافر. ويلعب حسين على وتر التنافر أكثر من مرة في مجموعته هذه، من ذلك قوله في قصيدته الأولى "الدخول أولاً وربما أيضاً إلى خيلي" (يكسراني بأنوثة) و(مخبئ الواضح) وفي القصيدة التي تحمل المجموعة اسمها يقول (ظلمة سنوات الضوء) وغير ذلك.
ربما أكثر ميزتين جماليتين تطغيان على شعر عثمان حسين هما "الدرامية" وما يمكن تسميته (الصوت الجانبي). الدرامية غدت جزءاً عضوياً من الشعر العربي المعاصر وحسين يستثمرها ببراعة في مجموعته ويستغلها كتقنية نثرية في النسيج الشعري. وهذه الدرامية نجدها في القصائد التالية: "كأنه يحمل يديه بسأم"، و"في غزة" و"صباح الخير" و"إغلاق"، وغالباً لا نعرف في هذه القصائد من الطرف الآخر في الحوار? على افتراض أن الأول هو الشاعر- عدا قصيدة "صباح الخير" حيث نسمع صوت ابنه محمود يقول "صباح الخير يا بابا".
أما "الصوت الجانبي" نقصد به القول الشعري الذي يقع بين قوسين كبيرين [ ] ويتخلل سياق القصيدة. وصاحب الصوت هنا غامض أيضاً كالمحاور في أغلب قصائده الدرامية، وربما هما لا وعي الشاعر أو قرينه الشعري أو أرواح مجهولة يستدعيها الشاعر. ونجد الصوت الجانبي في القصائد التالية: "خلاصة الأمر" و"في غزة" و"يبتلع ريقه ثم يبتسم" و"له أنتِ" و"الخميس" و"لبس" و"أنتظر المفاجأة منذ وقت بعيد".
ويوظف حسين التفاصيل جيداً في سياق قصيدته إسهاماً منه في هذا النوع من الشعر العربي المعاصر أي "قصيدة التفاصيل"، نجد ذلك في قصيدتي "صباح الخير" و"طاحونة جائعة" خصوصاً قصيدته الأخيرة التي تتضافر فيها التفاصيل لتعطي إحساساً بعبثية الحياة ومرارتها وتؤكد براعة حسين في الارتقاء بها لمستوى الأزلي والسمو بالمبتذل للمستوى الشعري.
أما إذا تركنا التقنيات الشعرية جانباً واتجهنا للمضمون فهو غالباً? في المجموعة كلها- هو المرارة والسأم والضجر والمحنة، ولا يتسع المقام هنا لإيراد كل الأدلة على ذلك لذا نكتفي بعناوين بعض القصائد مثل "كأنه يحمل يديه بسأم" و"عجز" و"تراجع" و"اعتراف" و"مرارة" و"إغلاق" و"خديعة" و"طاحونة جائعة"، وحسين في شجونه الذاتية هذه ينطبق عليه قول النبريص "منصتاً ومنصفاً للمسكوت عنه، لخطاب الفردي فيه، بعد أن خطف الجماعي جميع المسافات". لكن الفردي عند حسين بل عند الشعراء المعاصرين عامة تقريباً? ليس منفصلاً عن العام بل في جدلية معه لذا يستدرك النبريص ويقول "مخلصاً وأميناً? حتى بالمعنى الأخلاقي? لخراب عصره ولخيبات نهايات القرن". إن حسين ليس صوت تأملاته الوجودية فقط بل أيضاً صوت المأزقين الوجودي والنفسي للإنسان الفلسطيني وهذا ما يهمه وتحدث عنه كما مر بنا.
وكما للرسام أحياناً ألوانه الخاصة التي يحضرها بنفسه، كذلك للشاعر مفرداته أو قاموسه الشعري الذي يشكل به عالمه الغرائبي. ومن الثيمات أو العناصر الشعرية عند حسين "البحر" وما يتعلق به وكأنه يؤسس لـ "شعر البحر" مثلما يوجد "أدب البحر" ? إشارة إلى روايات حنا مينا مثلاً- نجد حسين يسمي مجموعته الثانية "البحار يعتذر عن الغرق" ومجموعته الثالثة "من سيقطع رأس البحر" بعض عناوين قصائده البحر كما في قصائد "هل نكتفي بزورق واحد" و"توضأت بماء النوارس" من مجموعته الثانية "من سيقطع رأس البحر"، أما هذه المجموعة فهنا قصيدة "يا دلفيني" وقصيدة "رغوة". ولا مجال هنا لاستقصاء أوسع في متون قصائده كلها. لكن نكتفي بمثال واحد من قصيدته الأولى في هذه المجموعة "الدخول أولاً وربما أيضاً إلى خيلي" حيث يقول: "يمسح البحر بهما وجهه" و"سيختلط البحر بالجبل" و"البحر مرة أخرى".
إن حسين شاعر يضيف الجديد إلى الشعر العربي مع كل مجموعة جديدة، لكن لا يلتفت إليه الكثير من نقادنا المعروفين أو رغم أننا نقع في منقطة مسلطة عليها الأضواء سياسياً، إلا أننا مظلومون ثقافياً? بالمعنى الحقيقي- فالتسليط الثقافي لا يكون إلا على قامات شعرية معينة وعلى نماذج شعرية تحترف السياسة الخطابية? غالباً- أكثر من احترافها للشعرية الفنية. لكني واثق من أن في وقت ما? ربما قريب? سيعطي النقاد شعر حسين حقه من الدراسة ويضعونه في موقعه الشعري الذي يستحقه بين أنداده العرب وذلك من منظور ليس أدبي فقط بل ومنظور سياسي راقي يراعي الفني أيضاً ولا يضحي بالشكل وتقنيات التعبير لصالح المضمون.
الحياة الجديدة