amana
4 - 9 - 2009, 03:24 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
تحية طيبة من عمق بلادنا..
ها أنا أبدا، طيه، كتابة فصول من الكتاب الذي حدثتك عنه، وهو رواية عن مسيرة مواكبة عائلة قروية فلسطينية
تبدأ وقائعها قبيل تنفيذ وعد بلفور بإقامة دولة إسرائيل.
تبدأ وقائع الرواية تحديداً من أواخر الحرب العالمية الأولى، وتنتهي عند إقامة إسرائيل، وهي الحقبة التي أتم فيها الانجليز إعداد فلسطين لإسكان اليهود بشتى الطرق.
ويتضمن الكتاب – الرواية، بالإضافة إلى متابعة أحداث ونمط حياة ابن الريف الفلسطينيفي ذلك الوقت.. توثيقًا شبه حرفي لحياة الفلاح الفلسطيني قبل إقامة إسرائيل.
كما يتضمن حوالي 30 صفحة من الأغاني الفلكلورية الفلسطينية التي تخص الزواج سواء التي يغنيها الرجال أو النساء.
اعتقد بأن ارواية جديدة في موضوعها إذ تصور أحداثا تاريخية من خلال متابعة حياة أسرة فلسطينية عاشت قي ذلك الزمن.
ها أنا اضعها في "مكتب رؤى لحفظ الحقوق الأدبية والفكرية"
مع تحيات،
نسيم أبو خيط
/
/
/
/
آل طالب
(رواية فلسطينية)
/
/
/
/
/
جايز ظلام الليل
يبعدنا يوم، إنما
يقدر شعاع النور
يوصل لأبعد سما
ده حلمنا
طول عمرنا
حضن يضمنا
كلنا.. كلنا
(أغنية مشتركة لمجموعة مغنين)
/
/
الزمان: يبدأ في العام 1917، في أواخر الحرب العالمية الأولى.
المكان: قرية الطيرة، وهي قرية عربية تقع في الطرف الشرقي من مركز السهل الساحلي، حين كان عدد سكانها حوالي 1000 نسمة.. (مدينة الطيرة اليوم).
من هنا تبدأ الرواية..
وتنتهي عند إقامة دولة إسرائيل وضم القرية إلى تخومها سنة 1948.
في هذه الرواية لم يكن الدافع كتابة قصة بقدر ما هو توثيق مرحلة تاريخية لسكان قرية عربية قبل قيام دولة إسرائيل: ظروف معيشتهم، مصدر ارتزاقهم أو طبيعة عملهم، ظروف حياتهم، الأدوات التي يستخدمونها، تفكيرهم، تفاعلهم مع الأحداث القطرية التي مرت بالبلاد، وتأثير هذه الأحداث عليهم..
/
/
/
/
/
/
/
كلمة
لست قاصّاً أو أديباً بالمفهوم الكلاسيكي العام لكتابة القصة. فأنا لم أختر مساراً مهنياً معيناً لحياتي. حتى مهنة الصحافة وكتابة المقالة الصحفية التي زاولتها، جاءت نتاجاً للمسار السياسي الذي زجتني فيه ملابسات الحياة، والظروف العاصفة المحرقة التي عشتها مع أبناء جيلي في البلاد والمنطقة: ظروف "حرب متدحرجة"، مستهدَفة، من سنة إلى سنة، إلى عشر، وإلى ما شاء الله.. كأنها لعنة سماوية دهرية مستديمة.
لكني شغفت بقراءة القصة منذ صباي. فلم تقع عيني على قصة، صغيرة كانت أم كبيرة، إلا قرأتها، سواء نشرت في صحيفة أو في مجلة أو في كتاب. وبالذات، كنت مولعاً بقراءة القصص العاطفية، الرومانسية، المليئة بالشهامة والنخوة والإخلاص والتضحية، التي تغذي الروح وتجيش العاطفة، وتنزل الدمعة حزناً وتضامناً، بوقائعها المشبعة بالحب "الممنوع" الشبيه بالعذري، كما قدمها لطفي المنفلوطي في ترجماته "المتصرفة".. والقصص المطرزة بالمعاني الفلسفية والغموض والتأويل، التي أبدع فيها جبران خليل جبران.
خلال عملي في الصحافة، وبسبب الخلفية التي أشرت إليها، تنامى لدي الميل لكتابة الأخبار والوقائع على شكل أقاصيص صغيرة، كنت أبوّبها وأنشرها في الصحف بعنوان "صورة"، تتضمن حواراً مكثفاً للحدث، على طريقة ال"ماستر سين" في الأفلام. فقد أدركت من دوافعي لقراءة القصص، ومن التشجيع الذي استقبلت به "الصورة"، بأن الحوار الذي يقدم في الحدث الإخباري، مهما كان محدوداً، يجذب إليه اهتمام القارئ، لكونه يكسر سياق السرد الباعث للملل.
ولكي أكون واضحاً، لا بد من التأكيد بأن قواعد "الصورة" الأدبية - إن جاز التعبير - منزوعة من لغة الصحافة التي تتعامل مع الواقع بمواجهة مباشرة، وأقصد اللغة بما هي عليه، أو بما صارت إليه: بما اكتسبته من الجديد والمستجد، البسيط والموحي والمشحون، المعرّب والمأخوذ من الأصول. فهي لغة "أدب سيّار"، شبيهة بسيول الأمطار الجارية: بلا سدود وبلا محطات تنقية. فمن جهة لا تضاهي صفاء مياه الأعماق.. لكنها تبلّ وتروي وتتفاعل مع دفء الشمس في إنبات الجمال وجودة الحياة.
في النهاية، أريد أن أتقدم بالشكر للشاعر الزجّال الأستاذ ذيب عرو (جت)، وإلى حفظة الأغاني الشعبية الذين استعنت بهم لإتحاف الرواية بنكهة تراث الزجل والأغاني الشعبية القريبة من المشاعر والمحببة إلى النفوس، ومنهم الأخت سمية يوسف خاسكية والسيد فخري حسن فضيلي.
بدل مقدمة
"أيام السعادة" عند فاطمة الأحمد (أم مصطفى)، زوجة الشيخ عبد التواب- وهما من شخوص الرواية البارزين - مثلما لدى كل الناس، هي ببساطة: أيام صباها وشبابها. وهي تتزامن مع وقائع ما بعد الحرب العالمية الأولى، التي انتهت بانتداب بريطانيا العظمى على فلسطين، في العشرينات من القرن العشرين.. وهي الأيام التي تحنّ إليها أم مصطفى، وتتحدث عنها بلهفة وحسرة، ومفاخرة، كأنها منزوعة من أوقات وساحات الجنة. فهي لا تنسى أن تقول، في بداية الحديث ونهايته: "كانت أيام كلها سعادة".
"أيام السعادة" عندها ، يوم كانت "تقلع" خبزها من الطابون، ساخناّ مقمّراً "مثل الترياق"، وتلف لقمتها بورق البصل الأخضر وتغمسها بزيت الزيتون "الطفاح".. أو حين تقطف البطيخ النديّ "الذي يلمع مع الشمس" بأنواعه: "المحيسني" و"أبو نملة" و"المظلّع".. كل بطيخة بحجم قدر العائلة، أو بطول "عسليّة" الصبية، وكله بعلي يرويه الخالق من باطن الأرض، أحلى من السكر.. وأينما تميل تجد كيزان الصبار الحمراء أو التي يدبّ فيها اللون، تغمز لها ضاحكة.
أيام السعادة آنذاك كانت سهلة: فوجع العين يداوى بتعليق حجر "شبّة" في "القذلة"، يرف على العين الرمداء بعد تقطير العين بحليب امرأة بكرية.. وأوجاع البطن تعالج بالكيّ، وورم المفاصل بزرع حبة حمص في محيطه لتمتص منه الماء وتخفف الورم، ووجع الرأس ب"القراءة عليه" أو"التخريج عنه" عند الشيخ أو الشيخة.
أيام السعادة كانت خالية من كل ما يبدو لنا اليوم كأنه لا غنى عنه: خالية من السرير، من الخزانة، من الكرسي، من الكنبة، من الطاولة، من الدفتر، من القلم، من الكتاب، من الراديو، من الستريو، من التلفزيون، من السينما.. من أنبوب الغاز، من الفرن، من الميكرو، من المِكْسر، من الغسالة، من الثلاجة، من الكهرباء.. من الدراجة، من التراكتور، من السيارة، من الطيارة.. من الكمبيوتر من النقال.. من..
كانت أيام سعادة والسلام.. مع أن البارز في مقومات أيام سعادة أم مصطفى، هو الحفاء من الحذاء، وثِقَل الشقاء.
والرواية التي بين أيدينا تحاول أن ترسم الصورة أو تصفها، من دون إحصاء إرهاصات المشاعر الآدمية اليومية المرافقة لشقاء الناس، وشظف عيشهم، أو الأحلام ذات الأجنحة المتكسرة التي تبيت معهم وتبقى في ثنايا الوسائد.
* * *
في أيام طفولتي اعتدت أن أنسلّ من فراشي وأنتقل إلى فراش جدتي، وألح عليها لتروي لي حكاية قبل نومي.. والحكاية غالباً ما تكون مقطعاً من شريط حياتها. وكانت كلما اصطدمتْ بصدأ الذاكرة، تستعين بذاكرة جدي الذي اعتاد أن ينصت لرواياتها، شاخصاً مبتسماً يستحضر هو الآخر صور الماضي، فتسأله عن التفاصيل.. وكان يقول بعد أن يعينها على إكمال الصورة:
"إيه، ألا ليت الشباب يعود يوماً!"
كان لأحاديث جدتي فضل كبير في توفير مناخ الوقائع الأولى في "سيرة آل طالب"، وفي حبك نسجها: كيف عاش الناس آنذاك؟، وما هي الأدوات التي استعانوا بها على "تقليط" أيام السعادة، التي لا تتعدى القدرة على توفير عيش الاكتفاء الذاتي!. فقد عاشت جدتي، مع أهالي القرية جميعاً، على الحليب ومشتقاته: اللبن والجبن والسمن، الذي توفره الأبقار والأغنام، وعلى بيض دجاجات الدار، وبما تجود به الأرض من غلّة الفلْحة ومن الخضار. وعندما يذبح الجزار خروفاً أو عجلاً، مرة في الأسبوع أو في الأسبوعين، يشتري أهل الدار رطلاً أو نصف رطل يتحول إلى "منسف" يتحلق من حوله الصغير والكبير..
باختصار، هي أيام سعادة والسلام.
تحية طيبة من عمق بلادنا..
ها أنا أبدا، طيه، كتابة فصول من الكتاب الذي حدثتك عنه، وهو رواية عن مسيرة مواكبة عائلة قروية فلسطينية
تبدأ وقائعها قبيل تنفيذ وعد بلفور بإقامة دولة إسرائيل.
تبدأ وقائع الرواية تحديداً من أواخر الحرب العالمية الأولى، وتنتهي عند إقامة إسرائيل، وهي الحقبة التي أتم فيها الانجليز إعداد فلسطين لإسكان اليهود بشتى الطرق.
ويتضمن الكتاب – الرواية، بالإضافة إلى متابعة أحداث ونمط حياة ابن الريف الفلسطينيفي ذلك الوقت.. توثيقًا شبه حرفي لحياة الفلاح الفلسطيني قبل إقامة إسرائيل.
كما يتضمن حوالي 30 صفحة من الأغاني الفلكلورية الفلسطينية التي تخص الزواج سواء التي يغنيها الرجال أو النساء.
اعتقد بأن ارواية جديدة في موضوعها إذ تصور أحداثا تاريخية من خلال متابعة حياة أسرة فلسطينية عاشت قي ذلك الزمن.
ها أنا اضعها في "مكتب رؤى لحفظ الحقوق الأدبية والفكرية"
مع تحيات،
نسيم أبو خيط
/
/
/
/
آل طالب
(رواية فلسطينية)
/
/
/
/
/
جايز ظلام الليل
يبعدنا يوم، إنما
يقدر شعاع النور
يوصل لأبعد سما
ده حلمنا
طول عمرنا
حضن يضمنا
كلنا.. كلنا
(أغنية مشتركة لمجموعة مغنين)
/
/
الزمان: يبدأ في العام 1917، في أواخر الحرب العالمية الأولى.
المكان: قرية الطيرة، وهي قرية عربية تقع في الطرف الشرقي من مركز السهل الساحلي، حين كان عدد سكانها حوالي 1000 نسمة.. (مدينة الطيرة اليوم).
من هنا تبدأ الرواية..
وتنتهي عند إقامة دولة إسرائيل وضم القرية إلى تخومها سنة 1948.
في هذه الرواية لم يكن الدافع كتابة قصة بقدر ما هو توثيق مرحلة تاريخية لسكان قرية عربية قبل قيام دولة إسرائيل: ظروف معيشتهم، مصدر ارتزاقهم أو طبيعة عملهم، ظروف حياتهم، الأدوات التي يستخدمونها، تفكيرهم، تفاعلهم مع الأحداث القطرية التي مرت بالبلاد، وتأثير هذه الأحداث عليهم..
/
/
/
/
/
/
/
كلمة
لست قاصّاً أو أديباً بالمفهوم الكلاسيكي العام لكتابة القصة. فأنا لم أختر مساراً مهنياً معيناً لحياتي. حتى مهنة الصحافة وكتابة المقالة الصحفية التي زاولتها، جاءت نتاجاً للمسار السياسي الذي زجتني فيه ملابسات الحياة، والظروف العاصفة المحرقة التي عشتها مع أبناء جيلي في البلاد والمنطقة: ظروف "حرب متدحرجة"، مستهدَفة، من سنة إلى سنة، إلى عشر، وإلى ما شاء الله.. كأنها لعنة سماوية دهرية مستديمة.
لكني شغفت بقراءة القصة منذ صباي. فلم تقع عيني على قصة، صغيرة كانت أم كبيرة، إلا قرأتها، سواء نشرت في صحيفة أو في مجلة أو في كتاب. وبالذات، كنت مولعاً بقراءة القصص العاطفية، الرومانسية، المليئة بالشهامة والنخوة والإخلاص والتضحية، التي تغذي الروح وتجيش العاطفة، وتنزل الدمعة حزناً وتضامناً، بوقائعها المشبعة بالحب "الممنوع" الشبيه بالعذري، كما قدمها لطفي المنفلوطي في ترجماته "المتصرفة".. والقصص المطرزة بالمعاني الفلسفية والغموض والتأويل، التي أبدع فيها جبران خليل جبران.
خلال عملي في الصحافة، وبسبب الخلفية التي أشرت إليها، تنامى لدي الميل لكتابة الأخبار والوقائع على شكل أقاصيص صغيرة، كنت أبوّبها وأنشرها في الصحف بعنوان "صورة"، تتضمن حواراً مكثفاً للحدث، على طريقة ال"ماستر سين" في الأفلام. فقد أدركت من دوافعي لقراءة القصص، ومن التشجيع الذي استقبلت به "الصورة"، بأن الحوار الذي يقدم في الحدث الإخباري، مهما كان محدوداً، يجذب إليه اهتمام القارئ، لكونه يكسر سياق السرد الباعث للملل.
ولكي أكون واضحاً، لا بد من التأكيد بأن قواعد "الصورة" الأدبية - إن جاز التعبير - منزوعة من لغة الصحافة التي تتعامل مع الواقع بمواجهة مباشرة، وأقصد اللغة بما هي عليه، أو بما صارت إليه: بما اكتسبته من الجديد والمستجد، البسيط والموحي والمشحون، المعرّب والمأخوذ من الأصول. فهي لغة "أدب سيّار"، شبيهة بسيول الأمطار الجارية: بلا سدود وبلا محطات تنقية. فمن جهة لا تضاهي صفاء مياه الأعماق.. لكنها تبلّ وتروي وتتفاعل مع دفء الشمس في إنبات الجمال وجودة الحياة.
في النهاية، أريد أن أتقدم بالشكر للشاعر الزجّال الأستاذ ذيب عرو (جت)، وإلى حفظة الأغاني الشعبية الذين استعنت بهم لإتحاف الرواية بنكهة تراث الزجل والأغاني الشعبية القريبة من المشاعر والمحببة إلى النفوس، ومنهم الأخت سمية يوسف خاسكية والسيد فخري حسن فضيلي.
بدل مقدمة
"أيام السعادة" عند فاطمة الأحمد (أم مصطفى)، زوجة الشيخ عبد التواب- وهما من شخوص الرواية البارزين - مثلما لدى كل الناس، هي ببساطة: أيام صباها وشبابها. وهي تتزامن مع وقائع ما بعد الحرب العالمية الأولى، التي انتهت بانتداب بريطانيا العظمى على فلسطين، في العشرينات من القرن العشرين.. وهي الأيام التي تحنّ إليها أم مصطفى، وتتحدث عنها بلهفة وحسرة، ومفاخرة، كأنها منزوعة من أوقات وساحات الجنة. فهي لا تنسى أن تقول، في بداية الحديث ونهايته: "كانت أيام كلها سعادة".
"أيام السعادة" عندها ، يوم كانت "تقلع" خبزها من الطابون، ساخناّ مقمّراً "مثل الترياق"، وتلف لقمتها بورق البصل الأخضر وتغمسها بزيت الزيتون "الطفاح".. أو حين تقطف البطيخ النديّ "الذي يلمع مع الشمس" بأنواعه: "المحيسني" و"أبو نملة" و"المظلّع".. كل بطيخة بحجم قدر العائلة، أو بطول "عسليّة" الصبية، وكله بعلي يرويه الخالق من باطن الأرض، أحلى من السكر.. وأينما تميل تجد كيزان الصبار الحمراء أو التي يدبّ فيها اللون، تغمز لها ضاحكة.
أيام السعادة آنذاك كانت سهلة: فوجع العين يداوى بتعليق حجر "شبّة" في "القذلة"، يرف على العين الرمداء بعد تقطير العين بحليب امرأة بكرية.. وأوجاع البطن تعالج بالكيّ، وورم المفاصل بزرع حبة حمص في محيطه لتمتص منه الماء وتخفف الورم، ووجع الرأس ب"القراءة عليه" أو"التخريج عنه" عند الشيخ أو الشيخة.
أيام السعادة كانت خالية من كل ما يبدو لنا اليوم كأنه لا غنى عنه: خالية من السرير، من الخزانة، من الكرسي، من الكنبة، من الطاولة، من الدفتر، من القلم، من الكتاب، من الراديو، من الستريو، من التلفزيون، من السينما.. من أنبوب الغاز، من الفرن، من الميكرو، من المِكْسر، من الغسالة، من الثلاجة، من الكهرباء.. من الدراجة، من التراكتور، من السيارة، من الطيارة.. من الكمبيوتر من النقال.. من..
كانت أيام سعادة والسلام.. مع أن البارز في مقومات أيام سعادة أم مصطفى، هو الحفاء من الحذاء، وثِقَل الشقاء.
والرواية التي بين أيدينا تحاول أن ترسم الصورة أو تصفها، من دون إحصاء إرهاصات المشاعر الآدمية اليومية المرافقة لشقاء الناس، وشظف عيشهم، أو الأحلام ذات الأجنحة المتكسرة التي تبيت معهم وتبقى في ثنايا الوسائد.
* * *
في أيام طفولتي اعتدت أن أنسلّ من فراشي وأنتقل إلى فراش جدتي، وألح عليها لتروي لي حكاية قبل نومي.. والحكاية غالباً ما تكون مقطعاً من شريط حياتها. وكانت كلما اصطدمتْ بصدأ الذاكرة، تستعين بذاكرة جدي الذي اعتاد أن ينصت لرواياتها، شاخصاً مبتسماً يستحضر هو الآخر صور الماضي، فتسأله عن التفاصيل.. وكان يقول بعد أن يعينها على إكمال الصورة:
"إيه، ألا ليت الشباب يعود يوماً!"
كان لأحاديث جدتي فضل كبير في توفير مناخ الوقائع الأولى في "سيرة آل طالب"، وفي حبك نسجها: كيف عاش الناس آنذاك؟، وما هي الأدوات التي استعانوا بها على "تقليط" أيام السعادة، التي لا تتعدى القدرة على توفير عيش الاكتفاء الذاتي!. فقد عاشت جدتي، مع أهالي القرية جميعاً، على الحليب ومشتقاته: اللبن والجبن والسمن، الذي توفره الأبقار والأغنام، وعلى بيض دجاجات الدار، وبما تجود به الأرض من غلّة الفلْحة ومن الخضار. وعندما يذبح الجزار خروفاً أو عجلاً، مرة في الأسبوع أو في الأسبوعين، يشتري أهل الدار رطلاً أو نصف رطل يتحول إلى "منسف" يتحلق من حوله الصغير والكبير..
باختصار، هي أيام سعادة والسلام.