amana
15 - 9 - 2009, 04:21 PM
آل طالب
الفصل الثالث
في ضحى اليوم الثالث سمع الشيخ عبد التواب خبطاً شديداً على البوابة. فتقدم نحوها متوجساً. ومن ورائها تعرف على صوت ابن خاله حسن الصافي. إذ لم يكن الشيخ عبد التواب أو أي من أهل الدار بحاجة إلى دليل لمعرفة من يكون الطارق: فقد كان صوت حسن الصافي، الجهوري يملأ الحارة، كأنه يُعرِّف الصغير والكبير بوجوده أينما يحل. ومرة، شرحت أخته المرحومة أم عبد التواب لجاراتها قائلة: "وُلد أخي حسن هكذا، بصوت عال: فكان إذا بكى وهو طفل رضيع، تهرع الجارات إلى أمي، لاستقصاء الأسباب التي تحمله على إصدار صراخ يقض المضاجع. فتضحك أمي قائلة:
- يا اختي عليه.. من أين يأتي بهذا الصوت؟ إذا جاع، إذا بال.. كأن الأمهات لم تربّ أطفالاً قبله!
كان حسن الصافي (أبو جعفر) يكبر ابن عمته الشيخ عبد التواب بعام واحد. وكان يحبه ويعامله كصديق قبل أن يكون قريباً. وكان من وجهاء القرية، المشهود لهم بالفصاحة ومواجهة الأمور مع الأعيان ومع كبار رجال الحكومة، وفي تصريف شؤون البلد الاعتيادية والطارئة. وقد ورث كل هذا عن والده الشيخ فلاح الصافي، الذي كان ميسور الحال، وأوكلته الحكومة لمهمة تقدير أملاك السكان وغلتهم وتسجيل دوابهم، لاحتساب الضرائب (الويرتشو) المفروضة على السكان. فكان يحلل ما يحلل، ويحرّم الكثير رأفة بأهل البلد. فنشأ حسن الصافي وإخوانه و"ملعقة الذهب في أفواههم".. إذ تعاقد والده مع شيخ الكتاب في القرية، ليأتيه إلى البيت لتعليم أولاده الخمسة. وتفوق هو(حسن) من بينهم، وسبق إخوانه في استعداده الدائم للتدخل ومواجهة الأحداث. وصار يرافق والده في الحل والترحال. ويحضر مجالس الكبار، وينصت إلى أحاديثهم ويتابع محاوراتهم.. ومنذ أن خط شاربه وهو يتقمص شخصية الرجل الناضج العالم بالأمور على الصعيدين: صعيد العائلة الصغيرة وصعيد القرية. وحين صلب عوده، صار أبوه يعتمد عليه في المهمات الصعبة، فيرسله إلى مصر، في القطار، ليسبق شحنات البطيخ التي تشحن بالسفينة من ميناء "سيدنا علي"، إلى ميناء الإسكندرية، ليبيعها في أسواق مصر الواسعة. وكان يلبس البدلة الإفرنجية ويعتمر الطربوش الأحمر، ويقضي أياماً حمراء في الإسكندرية، قبل أن يسافر إلى القاهرة، ليمضي الليالي ساهراً في حفلات الغناء التي تحييها المغنيات والمغنين هناك. وقد اعتاد حين يعود إلى القرية أن يروي لأصحابه عن جولاته المنزوعة من حكايات ألف ليلة وليلة.
كان حسن الصافي "أفندياً" في سلوكه، لا يسمح لزوجته بالخروج للعمل في الأرض. فلم يكن بحاجة لعملها. فهيبة نفوذه تسخّر الحراثين لحراثة أرضه وبذارها في أي وقت يشاء، وتسخّر نساء الحارة والقريبات لزراعة البطيخ وقطف ثماره، وللحصاد مع "القطاريز".
كانت قرابة الدم بين حسن الصافي – الوجيه الفصيح، وبين الشيخ عبد التواب – المرجع الديني، تكمل متطلبات النفوذ بين الناس. وكان هذا يرضي "أبو جعفر" ويعزز جانب الغرور في نفسه، فيهز سبابته في وجه الشيخ عبد التواب بسبب وبغير سبب ويقول:
- لولا أنك ابن عمتي..
علا صوت حسن الصافي "يُعلل" الحارة. كأن الدنيا لا تشهد حرباً ضروساً. فهو لا ينتظر معرفة من يفتح له الباب، ويبادر سائلاً مشاكساً:
- أين أنتم يا أموات؟!. الدنيا مقلوبة وأنتم تحبسون أنفسكم طوعاً؟
كان صوته يدوي في الحارة كلها. وحين فتح الشيخ عبد التواب البوابة دخل معه حشد من الجيران، الذين آنسهم صوت "أبو جعفر"، فخرجوا يدفعهم الفضول لسماع الأخبار.
- أهلاً برائحة الأحبة، أهلاً بـ "أبو جعفر".
رحب به الشيخ عبد التواب، وأشار إلى موضع مركزي على "القصة" مفروش بحصير، قائلاً: "تفضل يا ابن الخال".
- ما معنى تفضل؟ الأتراك ينهزمون ويولون، تاركين عنابرهم بما فيها من غلة ومن أغراض.. والناس يستولون عليها ويعبئون "الخوابي"، وأنتم نيام؟! هيا يا عبد التواب، إبعث أحداً من الأولاد لعله يلحق شيئاً..
- أتريدني أن أشارك في نهب أملاك الدولة الإسلامية يا ابن الخال؟
- آ.. آ.. آ.. نسيت انك تتعاطف مع هؤلاء السفاحين الذين نصبوا أعواد المشانق والخوازيق لخيرة أبناء الشام!. كانت لهم دولة يا شيخ عبد. قل لي يا شيخنا الذي نحبه: لو كان أصحابك الأتراك مسلمين كما يريد الإسلام، هل يقبل الله لهم هذه الهزيمة النكراء؟!. قال شو: جيوش ومواقع وعنابر.. وجر الأولاد للعمل في السخرة، في حفر الاستحكامات.. ولم يصمدوا يوماً واحداً.. يا عيب الشوم!.
كان الشيخ عبد التواب يدرك أن آذان أهل الحي كلها تصغي لهذا الحوار. وكان مغتماً لهزيمة الأتراك بهذه السرعة. لكنه لا يستطيع الدفاع عنهم. حتى لو استطاع، فالكلام لا يجدي الآن.
- اجلس يا "بو جعفر" وخذ لك قدحاً من اللبن.. حتى لو ذهبنا إلى العنابر فلن نجد شيئاً.. إن الله هو الغني.
في غمرة هذا الحوار لم ينتبه أحد إلى انسلال زينب زوجة عبد الهادي، هي وحليمة زوجة عبد الجواد، من "الحوطة"، مهرولتين نحو العنبر التركي، ومع كل منهما شوال فارغ. لكن حين وصلتا العنبر كان قد استبيح تماماً، بما فيه الاستيلاء على ردات أبوابه ونوافذه. بل هناك من أخذ يفك جدرانه بالـ"النُّخل" لنقل حجارته..
بعد وفاة والده وتسلمه زمام الأمور، لم يغير الشيخ عبد التواب شيئاً في مجرى حياة عائلة "آل طالب". وكان همه منصباً في قيادة العائلة، مثلما كان يقودها المرحوم والده: بالكدّ والجدّ. وكان يقول ويردد دائماً، إن "الكدّ من أجل العيال عبادة"، وإن "الله يسهل طريق المُكِدّ لعياله في الدنيا، ويمسح ذنوبه في الآخرة". وكثيراً ما كان يواجه نفسه متسائلاً: هل هو – الشيخ عبد التواب – يكدّ للعيال؟، ويسرح بفكره في حساب مع النفس. فهو لم يمسك في حياته محراثاً، أو يضع في حجره حفنة بذار "يلقطها" وراء المحراث. لم يشارك في زراعة "مدحاة" بطيخ واحدة. لم يحصد الزرع. لم يجمع الغلة أو يشارك في الدرس على البيدر. لم يسرح البقر.. وقصر دوره على زيارة "الموارس" بعد ان ينمو فيها الزرع ويكسو اخضراره الأرض، فيقف عند رأس "المارس" ويقول: ما شاء الله.. ما شاء الله..
لكنه لا يلبث أن يستفيق من تقريع نفسه، ويعيد تقليب صفحات أفكاره، ويسوق الحجج والبراهين: فهو موجود دائماً، يدير ويوجه، يضبط المواعيد ويوزع المهمات ويلاحق التنفيذ طيلة أيام السنة. وهو يشرف على بيع المحصول، ويعمل على ضمان المؤونة لكل بيت في العائلة. ولا يكتفي بهذه التعليلات، بل يقتحم بفكره بوابة أخرى: فأبوه الشيخ محمود لم يستطع أن يرسل للتعليم من أولاده الأربعة سواه. أما هو، الشيخ عبد التواب، فيعلم اثنين من أولاده واثنين من أولاد أشقائه. وهو يدرك أن الله الذي لا تفوته خلجة في الكون يعلم أنه لولاه – لما استطاع أبناء الشيخ محمود "أبو طالب" تجاوز اليتم.. ولما استطاعت العائلة أن تضبط مواعيدها، وتنتج الخيرات من رزق الله، وتظل متماسكة!. ثم هناك أمور لا يستطيع تغييرها حتى لو أراد، مثل رحلة الصيف الطوية –السنوية – إلى العزبة. فالأيام هي الأيام. والسنة تظل في حساب أهل القرية فصلين: صيف وشتاء.
هنا، في هذه المحطة من حساب النفس، يأخذ الشيخ عبد التواب نَفَساً عميقاً، راضياً عن نفسه، وينام مرتاح الضمير.
العزبة والعزوبيّي
طالت يُمّا عليّي
باني لي عريشِة وخُصّ
ناطر صار لي ظُهريّة
يا منجلي يا منجلي
القمح تحتك سبّلِ
العرق بلّل سالفي
وثيابي صارت بهدلِي
يبدأ الصيف في تقويم العائلة مع تباشير الربيع، بعد أن ينقضي شهر "شباط (فبراير) الخبّاط الذي يشبط ويخبط وريحة الصيف فيه". وحين تستفزه أقوال العجوز صاحبة الغنم، وهو موشك على الانتهاء - يستلف من شهر آذار (مارس) أربعة أيام ماطرة، ويضمها إلى الأيام الثلاثة المتبقية منه، ليغرق بأمطارها العجوز المقيمة مع خرافها قريباً من الجرف، بسبب استهتارها به.. عندها تبدأ عائلة "أبو طالب" في تحميل متاعها على الدواب، وتنتقل إلى أرض العزبة، في أقصى الغرب.. إلى "الغابة"(4) التي لا تفصلها عن البحر سوى كثبان الرمل (البَرَص) "المصلّعة" بين الأعشاب والشجيرات البرية المبعثرة. فلا يبقى في بيت العائلة سوى الشقيق الأصغر، عبد الرحيم، مع زوجته وأولاده، راعياً للدار الكبيرة، متبطلاً تقريباً. لكنه يخفّ للعزبة في أيام الحصاد والدرس ليساعد إخوانه في جمع الغلّة ودرسها في البيدر.
عزبة آل طالب هي الجانب الحيّ الفاعل والمنتج والطويل في حياة العائلة. فهي تشهد حرث الأرض وبذرها ونمو زرعها وطرحه وجمع غلته. وهي مهجع العائلة، وموضع متاعها، وحظيرة بقراتها. وهي المقر الشاهد على نتاج الخيرات: القمح والشعير والذرة والبطيخ والشمام والترمس والسمسم. وهي مهد ولادة الصبيان والعجول.
تقضي عائلة أبو طالب في العزبة ثلثي أيام السنة، وتلجأ إلى القرية في أيام الشتاء الباردة والماطرة. لكن التواصل مع القرية يظل قائماً على الدوام. فهي لا تبعد أكثر من السير على الأقدام ساعة، أو أقل من ساعتين. بل هي "خبط العصا" كما يقول مهاوش البدوي الذي ينصب خيمته في جوار خصّ آل طالب.
يبدأ أهالي القرية العمل في الفلحة مع بداية الوَسْم: اعتباراً من أول تشرين الثاني (نوفمبر)، ولا "يشدّون" الفلحة قبل ذلك، حتى لو نزلت السماء مدراراً في تشرين ألأول (أكتوبر). وما أن يُنشّف دفءُ الشمس البللَ عن ظاهر الأرض، بعد "المطرة" الأولى في الوسْم، حتى يخرج الرجال لبذار الغلة (القمح والشعير والترمس) وحرث الأرض "المُوفرة"، أتلاماً طويلة متراصة على امتداد المارس. ثم ينتظر الجميع طلوع الزرع ويتابعون نموه مع هطول الأمطار طيلة الشتاء. وهذا ينطبق على عائلة آل طالب في العزبة، مثلما ينطبق على أهالي القرية كلهم، الذين يفلحون ويزرعون أراضيهم المحيطة بالقرية، من دون الحاجة إلى نصب "العِزَب". ويتوافد البدو على أراضي القرية، وينتشرون فيها، ناصبين بيوت الشعر أو الخيش في "شلاليفها" وساحاتها، وقريبا من بيادرها، للعمل في جمع المحصول والثمار، وأكل التين "السبيل" من الكروم، وكيزان الصبار التي يجمعونها من سلاسل الصبار المنتشرة حول البساتين. كما يؤم القرية النَّوَر، لتوفير خدمات الحدادة للسكك والمحاريث وشحذ السكاكين، والترفيه عن الناس بالألعاب والغناء والمشي على الحبال المشدودة.
بعد أن يهل الربيع وينتهي شهر شباط (فبراير)، تبدأ عائلة "أبو طالب" في شد الرحال والانتقال إلى العزبة. أولاً بـ"تسريح" البقرات مع رعاتها. ثم تلحق بهم النساء لبناء الخصّ أو الأخصاص، وتوفير الرغيف الساخن للرجال في الصباح والمساء، ومساعدتهم في حلب البقرات وترويب اللبن وتسويقه ل"الحدّارين"، بعد قشط الزبدة عنه - وهي أفضل ما تغمس به العائلة عيشها (خبزها).
كان بناء الخصّ لا يتكامل إلا بعد يومين من بدء شكّ "الكشك"، الذي يشكل جداراً حول الخصّ. وتجمع مادة الكشك من عشبة "الحلْفا(5)" التي تقتلعها النساء من الأرض، وتأتي بها حزماً حزما، وتفتلها حبالاً طويلةً، من خلال وضع ثقالات (حجارة بحجم ثمر الباذنجان) في أطرافها، ثم تشبك الحبال في عقد متتابعة، تمتد عمودياً وأفقياً حتى يتكون ثوب الخصّ، "الكشك"، بحيث يزيد ارتفاعه عن قائمة الرجُل، ويكفي طوله لتغليف محيط الخصّ. ويغطى السقف بفروع الشجر اليابسة و"قصل" الذرة، وعشبة الحلْفا المنفوشة.
وهكذا يتحول الخصّ إلى بيت ذي حُرْمة، يحمي الأثاث المتواضع(6). وكثيراً ما كان الخصّ يتعرض ل"البهدلة" من جانب الأبقار، التي تَحيل إناثها في أيام الربيع، وتتحول إلى "صارف"، فتتكالب عليها الذكور و"تنط عليها" باندفاع يسوقها كيفما اتفق. وكان الرعاة والنساء يقفون بين الحظيرة والخصّ لحماية الأخير من هذه الاندفاعات، التي تنشط عند وصول الأبقار إلى الحظيرة. لكن الحماية لا تخلو من الثغرات. ومن هذه الثغرات تنفذ البقرات المندفعة، فتمزق الكشك وتهدم أعمدة الخصّ، وينهار سقفه على محتوياته.
تحرص ربة البيت في العزبة على تربية الدجاج من أجل البيض، وعلى تربية الصيصان لذبحها في المناسبات الهامة، غير عابئة بروثها (الرّواص) الذي تنثره الدجاجات في كل مكان، خصوصاً داخل الخصّ. كان الطعام الشائع لدى الأطفال عبارة عن نصف رغيف يدهن بزيت الزيتون ويرش عليه الملح ويطوى على شكل اسطوانة ملفوفة. وهي أكلة محببة على الأولاد، لأن كلاً منهم يستطيع تناولها بين أترابه في الخلاء.
في المساء تعود الأبقار إلى الحظيرة، فتسرع ربة البيت لملاقاة الوالدات منها، وتدع عجولها ترضع من دررها قدراً معيناً، ثم تنحيها جانباً لتحلبها. وعندما تملأ طنجرتها الكبيرة، ومعها القطوستين أحياناً، تُفَتّر (تسخّن) الحليب قليلاً، وتضع فيه الروبة. وفي الصباح يكون قد تحول إلى لبن رايب، تعلوه طبقة من "القشطة" الصفراء. فيأخذ رب العائلة رغيفاً ساخناً من فوق صاج الخبيز، ويذهب إلى طنجرة اللبن، ويغمس من قشطتها حتى الشبع. وفي كل الحالات "تقشط" ربة البيت الزبدة عن اللبن "المخيض" قبل أن تبيعه للحدّار صالح الحسن المعروف بـ"أبو صبحي".
في أحيان كثيرة تداهم أمطار الربيع (مطرة نيسان التي "تحيي العدة والفدان") العائلة فتبلّ الأمتعة داخل العُرُش والأخصاص، وتُغرق الفراش، ويتسلل البلل إلى الطحين المحصن بالغطاء الثقيل. لكن ذلك لم يكن يحول دون انتقال معظم أفراد العائلة إلى العزبة، وإكمال العمل في زراعة مداحي البطيخ والشمام. وزراعة البندورة واللوبيا والخيار في أطراف الموارس. وهو العمل الذي تقوم به النساء على الأغلب. أما الذرة البيضاء التي تزرع مع البطيخ أو قبله بقليل فيلقّطها أو "ينقطها" الرجال في الأتلام خلف المحراث.
بعد أسبوعين من اكتمال الزراعة، يركب الشيخ عبد التواب فرسه، ويجول على "الموارس" في يوم كامل: يقف على رأس كل مارس هنيهة، يمسح المواقع ببصره متفحصاً الزرع النابت الطريّ ويهز رأسه راضياً.
عندما تفرغ النساء من بناء الأخصاص والعُرُش، تتوزع المهمات: امرأة واحدة تظل في خص العائلة، لتعجن وتخبز وتعد الطعام.. وباقي النساء يسرحن إلى المقاثي، مع الرجال، لتفريد المداحي و"التخنيق" عليها ومراعاتها وهي تنمو وتطرح الثمر في بداية أيار (مايو). فكان الشيخ عبد التواب يشم رائحة الشمام الناضج قبل أن يترجل عن فرسه ويحط قدمه في المقثاة.
في النصف الثاني من أيار(مايو)، يحمل الرجال والنساء المناجل ويبدأون في حصاد القمح والشعير. أما الذرة فيتأخر قطفها حتى حزيران (يونيو) وبداية تموز (يوليو)، لكنها لا تنتظر طويلاً في البيادر: فهي تدرس بسرعة وتعبأ وتُنقل قبل إتمام دراسة القمح والشعير.. وتقول الأسطورة أن القمح والشعير عيّرا الذرة بأنها تتخلف عنهما في النضوج، فأجابت قائلة: "ولكني أسبقكما إلى الخوابي".
ويظل الحصاد الشغل الشاغل على امتداد شهر تموز(يوليو). وفي آب (اغسطس) ينتهي الموسم بانتهاء عملية الدرس.. فتنقل الغلة إلى الخوابي، والتبن إلى المخازن (المتابن). وينتهي الموسم باحتفال "الجاروعة": وهي إما طبخة "بحتية".. وإما تحضير "الزلابية" و"الزُّنْقُل، وفي كلتي الحالتين يعمم الطعام على سكان العزبة كافة.
بعد الجاروعة يفك أبناء "أبو طالب" الأخصاص والزرائب، ويُحمّلون متاعهم، ويعودون مع دوابهم إلى القرية. وهناك تنشغل النساء في ترميم البيوت، والاستعداد لاستقبال الشتاء القادم: فيجبلْن الطين بالقش ويُعِدْنَ قصارة الحيطان من الخارج، التي سلختها الأمطار في الشتاء الفائت، ويصلحن الخوابي قبل إفراغ الغلّة فيها، ويشيّدن واجهات الحيطان الداخلية "المعتمة" من الغبار وسخام السراج.
قبيل الحرب، في موسم "الشَّد"، كان الشيخ عبد التواب يشرف على جمع البطيخ وتصنيفه وتحميله في "المشاتيل" على الجِمال، ويسافر بنفسه راكباً فرسه، مع أول قافلة إبل محملة بالقطفة الأولى، إلى ميناء "سيدنا علي". ويظل هناك يومين، ثلاثة.. سبعة، وهو يأكل من الزوّادات التي ترسلها زوجته أو كنائنه مع أحمال البطيخ. لكنه يرفه نفسه من وقت إلى آخر بالأكل في المطاعم. ولا يغفل عن إرسال اللحوم المجرومة و"المشفاة" إلى كل أفراد العائلة في العزبة وفي القرية . ويظل هو في الميناء، لا يفارق، حتى يبيع كل "طرْح" المقثاة، ويقبض ثمنها ليرات ذهبية (عسملّي)، يملأ منها خُرْج الفرس.
لم تكن العائلة ميسورة، لكنها مستورة: تأكل كما يجب، وتلبس كما يجب. ويظل بيت العائلة موفور الحال على مدار السنة: فلا ينقطع منه طحين القمح أو الذرة، ولا زيت الزيتون أو الرز أو العدس. ولا يخلو في الشتاء من الجبنة والسمن، ولا حتى من البندورة المنشفة.. وفي نهاية كل موسم يشتري كل فرد من أفراد العائلة هِدْماً له: فتخيط النساء ثياباً لهن ولأولادهن. ويخيط الكبار "دماياتهم" (قنابيزهم) وسراويلهم في مدينة طولكرم.
الفصل الثالث
في ضحى اليوم الثالث سمع الشيخ عبد التواب خبطاً شديداً على البوابة. فتقدم نحوها متوجساً. ومن ورائها تعرف على صوت ابن خاله حسن الصافي. إذ لم يكن الشيخ عبد التواب أو أي من أهل الدار بحاجة إلى دليل لمعرفة من يكون الطارق: فقد كان صوت حسن الصافي، الجهوري يملأ الحارة، كأنه يُعرِّف الصغير والكبير بوجوده أينما يحل. ومرة، شرحت أخته المرحومة أم عبد التواب لجاراتها قائلة: "وُلد أخي حسن هكذا، بصوت عال: فكان إذا بكى وهو طفل رضيع، تهرع الجارات إلى أمي، لاستقصاء الأسباب التي تحمله على إصدار صراخ يقض المضاجع. فتضحك أمي قائلة:
- يا اختي عليه.. من أين يأتي بهذا الصوت؟ إذا جاع، إذا بال.. كأن الأمهات لم تربّ أطفالاً قبله!
كان حسن الصافي (أبو جعفر) يكبر ابن عمته الشيخ عبد التواب بعام واحد. وكان يحبه ويعامله كصديق قبل أن يكون قريباً. وكان من وجهاء القرية، المشهود لهم بالفصاحة ومواجهة الأمور مع الأعيان ومع كبار رجال الحكومة، وفي تصريف شؤون البلد الاعتيادية والطارئة. وقد ورث كل هذا عن والده الشيخ فلاح الصافي، الذي كان ميسور الحال، وأوكلته الحكومة لمهمة تقدير أملاك السكان وغلتهم وتسجيل دوابهم، لاحتساب الضرائب (الويرتشو) المفروضة على السكان. فكان يحلل ما يحلل، ويحرّم الكثير رأفة بأهل البلد. فنشأ حسن الصافي وإخوانه و"ملعقة الذهب في أفواههم".. إذ تعاقد والده مع شيخ الكتاب في القرية، ليأتيه إلى البيت لتعليم أولاده الخمسة. وتفوق هو(حسن) من بينهم، وسبق إخوانه في استعداده الدائم للتدخل ومواجهة الأحداث. وصار يرافق والده في الحل والترحال. ويحضر مجالس الكبار، وينصت إلى أحاديثهم ويتابع محاوراتهم.. ومنذ أن خط شاربه وهو يتقمص شخصية الرجل الناضج العالم بالأمور على الصعيدين: صعيد العائلة الصغيرة وصعيد القرية. وحين صلب عوده، صار أبوه يعتمد عليه في المهمات الصعبة، فيرسله إلى مصر، في القطار، ليسبق شحنات البطيخ التي تشحن بالسفينة من ميناء "سيدنا علي"، إلى ميناء الإسكندرية، ليبيعها في أسواق مصر الواسعة. وكان يلبس البدلة الإفرنجية ويعتمر الطربوش الأحمر، ويقضي أياماً حمراء في الإسكندرية، قبل أن يسافر إلى القاهرة، ليمضي الليالي ساهراً في حفلات الغناء التي تحييها المغنيات والمغنين هناك. وقد اعتاد حين يعود إلى القرية أن يروي لأصحابه عن جولاته المنزوعة من حكايات ألف ليلة وليلة.
كان حسن الصافي "أفندياً" في سلوكه، لا يسمح لزوجته بالخروج للعمل في الأرض. فلم يكن بحاجة لعملها. فهيبة نفوذه تسخّر الحراثين لحراثة أرضه وبذارها في أي وقت يشاء، وتسخّر نساء الحارة والقريبات لزراعة البطيخ وقطف ثماره، وللحصاد مع "القطاريز".
كانت قرابة الدم بين حسن الصافي – الوجيه الفصيح، وبين الشيخ عبد التواب – المرجع الديني، تكمل متطلبات النفوذ بين الناس. وكان هذا يرضي "أبو جعفر" ويعزز جانب الغرور في نفسه، فيهز سبابته في وجه الشيخ عبد التواب بسبب وبغير سبب ويقول:
- لولا أنك ابن عمتي..
علا صوت حسن الصافي "يُعلل" الحارة. كأن الدنيا لا تشهد حرباً ضروساً. فهو لا ينتظر معرفة من يفتح له الباب، ويبادر سائلاً مشاكساً:
- أين أنتم يا أموات؟!. الدنيا مقلوبة وأنتم تحبسون أنفسكم طوعاً؟
كان صوته يدوي في الحارة كلها. وحين فتح الشيخ عبد التواب البوابة دخل معه حشد من الجيران، الذين آنسهم صوت "أبو جعفر"، فخرجوا يدفعهم الفضول لسماع الأخبار.
- أهلاً برائحة الأحبة، أهلاً بـ "أبو جعفر".
رحب به الشيخ عبد التواب، وأشار إلى موضع مركزي على "القصة" مفروش بحصير، قائلاً: "تفضل يا ابن الخال".
- ما معنى تفضل؟ الأتراك ينهزمون ويولون، تاركين عنابرهم بما فيها من غلة ومن أغراض.. والناس يستولون عليها ويعبئون "الخوابي"، وأنتم نيام؟! هيا يا عبد التواب، إبعث أحداً من الأولاد لعله يلحق شيئاً..
- أتريدني أن أشارك في نهب أملاك الدولة الإسلامية يا ابن الخال؟
- آ.. آ.. آ.. نسيت انك تتعاطف مع هؤلاء السفاحين الذين نصبوا أعواد المشانق والخوازيق لخيرة أبناء الشام!. كانت لهم دولة يا شيخ عبد. قل لي يا شيخنا الذي نحبه: لو كان أصحابك الأتراك مسلمين كما يريد الإسلام، هل يقبل الله لهم هذه الهزيمة النكراء؟!. قال شو: جيوش ومواقع وعنابر.. وجر الأولاد للعمل في السخرة، في حفر الاستحكامات.. ولم يصمدوا يوماً واحداً.. يا عيب الشوم!.
كان الشيخ عبد التواب يدرك أن آذان أهل الحي كلها تصغي لهذا الحوار. وكان مغتماً لهزيمة الأتراك بهذه السرعة. لكنه لا يستطيع الدفاع عنهم. حتى لو استطاع، فالكلام لا يجدي الآن.
- اجلس يا "بو جعفر" وخذ لك قدحاً من اللبن.. حتى لو ذهبنا إلى العنابر فلن نجد شيئاً.. إن الله هو الغني.
في غمرة هذا الحوار لم ينتبه أحد إلى انسلال زينب زوجة عبد الهادي، هي وحليمة زوجة عبد الجواد، من "الحوطة"، مهرولتين نحو العنبر التركي، ومع كل منهما شوال فارغ. لكن حين وصلتا العنبر كان قد استبيح تماماً، بما فيه الاستيلاء على ردات أبوابه ونوافذه. بل هناك من أخذ يفك جدرانه بالـ"النُّخل" لنقل حجارته..
بعد وفاة والده وتسلمه زمام الأمور، لم يغير الشيخ عبد التواب شيئاً في مجرى حياة عائلة "آل طالب". وكان همه منصباً في قيادة العائلة، مثلما كان يقودها المرحوم والده: بالكدّ والجدّ. وكان يقول ويردد دائماً، إن "الكدّ من أجل العيال عبادة"، وإن "الله يسهل طريق المُكِدّ لعياله في الدنيا، ويمسح ذنوبه في الآخرة". وكثيراً ما كان يواجه نفسه متسائلاً: هل هو – الشيخ عبد التواب – يكدّ للعيال؟، ويسرح بفكره في حساب مع النفس. فهو لم يمسك في حياته محراثاً، أو يضع في حجره حفنة بذار "يلقطها" وراء المحراث. لم يشارك في زراعة "مدحاة" بطيخ واحدة. لم يحصد الزرع. لم يجمع الغلة أو يشارك في الدرس على البيدر. لم يسرح البقر.. وقصر دوره على زيارة "الموارس" بعد ان ينمو فيها الزرع ويكسو اخضراره الأرض، فيقف عند رأس "المارس" ويقول: ما شاء الله.. ما شاء الله..
لكنه لا يلبث أن يستفيق من تقريع نفسه، ويعيد تقليب صفحات أفكاره، ويسوق الحجج والبراهين: فهو موجود دائماً، يدير ويوجه، يضبط المواعيد ويوزع المهمات ويلاحق التنفيذ طيلة أيام السنة. وهو يشرف على بيع المحصول، ويعمل على ضمان المؤونة لكل بيت في العائلة. ولا يكتفي بهذه التعليلات، بل يقتحم بفكره بوابة أخرى: فأبوه الشيخ محمود لم يستطع أن يرسل للتعليم من أولاده الأربعة سواه. أما هو، الشيخ عبد التواب، فيعلم اثنين من أولاده واثنين من أولاد أشقائه. وهو يدرك أن الله الذي لا تفوته خلجة في الكون يعلم أنه لولاه – لما استطاع أبناء الشيخ محمود "أبو طالب" تجاوز اليتم.. ولما استطاعت العائلة أن تضبط مواعيدها، وتنتج الخيرات من رزق الله، وتظل متماسكة!. ثم هناك أمور لا يستطيع تغييرها حتى لو أراد، مثل رحلة الصيف الطوية –السنوية – إلى العزبة. فالأيام هي الأيام. والسنة تظل في حساب أهل القرية فصلين: صيف وشتاء.
هنا، في هذه المحطة من حساب النفس، يأخذ الشيخ عبد التواب نَفَساً عميقاً، راضياً عن نفسه، وينام مرتاح الضمير.
العزبة والعزوبيّي
طالت يُمّا عليّي
باني لي عريشِة وخُصّ
ناطر صار لي ظُهريّة
يا منجلي يا منجلي
القمح تحتك سبّلِ
العرق بلّل سالفي
وثيابي صارت بهدلِي
يبدأ الصيف في تقويم العائلة مع تباشير الربيع، بعد أن ينقضي شهر "شباط (فبراير) الخبّاط الذي يشبط ويخبط وريحة الصيف فيه". وحين تستفزه أقوال العجوز صاحبة الغنم، وهو موشك على الانتهاء - يستلف من شهر آذار (مارس) أربعة أيام ماطرة، ويضمها إلى الأيام الثلاثة المتبقية منه، ليغرق بأمطارها العجوز المقيمة مع خرافها قريباً من الجرف، بسبب استهتارها به.. عندها تبدأ عائلة "أبو طالب" في تحميل متاعها على الدواب، وتنتقل إلى أرض العزبة، في أقصى الغرب.. إلى "الغابة"(4) التي لا تفصلها عن البحر سوى كثبان الرمل (البَرَص) "المصلّعة" بين الأعشاب والشجيرات البرية المبعثرة. فلا يبقى في بيت العائلة سوى الشقيق الأصغر، عبد الرحيم، مع زوجته وأولاده، راعياً للدار الكبيرة، متبطلاً تقريباً. لكنه يخفّ للعزبة في أيام الحصاد والدرس ليساعد إخوانه في جمع الغلّة ودرسها في البيدر.
عزبة آل طالب هي الجانب الحيّ الفاعل والمنتج والطويل في حياة العائلة. فهي تشهد حرث الأرض وبذرها ونمو زرعها وطرحه وجمع غلته. وهي مهجع العائلة، وموضع متاعها، وحظيرة بقراتها. وهي المقر الشاهد على نتاج الخيرات: القمح والشعير والذرة والبطيخ والشمام والترمس والسمسم. وهي مهد ولادة الصبيان والعجول.
تقضي عائلة أبو طالب في العزبة ثلثي أيام السنة، وتلجأ إلى القرية في أيام الشتاء الباردة والماطرة. لكن التواصل مع القرية يظل قائماً على الدوام. فهي لا تبعد أكثر من السير على الأقدام ساعة، أو أقل من ساعتين. بل هي "خبط العصا" كما يقول مهاوش البدوي الذي ينصب خيمته في جوار خصّ آل طالب.
يبدأ أهالي القرية العمل في الفلحة مع بداية الوَسْم: اعتباراً من أول تشرين الثاني (نوفمبر)، ولا "يشدّون" الفلحة قبل ذلك، حتى لو نزلت السماء مدراراً في تشرين ألأول (أكتوبر). وما أن يُنشّف دفءُ الشمس البللَ عن ظاهر الأرض، بعد "المطرة" الأولى في الوسْم، حتى يخرج الرجال لبذار الغلة (القمح والشعير والترمس) وحرث الأرض "المُوفرة"، أتلاماً طويلة متراصة على امتداد المارس. ثم ينتظر الجميع طلوع الزرع ويتابعون نموه مع هطول الأمطار طيلة الشتاء. وهذا ينطبق على عائلة آل طالب في العزبة، مثلما ينطبق على أهالي القرية كلهم، الذين يفلحون ويزرعون أراضيهم المحيطة بالقرية، من دون الحاجة إلى نصب "العِزَب". ويتوافد البدو على أراضي القرية، وينتشرون فيها، ناصبين بيوت الشعر أو الخيش في "شلاليفها" وساحاتها، وقريبا من بيادرها، للعمل في جمع المحصول والثمار، وأكل التين "السبيل" من الكروم، وكيزان الصبار التي يجمعونها من سلاسل الصبار المنتشرة حول البساتين. كما يؤم القرية النَّوَر، لتوفير خدمات الحدادة للسكك والمحاريث وشحذ السكاكين، والترفيه عن الناس بالألعاب والغناء والمشي على الحبال المشدودة.
بعد أن يهل الربيع وينتهي شهر شباط (فبراير)، تبدأ عائلة "أبو طالب" في شد الرحال والانتقال إلى العزبة. أولاً بـ"تسريح" البقرات مع رعاتها. ثم تلحق بهم النساء لبناء الخصّ أو الأخصاص، وتوفير الرغيف الساخن للرجال في الصباح والمساء، ومساعدتهم في حلب البقرات وترويب اللبن وتسويقه ل"الحدّارين"، بعد قشط الزبدة عنه - وهي أفضل ما تغمس به العائلة عيشها (خبزها).
كان بناء الخصّ لا يتكامل إلا بعد يومين من بدء شكّ "الكشك"، الذي يشكل جداراً حول الخصّ. وتجمع مادة الكشك من عشبة "الحلْفا(5)" التي تقتلعها النساء من الأرض، وتأتي بها حزماً حزما، وتفتلها حبالاً طويلةً، من خلال وضع ثقالات (حجارة بحجم ثمر الباذنجان) في أطرافها، ثم تشبك الحبال في عقد متتابعة، تمتد عمودياً وأفقياً حتى يتكون ثوب الخصّ، "الكشك"، بحيث يزيد ارتفاعه عن قائمة الرجُل، ويكفي طوله لتغليف محيط الخصّ. ويغطى السقف بفروع الشجر اليابسة و"قصل" الذرة، وعشبة الحلْفا المنفوشة.
وهكذا يتحول الخصّ إلى بيت ذي حُرْمة، يحمي الأثاث المتواضع(6). وكثيراً ما كان الخصّ يتعرض ل"البهدلة" من جانب الأبقار، التي تَحيل إناثها في أيام الربيع، وتتحول إلى "صارف"، فتتكالب عليها الذكور و"تنط عليها" باندفاع يسوقها كيفما اتفق. وكان الرعاة والنساء يقفون بين الحظيرة والخصّ لحماية الأخير من هذه الاندفاعات، التي تنشط عند وصول الأبقار إلى الحظيرة. لكن الحماية لا تخلو من الثغرات. ومن هذه الثغرات تنفذ البقرات المندفعة، فتمزق الكشك وتهدم أعمدة الخصّ، وينهار سقفه على محتوياته.
تحرص ربة البيت في العزبة على تربية الدجاج من أجل البيض، وعلى تربية الصيصان لذبحها في المناسبات الهامة، غير عابئة بروثها (الرّواص) الذي تنثره الدجاجات في كل مكان، خصوصاً داخل الخصّ. كان الطعام الشائع لدى الأطفال عبارة عن نصف رغيف يدهن بزيت الزيتون ويرش عليه الملح ويطوى على شكل اسطوانة ملفوفة. وهي أكلة محببة على الأولاد، لأن كلاً منهم يستطيع تناولها بين أترابه في الخلاء.
في المساء تعود الأبقار إلى الحظيرة، فتسرع ربة البيت لملاقاة الوالدات منها، وتدع عجولها ترضع من دررها قدراً معيناً، ثم تنحيها جانباً لتحلبها. وعندما تملأ طنجرتها الكبيرة، ومعها القطوستين أحياناً، تُفَتّر (تسخّن) الحليب قليلاً، وتضع فيه الروبة. وفي الصباح يكون قد تحول إلى لبن رايب، تعلوه طبقة من "القشطة" الصفراء. فيأخذ رب العائلة رغيفاً ساخناً من فوق صاج الخبيز، ويذهب إلى طنجرة اللبن، ويغمس من قشطتها حتى الشبع. وفي كل الحالات "تقشط" ربة البيت الزبدة عن اللبن "المخيض" قبل أن تبيعه للحدّار صالح الحسن المعروف بـ"أبو صبحي".
في أحيان كثيرة تداهم أمطار الربيع (مطرة نيسان التي "تحيي العدة والفدان") العائلة فتبلّ الأمتعة داخل العُرُش والأخصاص، وتُغرق الفراش، ويتسلل البلل إلى الطحين المحصن بالغطاء الثقيل. لكن ذلك لم يكن يحول دون انتقال معظم أفراد العائلة إلى العزبة، وإكمال العمل في زراعة مداحي البطيخ والشمام. وزراعة البندورة واللوبيا والخيار في أطراف الموارس. وهو العمل الذي تقوم به النساء على الأغلب. أما الذرة البيضاء التي تزرع مع البطيخ أو قبله بقليل فيلقّطها أو "ينقطها" الرجال في الأتلام خلف المحراث.
بعد أسبوعين من اكتمال الزراعة، يركب الشيخ عبد التواب فرسه، ويجول على "الموارس" في يوم كامل: يقف على رأس كل مارس هنيهة، يمسح المواقع ببصره متفحصاً الزرع النابت الطريّ ويهز رأسه راضياً.
عندما تفرغ النساء من بناء الأخصاص والعُرُش، تتوزع المهمات: امرأة واحدة تظل في خص العائلة، لتعجن وتخبز وتعد الطعام.. وباقي النساء يسرحن إلى المقاثي، مع الرجال، لتفريد المداحي و"التخنيق" عليها ومراعاتها وهي تنمو وتطرح الثمر في بداية أيار (مايو). فكان الشيخ عبد التواب يشم رائحة الشمام الناضج قبل أن يترجل عن فرسه ويحط قدمه في المقثاة.
في النصف الثاني من أيار(مايو)، يحمل الرجال والنساء المناجل ويبدأون في حصاد القمح والشعير. أما الذرة فيتأخر قطفها حتى حزيران (يونيو) وبداية تموز (يوليو)، لكنها لا تنتظر طويلاً في البيادر: فهي تدرس بسرعة وتعبأ وتُنقل قبل إتمام دراسة القمح والشعير.. وتقول الأسطورة أن القمح والشعير عيّرا الذرة بأنها تتخلف عنهما في النضوج، فأجابت قائلة: "ولكني أسبقكما إلى الخوابي".
ويظل الحصاد الشغل الشاغل على امتداد شهر تموز(يوليو). وفي آب (اغسطس) ينتهي الموسم بانتهاء عملية الدرس.. فتنقل الغلة إلى الخوابي، والتبن إلى المخازن (المتابن). وينتهي الموسم باحتفال "الجاروعة": وهي إما طبخة "بحتية".. وإما تحضير "الزلابية" و"الزُّنْقُل، وفي كلتي الحالتين يعمم الطعام على سكان العزبة كافة.
بعد الجاروعة يفك أبناء "أبو طالب" الأخصاص والزرائب، ويُحمّلون متاعهم، ويعودون مع دوابهم إلى القرية. وهناك تنشغل النساء في ترميم البيوت، والاستعداد لاستقبال الشتاء القادم: فيجبلْن الطين بالقش ويُعِدْنَ قصارة الحيطان من الخارج، التي سلختها الأمطار في الشتاء الفائت، ويصلحن الخوابي قبل إفراغ الغلّة فيها، ويشيّدن واجهات الحيطان الداخلية "المعتمة" من الغبار وسخام السراج.
قبيل الحرب، في موسم "الشَّد"، كان الشيخ عبد التواب يشرف على جمع البطيخ وتصنيفه وتحميله في "المشاتيل" على الجِمال، ويسافر بنفسه راكباً فرسه، مع أول قافلة إبل محملة بالقطفة الأولى، إلى ميناء "سيدنا علي". ويظل هناك يومين، ثلاثة.. سبعة، وهو يأكل من الزوّادات التي ترسلها زوجته أو كنائنه مع أحمال البطيخ. لكنه يرفه نفسه من وقت إلى آخر بالأكل في المطاعم. ولا يغفل عن إرسال اللحوم المجرومة و"المشفاة" إلى كل أفراد العائلة في العزبة وفي القرية . ويظل هو في الميناء، لا يفارق، حتى يبيع كل "طرْح" المقثاة، ويقبض ثمنها ليرات ذهبية (عسملّي)، يملأ منها خُرْج الفرس.
لم تكن العائلة ميسورة، لكنها مستورة: تأكل كما يجب، وتلبس كما يجب. ويظل بيت العائلة موفور الحال على مدار السنة: فلا ينقطع منه طحين القمح أو الذرة، ولا زيت الزيتون أو الرز أو العدس. ولا يخلو في الشتاء من الجبنة والسمن، ولا حتى من البندورة المنشفة.. وفي نهاية كل موسم يشتري كل فرد من أفراد العائلة هِدْماً له: فتخيط النساء ثياباً لهن ولأولادهن. ويخيط الكبار "دماياتهم" (قنابيزهم) وسراويلهم في مدينة طولكرم.