المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القسم الرابع



amana
27 - 9 - 2009, 05:54 PM
الفصل الرابع





يا مالْ يا اللي مِخْتِبي

من تحت شتلِه مْوَرّدِه

حالي ومالي يا هَلي

خبّيتُو عن عين العَدي

شتلِه واحدِه مِزهره

تْصِير خور مورّدِ؟!


في أقصى الشارع المواجه لحوش آل طالب تعلو بناية الجامع، ويظهر المقطع العلوي من قوس بابه العريض شامخا أعلى من سطوح منازل الحيّ. لكن الشارع المفروش بقصل الذرة المقروط، يتعرج ويتلوّى محشوراً بالطوابين ومخازن التبن التي حولته إلى زقاق - كان بلا منفذ: فهو ينزطم قبل مئتي خطوة من الجامع، وينغلق تماماً عند دار "البلحي".

كانت دار حسّان البلحي ضيقة مؤلفة من بيت واحد (غرفة) مع سقيفة صغيرة تقضي فيها العائلة حاجتها وتربط دابتها. وتكاد ساحة الدار بعد اقتطاع عتبة منها أمام الغرفة، لا تتسع لأكثر من "حصيرة" واحدة. فكانت الدار كأنما حشرت في هذا الموقع عن عمد، لتوقف امتداد الشارع نحو الجامع. وكان حلمي "البلحي"، والد حسان، قد جدد سقف البيت قبيل زواجه. وقد أكرمه أهل الحارة ب"فَزْعة" جماعية، عندما هرعوا للمشاركة في قص جذوع شجر الجمّيز الطويلة، ونقلها من منطقة الحفاير. حتى أنهم أركبوه على فرع منها، وحملوه من موقع الجمّيزات الشامخة، في طريق "الحفاير" حتى بيته، وهم يغنون له كأنه يُزف إلى عروس. كما أعانوه في صف الفروع على جدران البيت الطينية وتغطيتها بالأغصان والطين المجبول..

"البلحي"، لقب أورثه والد حسان للعائلة، بعد أن اشتهر بخفته في التسلق على شجر النخيل - البلح - خصوصاً بعد أن تسلق على أعلى نخلتين في القرية: الأولى في دار إدريس والثانية عند بركة نبهان في طرف القرية. لكن الظروف أجبرت حسان لأن يحمل لنفسه لقباً جديداً، ألصقه به أهل القرية، وهو "أبو القُنديل". وحكاية حسان مع "القنديل" ترددت طويلاً في مجالس الرجال والنساء لكونها شائقة:

"القُنديل" شجيرة برية، أوراقها صغيرة، ناعمة، داكنة الاخضرار، وأشواكها غليظة صلبة وغزيرة، تنتشر بكثرة في فروعها كانتشار الأوراق. وهي تكتسي بأزهار صفراء فاقعة اللون، تطرز خضرة الربيع بالجمال، وتُضفي على محيطها جمالاً أخاذاً. تنبت هذه الشجيرة في الغالب على جانبي الطرق، وبين سلاسل الصبار المحيطة بكروم القرية.

حكاية حسان البلحي مع القُنديل وقعت عندما جاء ليتزوج من أمينة، شقيقة الشيخ عبد التواب. فقد ذهب إلى أخواله في قرية ذنابة، شرقي طولكرم، واستدان منهم مبلغاً من المال، يستعين به على شراء جهاز العروس ومصروفات الزواج. وعندما عاد ماشياً كما جاء، داهمه الليل وهو في منتصف الطريق. وكانت ليلة حالكة الظلام، موحشة، اختفت فيها ملامح الأشياء، وتحولت إلى أشكال مريبة: وصارت العشبة الكبيرة، أو الدالية، تخفي وراءها ضبعاً أو كلباً مسعوراً، ينتظر فريسة مارة. وتحول لوْح الصبار البارز فوق جذع "القُرْمية" إلى قاطع طريق. وتحولت الشجرة إلى مارد أو شيطان.. وانتفخت بوابات قلاع الشر والأذى، وانقلبت الأشياء إلى مولّد للخطر.

شيئاً فشيئاً تسلل الخوف إلى قلب حسان. وصار يطرح على نفسه السؤال تلو السؤال، وأخطرها: ماذا لو داهمه اللصوص وقشّطوه الليرات الذهبية العشر التي استدانها؟. وفيما كان يبحث عن مخرج لمثل هذا المأزق، نقل الخلاء الساكن إلى سمعه وقع حوافر تقترب من الخلف. فتنحى عن الطريق بسرعة وأخذ يركض كيفما اتفق، غير عابئ بالأشواك التي تدوسها قدماه الحافيتين. واختبأ وراء نبتة قُنديل، ريثما مرّ وقع الحوافر. وخمّن من مخبئه أن "الموكب" يضم فرسين تحملان خيّاليْن. وحين تجاوزاه كانا قد سكت لغطهما. وخالهما يتحدثان بصوت هامس. وقد راعه ذلك: فلا بدّ أنهما يرصدانه ويتعقبانه. فالهمس يعني تنفيذ مكيدة للإيقاع به في هذا المكان بالذات، حيث لا مغيث ولا مجير.

عندما تخطّى الراكبان الموقع الذي اختبأ فيه، قال لنفسه: "سيعودان للبحث عني". وفكر بسرعة.. وقرر أن يخبئ ليراته مع جرابها في مكان ما، ليعود ويأخذها فيما بعد. نظر من حوله ليختار مكان مخبأ آمن. فوجد نفسه في "مزرعة" قُنديل تحيط به عشرات الأشتال المتشابهة.. فما العمل، وأين يخبّئ "كنزه"؟..
فجأة رأى نبتة واحدة قد اكتست بالأزهار الصفراء من دون الأشتال جميعاً.
- ها هي..! - همس مرتاحاً.
تقدم من النبتة المزهرة ودفن الجراب تحتها. ثم عاد إلى الطريق يواصل سيره نحو القرية، راضيا عن اكتشافه لهذا المخبأ الآمن، الذي لا يتوفر له حتى في بيته.

بعد أيام معدودة أزف موعد شراء هدم العروس وجهازها. فيمّم حسان البلحي نحو خور القُنديل مع طلوع الفجر. وعندما وصل إلى المكان نظر إلى الحقل مصعوقاً: فأينما ينظر كانت أشتال القُنديل مكسوّة كلها بالأزهار الصفراء، تحوم حولها الحشرات بطنينها كأنها أجران نحل.

بحث يميناً وبحث شمالاً.. وأخذ يحفر في عرق كل شتلة يظن أنها المقصودة.. فحفر تحت أكثر من عشرين نبتة من دون أن يعثر على كنزه المدفون. وظل يحفر حتى غابت الشمس.. وعاد بخفي حنين. وقد أحرجه الأمر: إذ ماذا سيقول للناس ولأهل العروس؟. فانزوى في بيته لا يريم ولا يرد على أحد. حتى أنه لم يستجب لرسول الشيخ عبد التواب وهو يقرّعه قائلا:
ماذا تفعل هنا والشيخ ينتظرك؟

عندما مثل البلحي أمام الشيخ عبد التواب وأفضى له بسرّه، سأله الشيخ:
- هل يعلم أحد بالحكاية؟
- أنت أول من يعلم.. قال البلحي.
- وآخر من يعلم!. فلا تخبر أحداً حتى تجد جرابك. وسوف نؤجل العرس حتى الربيع القادم.
- لم أفهم!
- يجب أن تفهم. سوف تبحث عن جرابك عندما تُزهر الشتلة الأولى في الموسم القادم.. مفهوم؟

في الموسم التالي راقب حسان البلحي "مزرعة" القُنديل إلى أن أزهرت "نبتته".. وأخرج كنزه من تحتها. وهكذا تزوج البلحي من أمينة، بعد أن فشى سره مع زهر القُنديل، وصارت حكايته ملهاة للناس، يضيفون عليها تفاصيل من بنات خيالهم.

فور زواج أمينة، أفرد لها الشيخ عبد التواب حصتها من ميراث الأرض. وصارت أمينة تبني مع زوجها حسان خُصّاً في العزبة قريباً من عزبة أهلها.

كانت الدراهم تجري في اليد والعيش هانئ، إلى أن نشبت الحرب. عندها بدأ التغيير العاصف: فمبعوثي الباب العالي (السلطنة) اخذوا يسوقون الرجال، كل الرجال، إلى الحرب، ويبقون النساء بلا معيل، والأرض بلا فلاّح. لكن الشيخ عبد التواب، الذي حمته العمامة من الخدمة في الجيش، لم يستسلم للوضع. وصرف كل ما جمعته العائلة في الموسم، لإقناع مبعوثي الباب العالي بالموافقة على إعادة أشقائه إلى أزواجهم وأولادهم.
لم يقتصر تنغيص الحرب على هذا الجانب. فقد "تهدمت" الأسواق، وكفت السفن عن شحن البطيخ إلى أوروبا. ونشطت حركة القطارات المسافرة بين الشام ومصر في نقل الجنود ومتاعهم وسلاحهم وإمداداتهم. وأتى القطار على احتاطي الفحم الحجري. فأخذ الجنود الأتراك "يحصدون" الشجر وكروم الزيتون من حول القرية، ومن منطقة السهل كلها، ويحولونها إلى "محارق" لإنتاج الفحم، لتزويد القطارات بالوقود. وصارت القرية تتعرض لغزوات الجنود، الذين أخذوا يباغتون الناس في منازلهم، ويصادرون الغلال والمؤن التي يدخرها السكان، ويسوقون معها الخيول والعجول من الزرائب والمراعي. وبات من الصعب على السكان ضبط الأمور، وضمان مؤونة العائلة لأكثر من أيام معدودة. فأهملت الفلاحة، وهانت الأرض وبخست، وصارت تباع بما هب ودب. وأصبح همّ سكان القرية مُنصبّاً على توفير لقمة العيش، والعمل على إخفاء مصدرها (القمح أو الذرة أو الشعير) عن أعين الجنود الأتراك.

منذ نشوب الحرب انتشر تجّار الأراضي العرب، الذين يعملون وسطاء (سماسرة) لشراء الأراضي من الفلاحين، بسعر مغر، وتسجيلها على اسم مشتريها اليهود، أو باسم شركاتهم أو جمعياتهم - في الطابو. وكانت الحرب قد أتت على مصادر الرزق. فاستدان الشيخ عبد التواب مبالغ كبيرة لضمان قوت العائلة. وقد أمدّه بالمال تاجر الأراضي الشيخ حاتم الباتع، الذي أنعم الله عليه وانتقل للسكن في يافا. وكانت المَشْيخة لدى "الباتع" مصطنعة. فقد لبس الشملة وأطلق شعر ذقنه للتهرب من الخدمة العسكرية، إذ كان الأتراك يحررون رجال الدين من الخدمة الإلزامية.








في يوم مشهود، من مطلع أيار (مايو) عام 1921، جلس مصطفى الشيخ عبد التواب وصديقه سعيد الحاج عبد الهادي – متبطليْن - على حجريْن أملسين مزروعين في الأرض حتى نصفيهما وراء حائط في طرف ساحة القرية الشرقي، يرقبان الشيوخ المسنين وهم يتجمعون من حول لعبتي سيجة، في ركن مفيء في الساحة، ينقسمون حول كل لعبة إلى فريقين، ينتصر كل فريق لأحد لاعبيْ السّيجة..
عن يمين الساحة، في الطرف الجنوبي، بكّرت امرأة مسنة في طلب الماء من البئر. وقد جلست قرب باب البئر تنتظر قدوم واردات أُخَر، ليساعدنها في سحب الحبل من البئر، الذي يزيد طوله عن 50 متراً. ويبدو أن صبر العجوز قد عيل وهي تنتظر. فقامت بتثاقل وتقدمت من الشابين وبادرتهما بلا مقدمات:
- تعبتُ من الانتظار يا ولديّ. ألا تساعداني في ملء الجرّة؟
نهض مصطفي من فوره وقال متطوعاً:
- هيا يا خالة!
وسبقها إلى البئر ونشل الماء للعجوز، وساعدها في حمل الجرّة و"تقعيدها على المدورة" فوق رأسها.
وما أن فرغ، حتى لمح فارسيْن يدخلان الساحة، يتنكب كل منهما بندقية إنجليزية، يتوجهان نحو سعيد ويتوقفان يحادثانه. فخف مصطفى وانضم إلى صديقه ليرى ويسمع. ومن طرف الساحة الثاني، في الركن المفيء، رفع المسنون رؤوسهم عن متابعة اللّعب، وشيعوا أخفهم همّة وأكثرهم فضولاً ليأتيهم بالخبر. بادر الفارسان سعيد ومصطفى:
- جئنا نطلب نخوة أهل القرية للانضمام إلى جموع المتطوعين، من كل قرى اللواء..
- ماذا جرى وإلى أين يسير المتطوعون؟ - سأل سعيد.
- نحن وإياهم ذاهبون للرد على عدوان اليهود في يافا.. – أجاب أحدهم.
- تقول أن اليهود اعتدوا على أهل يافا؟ .. إذن، سننضم إليكم.. لكن ليست لدينا ركوبة!.
- لا بأس، فلسنا بحاجة للوصول إلى يافا. لأن اليهود متواجدون في الطريق. ويمكنكم الانضمام للمشاركين في النجدة الذين يمرون من بلدكم وأن تلحقوا بنا، فنحن أمامكم في المقدمة مع البنادق، لنضرب اليهود في "ملبِّس".. ثم تأتون بعدها لتشاركوا في المواجهة.
نظر سعيد ومصطفى كل في عين الآخر وهتفا:
- هيا..

هرول مصطفى إلى "حوش" العائلة الذي لا يبعد سوى عشرين خطوة، واستل "غَرْفتين" غليظيْن من حزمة الحطب المركونة قرب الموقد في صحن الدار، وعاد ليتقاسم "السلاح" مع سعيد ويلحقا بالفارسين.
عند خروجهما من القرية، وجدا نفسيهما بين جمهور كبير من الخلق والجموع الهائجة، غالبيتهم من الشباب، يتنادون ويتحدثون بأصوات عالية، مشحونة بالحماس والهياج. وكان الخيالة من كبار رجال القرى يسيرون في مقدمة الجموع، يحملون البنادق، يكاد الغبار المتصاعد من تحت أقدام خيلهم التي تمشي خبباً في المقدمة، يحجبهم عن الجموع الماشية تغذ السير للّحاق بالخيالة.

قال سعيد وهو يشير بيده:
- أنظر يا مصطفي إلى مختارنا عبد المنان الشيخ، فوق فرسه الدهماء، في المقدمة..
كان اليوم قائظاً، والعرق المتصبب من أجساد الحشود المغذة في السير وراء قادتها يختلط بالغبار على الجباه، قبل أن يسحّ متحدراً على الخدود، تاركاً عليها خطوطاً طولية غير سوية. وقد هيّج الحرّ الغرائز المثارة.. فأغرت المستعمرات اليهودية وبيوتها المنثورة قرب الطريق، بعضاً من المشاركين الذين جاءوا لكسب شيء ما من المعركة، فاختصروا حملتهم بالتعريج على البيوت التي كانت لقمة سائغة لتفريغ الغضب. فحطموا زجاجها ودخلوها عنوة ونهبوا ما خف من محتوياتها.

انضمت الجموع القادمة من قرى لواء طولكرم الجبلية والسهلية، إلى مجموعة كبيرة من "عرب العوجا" (عرب الساحل)، الذين كانوا يقيمون على ضفتي نهر العوجا (اليركون حالياً)، وشكلوا معاً جيشا شعبياً بقيادة أمير عرب العوجا الشيخ شاكر أبو كشك. وكان سلاح هذا الجيش عدداً قليلاً من البنادق والكثير من العصي والنبابيت، وأكثر منها الحماس المستنفر. وانطلقت الحملة إلى مستوطنة "بيتح تكفا" (ملبّس) القريبة من مدينة يافا – عروس فلسطين وعاصمتها الثانية.

هاجم حملة البنادق المستوطنة ودخلوها. ومن ورائهم اندفعت الجموع هادرة تقتحم البيوت وتعمل فيها نهباً وسلباًً. ووجد مصطفى وسعيد نفسيهما يقتحمان تخشيبة كبيرة، ويدخلان جناحاً واسعاً أشبه بالمخزن أو بمكان عمل، يفضي إلى جناح مكشوف، يضم أقفاصاً سلكية مليئة بالدجاج. وقد أثار اندفاعهما المفاجئ الدجاج، فعلا صياحها وأخذت تدور في مجموعات داخل الأقفاص الشبكية كلما اقترب أحدهما منها. ولم يُضع الصديقان الوقت. وعملا بسرعة: سعيد يمسك بالدجاجة تلو الدجاجة ويذبحها بسكينه ذي النصاب العظمي الذي لا يفارقه، ومصطفى يجمع الملابس المعلقة على الجدار الفاصل بين التخشيبة وأقفاص الدجاج الشبكية، بما فيها ثلاث "برانبط". ثم جمعا الذبائح وعلقاها في زناريهما، وأطلقا ساقيهما للريح هاربين مع الجموع، يسوطهم رصاص الجنود الإنجليز، الذين أخذوا يطاردون المهاجمين، يشتتون شملهم، موقعين فيهم الخسائر.








من مِسْكِه حتى قاقون(7)
والضّيعه بأرظ اللجون
والبِرْوِه وأرظ الدّامون
شرْدَت من بين أْدينا

أعطوهم وعد بلفور
من مدّة سَنِه وشهور
من مْلبّس لَزمّارين
باعوها بكبش وعابور


ساءت أحوال الناس بعد الحرب. فقد أتى الجيش التركي على الغلال. وأهملت فلاحة الأرض بسبب المضايقات واستدعاء الرجال للخدمة العسكرية. وبخست الأرض تبعاً لذلك. ونشط سماسرة بيع الأراضي. وراجت تجارتهم. في أحد الأيام، فوجئ الشيخ عبد التواب بالشيخ حاتم الباتع يدق بابه. فرحب بضيفه هاشاً باشاً. وقال له وهو يخلي مكاناً له على الحصير:
- أنت ابن حلال مصفى..
- بالله؟.. وكيف وصلت إلى هذه الشهادة؟" - رد حاتم الباتع بنبرة ساخرة.
تجاهل الشيخ عبد التواب هذه السخرية وقال:
- كنت أفكر فيك. وقد خطرْتَ ببالي من يومين.
- لا بد أنك في ضائقة!
- تماماً..
- هذا ما جئت من أجله أنا أيضا. - قال الباتع وهو يسترق النظر لقراءة مظاهر الاستغاثة في وجه الشيخ، وأردف :
- أمس التقيت مسعود الديراوي، وطلب أن أساعده في شراء قطعة أرض. وهو مستعد لدفع سعر محترم. قلت خسارة أن تضيع منك مثل هذه الفرصة. فأنت أولى بها من غيرك..
- أتريدني أن أبيع الأرض يا شيخ حاتم؟
- وماذا أفادتك الأرض في الوقت العصيب؟. ثم أنت في ضائقة.. فهل تريد أن تكدس دَيْناً على دَيْن؟.
- لا، لكن..
- هذه فرصة لا تتكرر يا شيخ عبد التواب. وسيحاسبك الله إن ضاعت منك!. ثم أنت لن تبيع سوى "مارس" واحد من الأرض.

فجأة شعر الشيخ عبد التواب بأنه مطوَّق، وليس أمامه أي منفذ يخلصه من هذا الطوْق. فالحرب العالمية تضع أوزارها، بعد أن وقعت تركيا على شروط الهدنة التي فرضها الحلفاء. ويتعين عليه أن يشمّر عن ساعديه لإعادة الحياة إلى الأرض. فكيف يؤمن "الزرّيعة" للبذار؟. وكيف يؤمن مؤونة العائلة حتى الحصاد؟.

طال صمت الشيخ عبد التواب، حتى كاد الشيخ حاتم ينهره. لكنه تمالك، وهو المتمرس على مواجهة مثل هذه الحالات، وسكت هو الآخر.. إلى أن مزّق الشيخ عبد التواب الصمت سائلاً "مغلوبا":
- كم سيدفع "في الدونم"؟


لم يطل غمّ الشيخ عبد التواب وحسرته على المارس الذي باعه ل"الديراوي". فقد "هوّنت" عليه عمليات بيع الأراضي المتتابعة. وكان أبرزها الواقعة التي جرت بين "أبو الكامل" شيخ الجامع وإخوانه من جهة، وبين "أبو الراغب" - مختار الحارة الجنوبية - من الجهة الثانية. وقد بدأت الحكاية حين طلب أبو الراغب - وهو من كبار ملاكي الأرض في القرية - من أهل الحارة، أن يعيروه كواشين أراضيهم، لكي تظهره في ملفات "الباب العالي" التركي، على أنه ملاّك كبير للأرض في القرية، ويستحق الحصول على لقب المختار. وقد نجح في مسعاه ونصب مختاراً على الحارة. لكنْ، عندما جاء الإنجليز وحكموا البلد، وصارت للأرض قيمة - باع أبو الراغب أرض شيخ الجامع وإخوانه (400 دونم) ل"الكيرن كييمت". وقد علم شيخ الجامع بهذه الصفقة بطريق الصدفة، حين نشر خبر البيع في جريدة "الدفاع". فقدم الشيخ شكوى رسمية إلى محكمة الصلح ضد "أبو الراغب". فأحالت المحكمة القضية إلى دائرة الأراضي. وهناك وجد شيخ الجامع وأشقاؤه أنفسهم في مواجهة محامي "الكيرن كييمت" القدير، واسمه "سارسكي". فلجأوا إلى المحامي العربي القدير، عبد اللطيف صلاح، الذي رفع القضية للمحكمة العليا. ونوقشت الدعوى في المحكمة العليا على مدار أسبوع. وفي النهاية اقتنعت المحكمة بعدالة الشكوى. لكنها احتسبت شراء الأرض قانونياً، وأنه تمّ بحسن نية من جانب "الكيرن كييمت"، لأن كواشين لاالأرض مع المختار. فحكمت على المختار بدفع ثمن الأرض لأصحابها.. وهنا وقعت مشكلة أخرى: فكيف السبيل لقبض ثمن الأرض التي صرفها المختار واشترى بها - فيما اشترى – "غوايش" وخلاخيل لزوجتيه؟.. غير أن المحامي القدير وجد الحل في استصدار أمر يقضي بالحجز على أرض المختار، وطرحها للبيع في المزاد. فرسا العطاء على "الكيرن كييمت"، وقبض أبو الكامل ثمنها..

البدء من الصفر صعب. وأصعب منه البدء من "تحت" الصفر، كما كان حال عائلة "أبو طالب". لكن الشيخ عبد التواب استطاع، بواسطة المال الذي قبضه من بيع مارس العائلة في "خور الضبع"، أن يرمم وضع العائلة، وإن يُعيد الصحّة إلى رحلة "الشّد"، على مدار السنتين اللتين أعقبتا الحرب. فالإنجليز لم يغيروا شيئاً من نظام الحياة في هذه الفترة. غير أن مصاعب العيش عادت وتكدست من جديد في السنوات اللاحقة. فمنذ أن انتُدبت بريطانيا العظمى على فلسطين، بقرار من عصبة الأمم(8)، أخذت تبسط سياستها وتدعّم حكمها في البلاد. وكان المندوب السامي البريطاني هو الآمر الناهي. فهو يولي لأي منصب، ويعزل من أي منصب: من رئيس الحكومة حتى أصغر موظف. ومع تثبيت حكم الإنجليز، بقرار انتدابهم على فلسطين، دخلت الليرات الذهبية الإنكليزية (أم حصانين) والفرنسية، سوق التداول، وانخفضت قيمة الليرات العسملي (التركية). ولم تلبث أن اختفت العملة التركية، الورقية والمعدنية، من السوق، بعد أن بدّلها الإنكليز بالعملة المصرية الصادرة عن البنك الأهلي المصري. وظلت هذه العملة سارية إلى أن أصدرت حكومة الانتداب عملة محلية جديدة، ورقية تحمل اسم: "حكومة فلسطين"، وصكت لها أجزاء معدنية، مثل الشلن والقرش والملّيم.
بيد أن التغيير اللاحق الذي كرس المصاعب، كان سياسياً. وتمثل في حسم الأسواق الخارجية، عن طريق فرض ضرائب باهظة على البضائع المشحونة إلى الخارج. فتوقف تصدير المنتوجات إلى أوروبا وإلى مصر عن طريق الموانئ، بعد أن صارت "الكشوفات" التي يتسلمها الفلاحون عن البضاعة المشحونة للخارج لا تحمل سوى "ملاليم"، وأحياناً يكتب فيها عبارة: "عوضك على الله".

- هذا ما يريده الإنجليز.. - هدر صوت حسن الصافي (أبو جعفر) وهو يلّوح للمختار، بالكشف الرهيب الذي تلقاه من مصر "ثمناً" لشحنة بطيخ كبيرة ملأت ثلاث حاويات في السفينة، وأضاف: "يريدوننا أن نبيع الأرض لليهود"..
- وحّد ربك يا "أبو جعفر".. أتحسب أن هذه الجعجعة تردّ خسارتك؟، أم أنك تريد أن يسوقونا إلى السجن؟ - نهره المختار.
- أنا أوافق المختار.. - قال الشيخ عبد التواب موجهاً كلامه لقريبه "أبو جعفر"، "أوافقه بأن الانفعال لا يقدم ولا يؤخر. وقد جئنا للبحث عن مخرج.. وأنت يا "أبو جعفر" عيْن في البلد. يعني أنك مطالب بالعمل على إيجاد مخرج لتصريف الإنتاج. وإلاّ.. تخرب الفلاحة ومعها البيوت، وتهون الأرض كما هانت في سني الحرب".
- وهذا بالضبط ما تريده بريطانيا لتحقيق وعد بلفور.. - هب أبو جعفر من جديد وتابع: "تريد إفقار الفلاحين لكي يبيعوا الأرض لليهود"..
- يا ‘أبو جعفر‘.. يا ‘أبو جعفر‘.. - نهره الشيخ عبد التواب: "ألا تهدأ لنعرف كيف نواجه هذه المحنة؟، ألا تتذكر حماسك لهزيمة الأتراك؟، ألا ترى أن الإنجليز ضحكوا على ذقون زعامة العرب، عندما وضعوا فلسطين تحت إدارة دولية، وقعدوا هم باسم الأمم المتحدة على صدور الناس؟، أين وعدهم للشريف حسين الذي فتح لهم بوابة العرب"؟
- شيء يطيّر العقل.. أعذروني، فهذا شيء يطلع الروح. - قال أبو جعفر وسكت.
- ها.. يا ‘أبو جعفر، يعني سكتَّ وكفى المؤمنين شر المواجهة؟ - لاحقَهُ قريبه الشيخ عبد التواب.
- أية مواجهة نقدر عليها؟.. نحن منسيّون زماناً ومكاناً!. - قال أبو جعفر مستسلماً مغلولاً، وأضاف: "اذهبوا إلى زعامات البلد، أصحاب الطرابيش، أبناء العائلات، من سكان القدس ويافا ونابلس.. واطلبوا منهم مخرجاً!. ماذا تراني أقترح عليكما؟، لم يبق لنا سوى سوق يافا. غداً نُغرقه هو الآخر، وتصبح عبارة "عوضك على الله" ثمناً نقبضه من فترة إلى أخرى.







كانت شجرة الجميز الباسقة، المنتصبة في طرف الحوش، في دار عائلة "أبو طالب"، تنشر فيئها الوارف على السطوح والجدران، وما تبقى من ساحة الدار. وكان طرحها الشبيه بثمار التين ينتشر قطوفاً عجراء معلقة على امتداد جذوعها الغليظة الشامخة، تأخذ من حرارة الشمس لونها الأحمر الداكن، على مهل، لتعلن بعد حين أنها أصبحت يانعة، قبيل سقوطها مخشخشة على الأرض فوق الأوراق اليابسة..
في فيء الجميزة، قرب جذعها الغليظ، كانت الدجاجة "الرقطاء" تستحم مع صيصانها بالتراب البارد، خارج السياج الذي صنعته أم مصطفى لتخلي فسحة في الساحة تربّي فيها الدجاج. وكانت مادة السياج مُشكّلة، تضم أعواد الذرة اليابسة، والحطب، والألواح الخشبية المهشمة، التي جلبها ابنها مصطفى من شاطئ البحر، فربطتها بالحبال المجدولة من نبات "السِّعِّد" و"الحلفا"، وأحاطتها بغطاء من "الشوالات" القديمة، مستعينة ب"مشتيل" بالٍ مرقع بالخرق..
أما "الرقطاء" فمنحتها ربة البيت، مع صيصانها، حق التجول في ساحة الدار كلها.
كانت أم مصطفى تفترش حصيراً في ظل الجميزة، عليها ملاءة صغيرة، وَضعت فوقها حجريْ الرحى، وأخذت تجرش طبخة عدس وهي تترنم وتغني، تردد كلاماً متفائلاً، بلحن يختلط فيه الحزن بالفرح، تكرر فيه اسم ابنها مصطفى مع كلمات الأغنية، كأنه يزف إلى عروس.. ثم تنتقل وتغني له ولعروسه:

بنت عمْتَكْ يا مصيطِف أوعى تفرّط فيها

ظلت أم مصطفى تنتقل من أغنية لأغنية. وهي تردّ القدر على النار، وتطل على العجين من فترة لأخرى لئلاّ تبشبشه الخميرة. وعندما فرغت من جرش العدس، كان العجين قد اختمر بالمقدار الذي تريد. فأخذت تقسمه إلى قطع مدوّرة، وتصفها على ملاءة نظيفة بعد أن ترش عليها قليلا من الطحين، وتغطيها بملاءة أخرى. بينما يواصل قِدْرُها مهمته فوق النار، إلى أن نضج فيه الطعام. فأنزلته عن الموقد و"ردّت" مكانه الصّاج، وأخذت ترق قطع العجين في وعاء واسع مسطح، ترشه بالطحين لئلا تلتصق فيه قطعة العجين، ثم تفرش "الرقاقة" على ظهر الصاج المحمّى فوق الموقد، وهي لا تكف عن تغذية النار بالقش الخفيف. وفي لحظات ‘تَقْلع‘ الرغيف المقمّر عن الصاج..

فجأة، جاشت الذكريات في صدرها، وتذكرت التراويد التي كانت تغنيها لمصطفي وهو في المهد.
"بهلِّل لك بهلِّل لك وسبع جمال بحمِّل لك"
وتوقفت الصور في ذهنها عند فترة المرض الذي ألمّ بولدها، قبل أن يكمل ثلاث سنوات من عمره، وكاد الموت يخطفه من بين يديها:
كان ذلك في بداية العقد الأخير من القرن الفائت (التاسع عشر). حين كان زوجها الشيخ عبد التواب يتحدث مع ابن خاله حسن الصافي عن قرب ابتداء المئة الأخيرة من الألف الثانية في التقويم الميلادي. وقد حفظت من تلك المحادثة جملة أخذت ترددها على مسامع النساء كلما سنحت الفرصة وهي: "تؤلف ولا تؤلفان". بمعنى أن العدّ التصاعدي لنهاية العالم "الفاني" ينتهي، وتقوم الساعة، قبل تمام الألف الثاني في هذا التقويم.
في تلك الأيام انتشرت حمّى "التيفوئيد" في القرية، وأودت بحياة العديد من الأطفال.. و جنّ جنون أم مصطفى وهي ترى ابنها - بكرها - يتقاذفه المرض بين الغيبوبة والهذيان. فوقفت له، للمرض، بالمرصاد ثلاثة أيام بلياليها، لا تكاد تعرف طعم النوم، ولا تكاد تحس بمن حولها. وغدت شرسة كالذئبة المثارة، وهي تحوش عزرائيل الذي يحوم أمام باب البيت، وتمنع اقترابه من طفلها، الذي وصلت حرارته إلى ذرى قاتلة. وظلت تسقيه من ماء الكينا والأعشاب المغلية، وتستلّ الحمّى من جبينه بكمادات الخِرَق المبللة بالماء البارد.. تملأ القدح تلو القدح.. وظل الطفل غائباً يصارع الموت، لا يتحرك فيه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بأنفاسه اللاهبة..
في اليوم الثالث فتح عينيه وقال: "أَشرب".

انتفضت وهي ترى ابنها، مصطفى، ينتصب أمامها.. يكرر سؤاله بصوت عال:
- متى نخرج لجلب الماء يا أمي؟
- الآن يا ولدي.. حالاً! -أجابت وهي تخف لإنزال الصّاج عن الموقد وتطفئ الجمر والحطب في مواضعها.
تقدم مصطفى وحمل حبل "السِّعّد" المجدول، وهو حبل البئر الثقيل الذي يستخدمه سكان الحوش جميعاً، وخرج يسبق أمه نحو بئر القرية. وكما في كل مرة، تذكر مصطفى حديث أمه المنقول عن أقوال السلف، كيف حفر الأتراك البئر عندما كان جده صبياً. وكيف جلبوا لها الحجارة على ظهور الجِمال، وبناها البناؤون غُرزاً غُرزاً، حتى ملامسة المياه الجوفية الراشحة، في عمق يقارب الخمسين ذراعاً. وقد اعتاد مصطفي ان يحمل الحبل المربوط في طرفة "تنكة"، يلقيها في البئر، وينتظر حتى تغوص وتمتلئ. ويسحبها من طرف الحبل الثاني، ويضعه على كتفه، ويمشي في الساحة،ساحباً صفيحة الماء من قعر البئر. ويتوقف حين يصل "العلامة" في أقصى الساحة، مبقياً على الحبل مشدوداً، ريثما ترفع أمه الصفيحة من باب البئر وتفرغها في الجرّة.

لم يكن سهلاً على ربة البيت، أو على البنت المستسقية، أن تنشل الماء لوحدها. فإذا نشأت حاجة للماء، ولم يكن في جوار البئر أي من الرجال، تستعين مجموعة نساء بدابّة، يربطن في عنقها حبل البئر، وتسوقها إحداهن حتى العلامة المؤشرة في طرف الساحة الغربي، وتفرغ الأخريات الماء في الجِرار.

تذكر مصطفى حديثه مع أمه وهو يسألها:
- متى حفروا هذه البئر يا أمي؟
- قالت المرحومة أمي أنهم حفروا البئر وهي صبية صغيرة.
- ومَن حفرها؟
- للبئر حكاية: ففي زمن الأتراك كان الناس يشربون من "الحفاير". وهي، كما تعلم، حُفر صغيرة في حدود الخمسة أذرع، أو عشرة "باعات" على الأكثر. وهي تنشف كلما توغل الصيف. وفي يوم، جاء إلى القرية رجل ميسور، ذو جاه ومنزلة رفيعة، من منطقة "عرابة" الشرقية في الشمال. كان في طريقه لزيارة مقام "سيدنا علي"، لذبح ذبيحة قضاء لنذر. فعرج في طريقه على بلدنا، وحل ضيفاً على البلد. فذبحوا له عجلاً حولياً، وأكرموه بما يليق بمقامه. وعند تقديم الطعام "هاهت" (غنّت) له إحدى النساء "القارحات". وقالت: "يا سيدنا أحفر لنا بير.. بحياة أبوك وجدك احفر لنا بيارة". فثارت نخوته، وأمر معاونيه بتنفيذ هذا الطلب. فجاءوا بفَعَلة وبنائين من نابلس. وكانوا يحفرون "الغرز" ويبنون في محيط البئر الدائري صفاً من الحجارة. وظلوا يحفرون ويبنون، ويمدون مقاطع السلم الحديدية، حتى وصلوا النبع "النزّاز".

تكررت حكاية حفر البئر على مسامع مصطفى مع كامل التفاصيل، بما فيها الحكايات عن النساء اللواتي وقعن فيها في أثناء نشل الماء، مثل ليلى اليعقوب، زوجة إبراهيم العبد الله، وخديجة بنت أبو محمود التي بقيت حية وتعلقت بالحبال وخرجت من البئر سالمة. وعن الرجال الذين ينزلون إلى داخل البئر لتنظيفها من الحجارة ومن حطام جرار الفخار التي تسقط فيها. و..
مرة سقطت "الهدّة" على إسماعيل الداهود، وهو في قعر البئر ينظفها من ركام الحجارة والمواعين المردومة، فمات من فوره. فنزل أحد أقربائه، وربطه من وسطه، ونشلوه بحبل تشده الدواب..

غير أن موضوع البئر أثير في ديوان المختار بشكل مغاير كلياً. وقد سمعة مصطفى بالصدفة، عندما جاء يبحث عن والده لأمر ما. وقبل أن يضع قدمه داخل الديوان، سمع قريبهم أبو الصافي وهو يشرح حكاية البئر المغايرة، بطريقة ذكرته بشرح معلم الكتّاب. قال أبو الصافي:
- البئر قديمة جداً. فهي رومية، وحفرت في عهد الرومان وليس في عهد الأتراك. وتزامن حفرها مع بناء المسجد والعقود التي تحيط به. لأنه لا يعقل أن تكون قرية تاريخية، تتواجد في موقع على طريق الملوك والبريد، وإن كانت صغيرة كبلدنا، بدون بئر يخدم سكانها والمارين من عندها. فالذي كان قادراً على بناء العقود فيها - كان قادراً أيضاً على حفر مثل هذه البئر. أما آباؤنا الذين جاءوا من الجبل بحثاً عن مرعى ل"حلالهم"، فلم يكن بمقدورهم أن يحفروا ويبنوا مثل هذه البئر، وأن يجلبوا لها الحجارة من الجبل. فلم يكن في قريتنا بيت واحد مبني بالحجارة. فهي كلها مبنية ب"قوالب" الطين. حتى في أيامنا لا توجد سوى بيوت قليلة مبنية بالحجارة. فمن أين جاءوا بحجارة البئر؟. ومن صرف على نقلها وعلى بناء البئر؟.. أهم الأتراك حقاً؟. أهم الذين لا نراهم إلا لجمع "الويرتشو" ولم الرجال وتعبئتهم للحرب؟
توقف أبو الصافي للحظة ونظر في الوجوه من حوله، كأنما يريد أن يسمع رداً على سؤاله. وكان يقيس مدى انشدادهم لكلامه، ليواصل:
- وكما تعلمون، فإن مياه البئر "نزّاز"، وليست مياه نبع. ومع الوقت طمرت الحجارة المتساقطة مياه البئر. أما حكاية والي المنطقة الشمالية، فليس هناك مِن دافع يلزم عابر طريق، وإن كان حاكماً في المنطقة الشمالية، أن يحفر مثل هذه البئر. ويبدو أن إسهامه – إن صحت الرواية – كان في تنظيف البئر و"فجرها" وصولاً إلى مياه النبع(9).