عبدالحميد العدّاسي
17 - 12 - 2009, 10:53 PM
رؤيــــــــــا
عاشها عبد الحميد العدّاسي
رأيت فيما يرى النّائم أنّ الملك المكلّف قد قبض روحي، ثمّ ما لبثت وأنا في المنام أن أطّلعت على المجموعة الهائلة من المقالات التي كتبت في شأني، فهذا يترحّم ويؤبّن وذاك يعدّد المحاسن ويتحسّر على الفراق وآخر يستعرض بعض المواقف التي عاشها الفقيد والمبادئ التي تمسّك بها.. عناوين كثيرة وتعازي استرسلت حتّى بعد الأيّام الثلاثة المسموح فيها بالعزاء خارج الكراهة، فالمصاب جلل، والجميع يريد أن يكتب عن الفقيد ويقف إلى جانبه ويشهد له. وكلّ ذلك حسن بإذن الله.
محبّ قال عنّي في مقاله التأبيني: كان الفقيد توّاقا للحرّيات عاشقا لها وكان متشبّثا بمعاني الرّجولة والكرامة والغيرة إلى درجة جلبت له بعض المؤاخذات، وكان مولعا بالعربيّة محبّا لها رغم عدم انتسابه إلى الميدان الأدبي، وكان كثير الاحترام للعلماء والمربّين، يرغب في صحبتهم ولا يقصّر في التذلّل إليهم وذلك بالقدر الذي يتيحه عزّ المؤمن، ولقد كانت آخر كتاباته رحمه الله عن العالم الجليل المغمور الدكتور المنصف بن سالم، ذلك المحاصر في زاوية من زوايا صفاقص المحارب من طرف أزلام نظام التغيير، فقد أراد أن يستنفر النّاس من حوله للدّفاع عنه وعن ابنه أسامة الذي تعرّض للطرد من طرف هيئة الجامعة التي كان قد أسّسها المنصف نفسه – يقول المرحوم - . وقد كان يظنّ رحمه الله أنّ النّاس سيهبون كلّهم مدافعين عن الحقّ وأهله مبيّنا أنّ المنصف لن يكون أقلّ شأنا من الصحافيين الفرنسيين أو غيرهما ممّن تعرّض إلى الظلم والبغي سواء في داخل تونس أو خارجها، (راجع مقال المرحوم على صفحات تونس نيوز بتاريخ 17 – 9 – 2004). ولقد علمت أنّه همّ بكتابة مناشدة أخرى يستحثّ فيها السياسيين والحقوقيين أفرادا وجمعيات داخل البلاد وخارجها لمؤازرة الرجل ومحاولة تفريج كربته ولكنّ الله قدّر وما شاء فعل، فقد أدركه الأجل قبل أن ينعم بتلك الوقفة المناصرة لعزيز قوم ذلّ. ولعلّي – وانطلاقا – من معرفتي الدقيقة بالمرحوم، لا أراه اليوم مرحّبا بالكثير من الكتابات الواردة في شأنه على هذه الصفحة، فقد كان رحمه الله يحزن عندما تفقد الأمّة واحدا من أبطالها رجلا كان أو امرأة مرّتين: مرّة لفقدان البطل ومرّة لغزارة الكتابة عن الموتى مقابل ندرتها عن الأحياء من المظلومين والمحاصرين والمسجونين والمطاردين والفاقدين للسند وللمعيل. وكان رحمه الله كثيرا ما يتكلّم عن تطوّر الرثاء في الأدب الإلكتروني المعاصر ويحدّثني عن مجلّدات رصدها في زاوية من جهازه لجمع كلّ ما يُكتب عن الأموات ويقول: نحن قوم لا نُنزِلُ النّاسَ مُقامهم إلاّ عندما ننزل جثامينهم في لحودهم.. نحن قوم نجيد الموت ولا نجيد التوقّف عنده، ولو فعلنا لعلمنا أنّ الحياة هي أولى بالعناية من الموت وأنّ الأحياء هم أولى بالكتابة من الأموات، وهذا فنّ فقهه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه حين أوصى بأن يُطهّرا ثوباه ويكفّن فيهما لقناعته أنّ الحيّ أولى بالجديد من الميّت (على أنّه لا بدّ من الكتابة عن أمواتنا والشهادة لهم وذكر محاسنهم ومواساة أهليهم وصنع الطّعام – إن أمكن – لهم، فهو حسن).
حين أذّنت ساعة المنبّه لصلاة الفجر، لم أكن – للأسف - قد انتهيت من قراءة كلّ ما كتب عنّي بعد موتي، ولمّا استيقظت لم أكن بحاجة إلى طلب الفتوى في الرؤيا لأنّي خشيت ألاّ أجد أحدا من غير الذين يقولون "أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين"، فسارعت إليكم أحبائي ممّن يقرأ صحيفة تونس نيوز وكلّي رجاء في وجود دقّة وحسن التأويل لديكم سائلا الله أن يغيثنا ويرحمنا...
كتب ونشر يوم 23 سبتمبر 2004.
عاشها عبد الحميد العدّاسي
رأيت فيما يرى النّائم أنّ الملك المكلّف قد قبض روحي، ثمّ ما لبثت وأنا في المنام أن أطّلعت على المجموعة الهائلة من المقالات التي كتبت في شأني، فهذا يترحّم ويؤبّن وذاك يعدّد المحاسن ويتحسّر على الفراق وآخر يستعرض بعض المواقف التي عاشها الفقيد والمبادئ التي تمسّك بها.. عناوين كثيرة وتعازي استرسلت حتّى بعد الأيّام الثلاثة المسموح فيها بالعزاء خارج الكراهة، فالمصاب جلل، والجميع يريد أن يكتب عن الفقيد ويقف إلى جانبه ويشهد له. وكلّ ذلك حسن بإذن الله.
محبّ قال عنّي في مقاله التأبيني: كان الفقيد توّاقا للحرّيات عاشقا لها وكان متشبّثا بمعاني الرّجولة والكرامة والغيرة إلى درجة جلبت له بعض المؤاخذات، وكان مولعا بالعربيّة محبّا لها رغم عدم انتسابه إلى الميدان الأدبي، وكان كثير الاحترام للعلماء والمربّين، يرغب في صحبتهم ولا يقصّر في التذلّل إليهم وذلك بالقدر الذي يتيحه عزّ المؤمن، ولقد كانت آخر كتاباته رحمه الله عن العالم الجليل المغمور الدكتور المنصف بن سالم، ذلك المحاصر في زاوية من زوايا صفاقص المحارب من طرف أزلام نظام التغيير، فقد أراد أن يستنفر النّاس من حوله للدّفاع عنه وعن ابنه أسامة الذي تعرّض للطرد من طرف هيئة الجامعة التي كان قد أسّسها المنصف نفسه – يقول المرحوم - . وقد كان يظنّ رحمه الله أنّ النّاس سيهبون كلّهم مدافعين عن الحقّ وأهله مبيّنا أنّ المنصف لن يكون أقلّ شأنا من الصحافيين الفرنسيين أو غيرهما ممّن تعرّض إلى الظلم والبغي سواء في داخل تونس أو خارجها، (راجع مقال المرحوم على صفحات تونس نيوز بتاريخ 17 – 9 – 2004). ولقد علمت أنّه همّ بكتابة مناشدة أخرى يستحثّ فيها السياسيين والحقوقيين أفرادا وجمعيات داخل البلاد وخارجها لمؤازرة الرجل ومحاولة تفريج كربته ولكنّ الله قدّر وما شاء فعل، فقد أدركه الأجل قبل أن ينعم بتلك الوقفة المناصرة لعزيز قوم ذلّ. ولعلّي – وانطلاقا – من معرفتي الدقيقة بالمرحوم، لا أراه اليوم مرحّبا بالكثير من الكتابات الواردة في شأنه على هذه الصفحة، فقد كان رحمه الله يحزن عندما تفقد الأمّة واحدا من أبطالها رجلا كان أو امرأة مرّتين: مرّة لفقدان البطل ومرّة لغزارة الكتابة عن الموتى مقابل ندرتها عن الأحياء من المظلومين والمحاصرين والمسجونين والمطاردين والفاقدين للسند وللمعيل. وكان رحمه الله كثيرا ما يتكلّم عن تطوّر الرثاء في الأدب الإلكتروني المعاصر ويحدّثني عن مجلّدات رصدها في زاوية من جهازه لجمع كلّ ما يُكتب عن الأموات ويقول: نحن قوم لا نُنزِلُ النّاسَ مُقامهم إلاّ عندما ننزل جثامينهم في لحودهم.. نحن قوم نجيد الموت ولا نجيد التوقّف عنده، ولو فعلنا لعلمنا أنّ الحياة هي أولى بالعناية من الموت وأنّ الأحياء هم أولى بالكتابة من الأموات، وهذا فنّ فقهه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه حين أوصى بأن يُطهّرا ثوباه ويكفّن فيهما لقناعته أنّ الحيّ أولى بالجديد من الميّت (على أنّه لا بدّ من الكتابة عن أمواتنا والشهادة لهم وذكر محاسنهم ومواساة أهليهم وصنع الطّعام – إن أمكن – لهم، فهو حسن).
حين أذّنت ساعة المنبّه لصلاة الفجر، لم أكن – للأسف - قد انتهيت من قراءة كلّ ما كتب عنّي بعد موتي، ولمّا استيقظت لم أكن بحاجة إلى طلب الفتوى في الرؤيا لأنّي خشيت ألاّ أجد أحدا من غير الذين يقولون "أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين"، فسارعت إليكم أحبائي ممّن يقرأ صحيفة تونس نيوز وكلّي رجاء في وجود دقّة وحسن التأويل لديكم سائلا الله أن يغيثنا ويرحمنا...
كتب ونشر يوم 23 سبتمبر 2004.