مشاهدة النسخة كاملة : مكتبة القصة القصيرة
حفيظة طعام
30 - 4 - 2008, 03:28 AM
احبتي في رؤى انتم صناع الحرف وحماة الكلمة
السلام عليكم:
هذه الصفحة، أردت من خلالها تسليط الضوء على القصة القصيرة....باختيار نماذج قصصية لادباء وكتاب عرب....هكذا من خلال قصصهم نعرف بهم من ناحية ونتعرف على طريقتهم في الكتابة القصصية لنثري مواهبنا...ونطور جانب الكتابة في هذا الفن الادبي الجميل ،القادر على استوعاب كل هموم العالم واحلامه في قالب قصصي قصير....معتمدين في ذلك على اساليب مرموقة.
احبتي المطلوب منكم ـ هو ان يختار كل واحد قصة نموذجية وينشرها هنا في هذه الزاوية على ان تكون القصص قصيرة وذات اسلوب فني متميز.
مع الالتزام بذكر اسم المؤلف ودار النشر والدولة للامانة العلمية.....فالساحة الادبية العربية تعج باقلام مرموقة.هكذا نفسح المجال لانشاء مكتبة صغيرة خاصة بركن فصول نطالع من خلالها القصة القصيرة.
ونفيد ونستفيد.
في الاخير اتمنى ان تنشط هذه الزاوية وارجو المساهمة في بناء صرح مكتبة القصة القصير في غرفة من غرف رؤى العريقة"فصول"
دمتم
ودام حس الشعور بمسؤولية الابداع شعاركم.
دائما من اجل رؤى الخير والحب والابداع
وتابعوا معي النموذج.
حفيظة طعام
حفيظة طعام
30 - 4 - 2008, 04:20 AM
زكريا تامر رائد القصة القصيرة في العالم العربي: زكريا تامر: ولد في دمشق عام 1931 تلقى تعليمه الابتدائي في دمشق ، ثم ترك التعليم ومارس مهناً عدة بينها الصحافة، كما عمل رئيساً لتحرير مجلة المعرفة، و عمل في مديرية التأليف والترجمة في وزارة الثقافة بدمشق، ورئيساً لتحرير مجلة الموقف الأدبي، ورئيساً لتحرير مجلة أسامة للأطفال، ونائباً لرئيس اتحاد الكتاب العرب. في القصةالقصيرةكتب: الأدغال ،يوم أشهب ،الأغصان المطربش،الجريمة،.......وقصته في ليلة من الليالي عضو جمعية القصة والرواية. في هذه الزاوية تختار قصته "في ليلة من الليالي" تابعوها: " في ليلة من الليالي يجيء الليل كفنًا أسود، فيبتعد أبو حسن بخطى هارب عن حارته الخرساء، وأزقتها الملتوية المظلمة، وناسها العجاف، وبيوتها الرثة المتلاصقة، ومقهاها الذي يشبه تابوتًا مهترئ الخشب. وحين يبلغ الشوارع العريضة، تبهره ضوضاؤها وسياراتها المسرعة وناسها المتأنقون وأنوارها الساطعة المتعددة الألوان، فيمشي بخطى ذاهلة متباطئة، مشدود القامة، مرفوع الرأس، ذا وجه متجعد، شديد الزهو بشاربيه الكثّين اللذين كانا يغريان عيونًا كثيرة بالتحديق إليهما بفضول ودهشة. إيه! أنت أبو حسن. ويحقّ لك أن تنال الإعجاب والاحترام. أنت خير الرجال. خنجرك البرق الذي يعقبه مطر من دم، وقلبك فضة، ويدك من صخر الجبال. أنت رجل لا كبقية الرجال. تفرح فتصير بستانًا أخضر. تغضب فيحمل الموت نعشًا فارغًا وينتظر أشلاء فريسة. تحب فتخلص. لا تغش ولا تكذب. لا تتملق ولا تنافق. الأعور أعور، والأعمى أعمى. تضرب فتدمي ولا تقتل. تعادي فيختفي من تعاديه. تصادق فتهب حتى روحك لمن صادقته. عمرك أكثر من أربعين سنة، ولكنك حين تلتقي بجسد امرأة، تبقي في دمها حتى القبر. تشرب العرق كأنه ماء ولا تسكر. تخوض مشاجرات تسيل فيها الدماء كأنك تدخن سيجارة على ضفة نهر. يعلو صوتك الخشن بموّال فتبكي الحجارة. أنت الرجل الذي يكنّ له الرجال والنساء والأطفال في حارته المحبة والإجلال. إذا تشاجرت امرأة مع زوجها، فلا تقصد بيت أهلها شاكية، إنما تلجأ إليك واثقة بأن ما لحق بها من ظلم سيزول لا محالة. يحبك الأطفال ويصرخون مستنجدين بك لحظة تضربهم أمهاتهم. وقطط الحارة ساعة تجوع تأتي إليك وهي تموء. وإذا تخاصم صديقان فلا أحد غيرك يستطيع بكلمة أن يوقد من جديد ما انطفأ في قلبيهما من ودّ. والشاب اليتيم إذا رغب في الزواج من فتاة، تصبح أنت عائلته. كنت دائمًا تنصر الضعيف المظلوم، وتجابه القوي الظالم غير هياب. ولم تعرف يومًا أحنيت فيه رأسك لهوان أو ذلّ. ويبتسم أبو حسن ابتسامة مغتبطة متفاخرة، بينما هو مستمرّ في سيره المتمهِّل على أرصفة مكتظة برجال لا شوارب كثة لهم، وبنساء يمشين بخطوات واثقة شامخات الرؤوس، معطرات، أنيقات، جميلات كدمى غالية الثمن. انظر يا أبا حسن انظر. رجال كالنساء ونساء كالرجال. لا تعجب ولا تستنكر. هذه هي سنّة الحياة، فلا شيء يبقى ويدوم، وكل زمان له رجاله ونساؤه. ويلمح أبو حسن فتاتين في مقتبل العمر، جميلتين أكثر من زهرة ياسمين في الصباح. وكانتا ترنوان إلى شاربيه الكثّين بنظرات مستغربة، فيتزايد اعتداده بشاربيه، وتلمسهما أصابع يده اليمنى بحركة مزهوة. وتهامست الفتاتان، ثم ضحكتا ضحكًا ساخرًا، ففوجىء أبو حسن، وارتبك، وحثَّ خطاه مبتعدًا عن الفتاتين، وسلك طريقًا فرعية تضيئها مصابيح كهربائية، شاحبة النور، متدلِّية من أعمدة خشبية تتناثر متباعدة. أنت! أنت أبو حسن، ويسخر منك فتستحي كبنت ما باس فمها إلاّ أمها! آخ يا زمن.. أنت كلب يعضّ صاحبه. وتناهى إلى سمع أبي حسن أغنية آتية من إحدى البنايات من نافذة مفتوحة مضاءة، فتوقف عن السير، واستند إلى جذع شجرة. وكان المغني أجشَّ الصوت، وأغنيته مبهمة الكلمات، غير أن صوته كان كصرخة مخنوقة لطير فقد جناحيه بغتة وهوى في فراغ لا أرض له. وتخيل أبو حسن الفتاتين وقد اختطفتا وترقصان مرعوبتين عاريتين في غرفة يحتشد فيها عدد من رجال ذوي شوارب كثة وأعين مفترسة. ثم تذكَّر امرأة جميلة من حارته، وكانت تقول له: (تزوَّجني وسأكون خادمتك). ولكن ولولة انبثقت ذات صباح من بيتها، جلَّلت الحارة وسكانها بلون أسود. ولم يمش أبو حسن وراء نعشها، إنما اختبأ في غرفته، ودفن وجهه في الوسادة. ولم يستطع أن يبكي، ولكن صوته كان يتصاعد بين الحين والحين أجشَّ مبحوحًا أكثر حزنًا من بكاء الأم التي فقدت ابنتها. وتعالت صرخة استغاثة حادّة من امرأة، وأبصر أبو حسن رجلاً يركض باتجاهه، تتبعه صيحات تقول إنه لص وتحثّ على إمساكه . ولما اقترب الرجل الهارب من أبي حسن، حاول إمساكه، ولكنه راغ ببراعة، وأفلت منه، واستأنف ركضه السريع دون أن يبالي باسترداد ما سقط من يده. وانحنى أبو حسن على الأرض، وتناول ما سقط من الهارب، فإذا هو حقيبة يد نسائية، فتأملها وهو يقول لنفسه بسخرية: ماذا سيحكي أهل حارتي إن أبصروا أبا حسن يحمل ما تحمله النساء! وأقبل الذين كانوا يطاردون الرجل الهارب، وبرفقتهم شرطي بدين، فقال لهم أبو حسن بلهجة اعتذار وأسف: (اللعين كان كالزئبق وهرب مني). فصاحت امرأة وهي تشير إلى أبي حسن: (اقبضوا عليه. هو اختطف حقيبتي، وها هي ذي بيده). قال أبو حسن: (عيب يا امرأة! ما هذا الحكي!). فانتزعت المرأة الحقيبة من يده، وصاحت: (انتبهوا سيهرب). فسارع الشرطي البدين وعدد من الرجال إلى إمساكه، وقال له الشرطي: (هيا، امش). قال أبو حسن متسائلاً بدهشة: (إلى أين). قال الشرطي: (إلى أين! إلى المخفر طبعًا. لعلك ظننت أننا سنأخذك إلى كباريه!). فحاول أبو حسن الكلام والاحتجاج، ولكن شتائم كثيرة انهالت عليه، فسكت، وسار برفقة الشرطي يحيط به رجال ونساء وأطفال، يتكلمون بأصوات عالية، ويشيرون إليه قائلين إنه لص. ولم يستمر السير طويلاً إذ كان مخفر الشرطة قريبًا. واقتيد أبو حسن توّا إلى غرفة رئيس المخفر الذي كان شابّا ذا وجه أبيض وسيم حليق وعينين صارمتين واجمتين، ويجلس وراء طاولة، على سطحها جرائد وأوراق وتلفون. وتقدم الشرطي من رئيس المخفر، وشدَّ قامته، ورفع يده محييا، ثم تكلم ملخصًا ما جرى. فقال أبو حسن مقاطعًا: (كل ما يقوله غير صحيح). فقال رئيس المخفر لأبي حسن: (اخرس. لا تتكلم. تتكلم فقط عندما آمرك بالكلام). وصاحت المرأة صاحبة الحقيبة:(هو اختطف حقيبتي من يدي وهرب). وتلتها أصوات عديدة تؤيدها، ويضيف أصحابها قائلين:(كلنا رأيناه ولحقنا به حتى قبضنا عليه). وقال الشرطي:(ضبطته يا سيدي والحقيبة بيده). ظل رئيس المخفر صامتًا، ووجّه إلى أبي حسن نظرة طويلة متفحِّصة، ثم قال له بازدراء:(تفضل.. جاء الآن دورك. هيا أسمعنا فصاحتك. ما لك! هل ابتلعت لسانك يا لص). قال أبو حسن: (أنا لست لصّا). قال رئيس المخفر بحنق: (إذن من أنت لعلك شيخ جامع ولا ندري). قال أبو حسن: (أنا رجل.. والرجل لا يسرق امرأة). فنهض رئيس المخفر عن كرسيه، وترك طاولته، ودنا من أبي حسن، وقال له هازئًا: (ما شاء الله! أنت لص، ولص وقح أيضًا). قال أبو حسن: (أنا لم أختطف الحقيبة. رأيتها تقع من سارقها فالتقطتها). قال رئيس المخفر: (اسمع. الإنكار هنا لن ينفعك. من الأفضل لك ولنا أن تعترف بما فعلت، وإلاّ جعلتك تتمني لو أن أمك لم تلدك). فأمسك أبو حسن بأصابع يده اليسرى أحد شاربيه، وقال: (شاربي شارب امرأة إذا كنت أكذب). قال رئيس المخفر: (تفو عليك وعلى شواربك. لا وقت لدي للقيل والقال. تكلم وإلاّ كسرت رأسك). قال أبو حسن محمر الوجه: (لم يخلق بعد الشخص الذي يكسر رأس أبي حسن. اسأل عني أهل حارتي فتعرف من هو أبو حسن). وقال رئيس المخفر وقد ازداد غيظًا: (يا كلب.. إذا لم تعترف سأضربك بالحذاء، وأضرب أهل حارتك). قال أبو حسن: (لا داعي إلى التمادي في الكلام. كنْ رجلاً، والرجل يعرف قدْر الرجال). فهز رئيس المخفر رأسه، وقال بصوت حاول أن يكون هادئًا: (أنت بالتأكيد بحاجة إلى تربية وتأديب، وقد وقعت في يد من يتقن التعامل مع أمثالك). والتفت إلى الشرطي البدين، وقال له آمرًا بخشونة (اذهب كالبرق وأحضر مقصّا). قال الشرطي: (أمرك سيدي). ثم غادر الغرفة بخطى سريعة. واتجه رئيس المخفر نحو طاولته، وضغط بإصبعه على زر جرس، ثم وقف متصلب القامة، مقطب الجبين حتى دخل الغرفة شرطي أصفر الوجه وقال بصوت جامد: (أمر سيدي). فقال رئيس المخفر وهو يشير إلى المرأة صاحبة الحقيبة والشهود: (خذهم وسجِّل أقوالهم). فنفذ أمره توّا، وخوت الغرفة إلاّ من رئيس المخفر وأبي حسن، وعندئذ قال أبو حسن بصوت متهدج: (انظر إلي. هل يمكن أن أكون لصّا يسرق امرأة!). لم يجب رئيس المخفر إنما ازداد وجهه صرامة، وأمسك بسماعة الهاتف، ورفعها، وأدناها من فمه، وتكلم بصوت خفيض، ثم أعادها إلى مكانها. واسترخى على كرسيه صامتًا يحدق بهزء ووعيد إلى أبي حسن الذي كان يقف منفرج القدمين مضطربًا حائرًا. وفتح باب الغرفة، ودلف إلى داخلها الشرطي البدين حاملاً مقصّا كبيرًا، ثم تبعه عدد من رجال الشرطة الذين نظروا توّا إلى أبي حسن نظرات كره واحتقار. فنهض رئيس المخفر واقفًا مبتهج الوجه، وتناول المقص من الشرطي البدين، ثم قال لرجال الشرطة وهو يشير بالمقص إلى أبي حسن: (أمسكوا بهذا الكلب). فصاح أبو حسن: (أنا كلب يا نصف رجل خسئت). وهجم على رئيس المخفر وهو يزعق بغضب، غير أن رجال الشرطة أمسكوا به، فقاومهم محاولاً الإفلات من أيديهم، فانهالت عليه صفعاتهم وركلاتهم. كانوا يضربونه بشراسة وكراهية كأنه ذبح أمهاتهم. وظلوا يضربونه حتى تلاشت مقاومته واستحال بين أيديهم جسمًا شبيهًا بقطعة قماش مهترئة. وعندئذ قال رئيس المخفر لرجاله: (أمسكوا به جيدًا). وأضاف مخاطبًا الشرطي البدين: (تحرك.. أمسك برأسه، وإن تحرك أقلّ حركة وضعت رجليك في الفلقة). فسارع الشرطي البدين إلى الإمساك بشعر أبي حسن، وشده إلى الوراء شدّا عنيفًا، فبات وجه أبي حسن فريسة عزلاء. ابتسم رئيس المخفر، واقترب من أبي حسن ويده تحمل المقص، وقال له: (والآن ستدفع ثمن سبّك، وسترى ماذا يفعل نصف رجل). ودنا المقص من شاربي أبي حسن، فذعر، وحاول التملص من أيدي رجال الشرطة، ولكن أيديهم كانت تقيده وتشله عن أي حركة، فصاح بضراعة: (والله أنا بريء). فازداد المقص دنُوّا من شاربي أبي حسن، فصاح وقد طغى عليه رعب شديد: (دخيلكم). قال رئيس المخفر: (قل إنك سرقت فلا يمسّك أذى). وران الصمت لحظة، ثم قال أبو حسن بصوت مرتعش: (أنا سرقت الحقيبة من المرأة). فضحك رئيس المخفر، وقال باحتقار: (إلى متى ستظل البلد تحوي أمثالك!). وانقضّ المقص على شاربي أبي حسن، وقضى عليهما بحركات متأنية متشفية بينما كان أبو حسن يصرخ صراخًا مديدًا أجش مبحوحًا. وخطا رئيس المخفر نحو طاولته، ورمى المقص على سطحها، وقال لرجاله: (ماذا تفعلون أيطربكم صوته أسكتوه). فبادروا إلى ضرب أبي حسن ثانية ضربًا قاسيا حتى أرغموه على السقوط أرضًا. ولكنه استمر يصرخ ويشتم، فنزعوا حذاءه، ورفعوا قدميه إلى أعلى، وهوت عصا رفيعة على باطن القدمين بضربات قصيرة متلاحقة، فصاح أبو حسن: (سأذبحكم جميعًا يا أولاد الزنا، ولو بقي من عمري يوم واحد). قال رئيس المخفر بينما كان يعاود الجلوس وراء طاولته: (استمروا في ضربه حتى يسكت. اسكت. لا أريد سماع أي صوت منك). وألفى أبو حسن نفسه بعد حين يضغط بأسنانه على شفته السفلى خانقًا الصراخ المتوجع الذي يريد أن ينفجر خارج الفم المدمي.وحينئذ قال رئيس المخفر لرجاله: (اتركوه). ثم وجّه الكلام إلى أبي حسن: (هيا انهض وقفْ على قدميك). فأطاع أبو حسن، ووقف بصعوبة مستجمعًا كل مابقي من قواه كي لا يتهاوى على الأرض، فقال له رئيس المخفر: (هيا احمل حذاءك). فنفذ أبو حسن الأمر وهو يئنّ أنينًا خافتًا، ثم وقف مقوس الظهر وكل يد تحمل فردة حذاء. قال له رئيس المخفر: (قل لي يا أبا حسن.. أنت رجل أم امرأة!). لم يجب أبو حسن، فقال رئيس المخفر بحدة: (انطق، ألم تسمع ما قلت أنت رجل أم امرأة). قال أبو حسن: (أنا طبعًا رجل). قال رئيس المخفر بصوت مرح: (كذبت. أنت امرأة. هيا تكلم، وقل إنك امرأة. سأغضب إذا لم تقل إنك امرأة، وأنت صرت تعرف ما يحدث حين أغضب). قال أبو حسن بصوت خافت: (أنا.. امرأة). قال رئيس المخفر: (لم أسمع ما قلت. تكلم بصوت عال. أتظن أنك توشوش حبيبتك!). قال أبو حسن بصوت مرتفع وهو ينظر إلى الأرض: (أنا امرأة). فقهقه رئيس المخفر، وقال: (احمد ربك، لأننا هنا لسنا من الشاذّين جنسيا!). ضجّ رجال الشرطة بالضحك، فقال لهم رئيس المخفر بلهجة آمرة مشمئزة: (خذوه، وسأراه فيما بعد، لأتابع تربيته وتأديبه). فانقضّ رجال الشرطة على أبي حسن، وجرّوه إلى خارج الغرفة، وهم يركلونه ويصفعونه ويشتمونه. واقتادوه إلى إحدى الغرف، ودفعوه إليها وأقفلوا بابها. وكانت غرفة تخلو من أي أثاث، ولا نوافذ لها، يتدلى من سقفها مصباح كهربائي ضعيف النور، فتهاوى أبو حسن على أرضها وهو يئن متوجعًا. وسمح فجأة صوتًا رفيعًا يقول له بنبرة متسائلة: (ضربوك كثيرًا! لا تزعل.. الضرب تسليتهم الوحيدة). فرفع أبو حسن رأسه مستطلعًا، فرأى ولدًا لا يتجاوز عمره الثانية عشرة، وكان قاعدًا على الأرض، مسندًا ظهره إلى الحائط. فسأله أبو حسن باستغراب: (ماذا تفعل هنا!). أشار الولد بيده نحو الباب، وقال: (هم قبضوا علي). - (لم أفعل شيئًا). - (قبضوا عليك دون أن تفعل شيئًا). - (ذبحت أمي). فصاح أبو حسن مرتاعًا: (الله يلعنك.. ماذا قلت). - (ذبحت أمي. كانت تطهو طعامًا لا تأكله حتى الكلاب وخيل إلى أبي حسن أنه غارق في سبات عميق ويشاهد حلمًا مرعبًا، ولاذ بالصمت. وحدق إلى الولد مذهولاً متناسيا الألم الذي يحرق عظمه ولحمه. وكان الولد ذا وجه أسمر وديع وشعر أسود طويل ناعم. قال الولد: (أريد أن أنام). قال أبو حسن بصوت فظ. (نم. من يمنعك). قال الولد: (تعودت ألاّ أنام إلاّ بعد أن تروي لي أمي حكاية). قال أبو حسن: (اخرس ونم). قال الولد: (احك لي حكاية). فظل أبو حسن ساكتًا يحملق واجمًا، فقال له الولد: (إذا حكيت لي حكاية فسأعطيك سكينًا تذبح مئة شخص). فبدت في عيني أبي حسن نظرة دهشة، فسارع الولد إلى خلع فردة حذائه، وأخرج منها سكينًا ذات نصل طويل رفيع رقيق ملطخ بدم جاف، ولوّح بها قائلاً: (ها هي ذي.. ظننت أني أكذب عليك). مدّ أبو حسن يده نحوه قائلاً بلهجة آمرة: (هاتها). فأعطاه الولد السكين، وما إن أمسك أبو حسن بها حتى التفَّت أصابعه حول مقبضها بحركة ضارية. واستلقى الولد على الأرض، وقال بصوت متوسل: (هيا احك لي حكاية). ساد الصمت هنيهات، ثم قال أبو حسن بصوت رتيب: (كان في سالف العصر والأوان رجل اسمه مصطفى، وكان فقيرًا لا يملك من متاع الدنيا سوى شاربيه. وفي يوم من الأيام أصدر ملك البلاد أمرًا يقضي بأن يحلق كل الرجال في مملكته شواربهم، فأطاع الجميع أمر الملك ما عدا مصطفى الذي أبى التخلي عن شاربيه، فاعتقل، وضرب وأهين وسجن. ثم أخرج من السجن ليمثل بين يدي الملك وينال ما يستحق من جزاء. قال مصطفى للملك: (أنا ملك يديك وتستطيع أن تفعل بي ما تشاء. أنا أرحب بأن يقطع رأسي ولكني لن أرضى بأن أحلق شاربي). ابتسم الملك بمكر، وقال: (سأمنحك ألف دينار إذا حلقت شاربيك). قال مصطفى: (لا). قال الملك: (لا تكن عنيدًا متسرعًا. اسمع. أتريد أكثر حسنًا. سأعطيك ألف ألف دينار). قال مصطفى: كل ما في الدنيا من ذهب لا يساوي شعرة من شاربي رجل). قال الملك: (سأعينك وزيرًا لي). فظل مصطفى مصرًّا على الرفض، فقال الملك: (سأعينك رئيسًا لوزرائي). قال مصطفى: (أفضل أن أكون شحاذًا. شحاذ بشاربين أفضل من رئيس وزراء بلا شاربين). قال الملك: (سأجعلك شريكي.. تحكم مملكتي كما أحكمها). فلم يتراجع مصطفى عن رفضه حلق شاربيه. فأطرق الملك برأسه وفكّر ساعة، وتكلم بعدها، وقال لمصطفى: (أنتَ فعلاً رجل. وقد أثبتّ أنك الرجل الوحيد في مملكتي، فاحتفظ بشاربيك، وسأكافئك خير مكافأة). وزوّج الملك مصطفى من ابنته التي كانت أجمل امرأة في الدنيا. وأحب مصطفى بنت الملك أشد الحب، وعاش معها أشهرًا بسعادة وهناء، حتى جاء يوم أفاق فيه مصطفى من نومه صباحًا، فإذا بنت الملك عابسة الوجه مكتبئة، فسألها مصطفى بلهفة عما بها. فقالت له: (أتسأل وأنت السبب). قال لها مصطفى متعجبًا محتارًا: (أنا! لا عاش من يزعلك. قولي لي متْ فألبي رغبتك دون تردد). قالت بنت الملك: (أنا متضايقة جدّا من شاربيك، ولو تخلّصت منهما، فلا بد أنك ستصير أجمل رجل وسأحبك أكثر). فاستنكر مصطفى كلامها، وحاول إقناعها بخطإ ما قالته، ولكنها لم تقتنع، وقالت له: (لن تبصر وجهي بعد اليوم إلاّ إذا حلقت شاربيك). ونفذت بنت الملك وعيدها، وحبست نفسها في مخدعها، وأقفلت بابها من الداخل. وتعذب مصطفى طويلاً لما حرم رؤية من يحب، ولكنه صبر وتجلد، إلى أن جاء يوم ضعف فيه واستسلم لصوت قلبه، فحلق شاربيه، وهرع إلى مخدع بنت الملك، وقرع بابه وهو يهتف: (افتحي.. فعلت ما ترغبين فيه). وفتحت بنت الملك باب مخدعها. وما إن رأت مصطفى حتى تراجعت إلى الوراء وهي تضحك ضحكًا متواصلاً. فدنا مصطفى منها متلهفًا إليها وحاول معانقتها، ولكنها قفزت مبتعدة عنه وهي تقول بجفاء: (إياك والاقتراب مني!). قال مصطفى: (لماذا). قالت بنت الملك: (إذا أردت معرفة السبب، فاذهب إلى المرآة وانظر فيها، فقد صرت دون شاربين مثيرًا للضحك أكثر من أي مهرج في مملكة أبي، وصرت أيضًا قبيحًا إلى حد أن كلبة عمرها مئة سنة لا تقبل بالنظر إليك نظرة واحدة!). لما سمع مصطفى كلام بنت الملك حزن حزنًا شديدًا، واستلّ خنجره، وطعن به قلبه طعنة قوية وهو ينظر إلى بنت الملك نظرة وداع وحب ولوم. وصاحت بنت الملك مستاءة، بينما كان مصطفى يترنّح موشكًا على السقوط أرضًا: (ابتعد.. ابتعد عن سريري لئلا تقع عليه فتتسخ أغطيته بدمك). وعندما علم الناس بموت مصطفى وما جرى له، حزنوا عليه كثيرًا وبكوا...). بتر أبو حسن كلامه، ونظر إلى الولد، فألفاه متمددًا على الأرض، مغمض العينين، مستسلمًا بوداعة لنوم عميق، فازدادت أصابعه الملتفة حول مقبض السكين شراسة. وزحفت السكين رويدًا رويدًا نحو الولد، ثم توقفت مرتجفة، غاضبة، حائرة بين قلب أبي حسن وعنق الولد. " اتمنى ان تنال اعجابكم. وان نلتقي في نموذج قصصي آخر . حفيظة طعام
عواطف عبداللطيف
1 - 5 - 2008, 08:45 AM
ابنتي الغالية حفوظة
اصفق لك عبر المسافات على هذه الالتفاتة
ستكون مكتبة غنية بتعاون الجميع واثرائهم هذا الصرح
راجية منهم التعاون من اجل انجاح ذلك
دمت متألقة وراقية
وبنتا بارة
وكلل الله اعمالك بالنجاح
مع حبي
تحياتي وحبي :SnipeR (65):
عواطف عبداللطيف
4 - 5 - 2008, 06:40 AM
أنتحار حائط
شاء القدر أن يكون لذلك الحائط مكانا مرموقا في وسط المدينة لتتلو عليه قصائد الزمن الماضي وكان صوب أعين المتلهفين لما يــُكتب عليه من أشياء مفرحة كزيادة مفردات البطاقة التموينية وزيادة رواتب المتقاعدين .
لكن خطاب الحائط سرعان ما تحوّل إلى سجالات ما بين الكلا ... كلا ... نعم ... نعم... يعيش فلان ... يسقط علان ... سنعدم ... سنفجر ... سنقطع .... أخذ الحائط بالأهتزاز .
حتى جاءت طلقة الرحمة عليه ( سنعدمكم الخميس القادم ) .
ضياء الساعدي / منتدى الشطرة الأبداعي
حفيظة طعام
14 - 5 - 2008, 05:08 PM
دولاب المغسلة الأصفر
كان يعمل في النِجارة .. الفرق نقطة واحدة , نقطة واحدة فقط تنقص حرفته التي لم تُطعمه الشهد كما كان يأمل .. نقطة واحدة كانت بين النجارة والتجارة نقطة واحدة كما بين .. فوق , وتحت .لم يعد أحدا يريد ( المحلي ) .. الكل بات يلهث وراء الإيطالي والإنجليزي والأمريكي , حتى الصيني ! ثلاث سنوات كانت قد مرّت على زواجه, وطفلة جميلة ظهرت للوجود ..يده لم تكن ( بطّالة ) .. بل العكس حرفيّاً ماهراً كان , لكنه الحظ الذي جافاه فأورده الفقر , وكثيرا من الديون ..هل جربت الدَيْن عندما يثقل كاهلك , يحني ظهرك , يؤلم تفكيرك , ويجعل قلبك في رعب وترقب من دقة باب أو رنة هاتف , خاصة آخر الشهر ..كم من القصور و( الفِلل ) الفاخرة دخلها , لا لتأثيثها للأسف , فالأثاث موجود , ومدموغ بالصناعة المستوردة , لكن , لكي يصنع تكعيبة عنب , أو مظلة صغيرة من الخشب , أو براويز لأجهزة التكييف القديمة ذات الفتحات , أو حتى فقط , لدهن درابزين القصر بالورنيش ..بالأمس دُعي الى أحد القصور لعمل براويز خشبية حول جهاز التكييف, قال له المتحدث : تسعة مكيفات . بعملية ذهنية بسيطة ظهر له الناتج 36 قطعة خشبية , ربما لا يزيد طولها عن 50 ,60 سم , وعرضها عن 10سم . حسب الثمن والجهد في ذهنه : مائتا ريال , وإن كان الحال ميسورا جعلناها ثلاثمائة. انطلق الى العنوان المكتوب , كان الوقت صباحاً .. جف الريق لمّا وجده قصر .. ظن أنه سيصعد الى فوق , لكن الخادم الحبشي ذا الثوب الناصع البياض عرج به الى ملحق الخدم الخلفي .. عدّ الغرف , تسع مع المطبخ .. أحضر البراويز المدهونة مسبقاً باللون البني والعدّة .. وبدأ العمل بإحباط لا يدري كنهه . " هو عَمَل , وأنت مَنْ يُجيده , فقط أنت مَنْ يُجيده " . بهذا أقنع نفسه , لكن الإحباط لازمه . في الحجرة الثانية , وقبل أن يبدأ العمل فيها , كان قد قدِّم له كوباً من الشاي , وثلاث قطع مربعة من الخبز الأبيض ذي الطابقين المحشو بالجبن الفاخر . تأمل الكوب المزخرف , والمناديل الورقية المزركشة التي غطّت قطع الخبز ..انتهى من شرب الشاي الأحمر الفاخر قـالباً الكوب , قارئاً ما تحته بفضول : " صنع في فرنسا " . في بيته , وعند أوسع أصدقائه رزقا , يشرب الشاي الأحمر الثقيل في فنجان "بادريق" الشفاف العتيد ..طرد الشبع شعور الاحباط السابق , شعر بخفّة .. ابتسم للشاب الأسمر الذي يناوله الأخشاب تطوعاً منه :
-تعمل هنا ؟
صعّد الحبشي بأنفه الى السماء في شموخ وتقزز لا يراه إلا في التلفاز من بعض كبار الشخصيات :
-ولدتُ هنا .
سكت النجّار لمّا رأى بريق الساعة الثمينة في يد الشاب , وأكمام ثوبه المزرّرة بفصّان أعتقد أنهما من الأحجار الكريمة الثمينة ." اللهم لا حَسَد " .. نفخ بها بحسد , وعاد إليه الاحباط .انتهى من العمل في غضون ساعات ثلاث بدت له دهور ثلاث .. شرب خلالهما وأكل , وعند حجرة المطبخ التي امتلأت بالقدور ورائحة اللحم المشوي والمطبوخ , تجرأ طالباً لنفسه كوب قهوة سوداء معتدل كما في الحلقة الثامنة من المسلسل المصري الذي يتابعه .. طلب النجار كوب قهوة سوداء وظل يتحدث مع صاحبة البيت الشابة الثريّة التي اكتشفت ثقافته والأهم أخلاقه ثم تزوجته راضية سعيدة .." المهم الأخلاق " بهذه الجملة الخالدة زأرتْ في وجه عمّها الذي عارض النسَبْ الوضيع ..
- كم الحساب ؟
سأل الشاب ببرود . أفاق من أحلام يقظته على الصوت الأجش ..
-تسعمائة ريال . كاد أن يتراجع , لكن الفتى أخرجها بسهولة من جيبه , ورقتان زرقاء من فئة الخمسمائة ريال ..
-الباقي لأجلك .
غمز بها الشاب الأسمر .. كاد أن يغمى عليه فرحا .. أوصله الفتى بنفسه حتى الباب مودعاً وواعداً بعمل آخر في القريب العاجل .. كان يتكلم بثقة من بيده مقاليد الأمور في هذا القصر .. ولوهلة .. شعر نجارنا بأهميته , تبخر الإحباط واختفى الحسد , ثم انطفأ كل شيء فجأة لمّا رأى بريق الساعة الثمينة .. سار ذاهلا الى سيارته المدعوكة بأكثر من لون ويده في جيبه تتحسسان ببطء الورقتان الثمينتان .. هل هي طِيبة منهم , أم سذج ؟ قبل أن يقفل عائدا الى البيت , اشترى لابنته ذات العامان لُعبة تطلق بعض أصوات الحيوانات , وابتاع لزوجته مقاضي البيت المنسيّة , إضافة الى ساعة مُقلدة لماركة شهيرة أخذها من البنغالي الذي يدور في السوق عارضاً بضاعته بخمس وستون ريالا فقط . بالطبع , لن يُخبرها بسعرها الأصلي , وأبداً لن يُصدقها القول فيما لو ألحت , من سيفكه من شرّ لسانها ؟ مؤكد ستبهرها الماركة المنقوشة على الميناء الداكن , وحتماً ستتباهى بها عصر الغد أمام جاراتها الثرثارات .عاد الى القصر .. لا يدري لماذا , بالطبع لم يدخله و لكنه دار حوله عدة دورات , ثم عرج على القصور والفلل المتجاورة في تنظيم بديع يتأملها بحسرة وسكون في نفسه قامت آمال كثيرة سرعان ما أسكتتها كركرة محرك سيارته العجوز .غير بعيد عن إحدى الفلل , كان بجانب صندوق القمامة الكبير , دولاب خشبي فاقع الاصفرار لحوض مغسلة , يلاصقه لوح الرخام الثقيل الأبيض الخاص به .. توقف عنده . تلصص بنظراته .. لا أحد هنا ..انسل من السيارة متفحصاً الهيكل الأصفر ولوح الرخام بنظرة نجّار وخبرته ..خشب جيد , صناعة أجنبية جيدة .. حتى لو كانت غير جيدة , يكفي أنها أجنبية .ما كان ينقصه سوى حوض المغسلة الخزفي وصنابيره التي لابد أن تكون مصنوعة من ( استيل أو كروم ) مُطعّم بالذهب , هكذا تخيلها .تفحص المكان جيداً , لا شيء هنا غير الدولاب ولوح الرخام المصقول ..لا بأس , لا باس . حملهم دون تفكير الى حقيبة السيارة الصغيرة , حشرها فيها حشرا , وسار تارك بابها مفتوح لتعلن بوضوح عن أحشائها .. أنا أولى به من عامل القمامة البنغالي الذي لن يُقدّره بحال .. وأثناء الطريق فكر في أن تكون هذه هي مفاجأته الثانية لزوجته ..دخل هاشاً من الباب , طالعته المغسلة بحوضها العتيق المائل الى الاصفرار , وصنبورها الصدئ .. ابتسم لها غامزاً : افرحي . سألبسك الخزّ والحرير , أقسم بالله سأفعل .. ما رأيك بالأصفر الفاقع , أم البني الداكن ليتناسب مع بقية الأثاث ؟ كان بداخله فرحة كبيرة لهذا الحدث الذي سيهز بيته الميت لأشهر طويلة .. ومن فوره بدأ العمل أمام سعادة الزوجة التي ظنت أنها طلّقت أيام الفقر .." لعلّ مغسلة أولئك الناس الـ… كانت أصغر " ..طالعها ثانية بعين الخيال , مغسلة خزفية جميلة دقيقة الحجم , مُطعّمة بالذهب والفضة , يحيط بها هذا الديكور الأصفر البديع ..كان حماسه للعمل فوق المعتاد .. خاصة أنّ الذي بين يديه غير محلي .. عند التركيب بدا الهيكل فضفاضاً على مغسلته .. لابد أن مساحة جدارهم كانت أكبر ." لا بأس , أنا لها " ..كان يحدث نفسه , مدققاً في المقاسات التي أمامه ..وطوال باقي النهار أخذ يعمل بجد واجتهاد مخرجاً أدواته التي كاد الصدأ أن يغزوها .. بينما زوجته كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في الحديث على الهاتف مع الجارات عن المغسلة الخرافية المستوردة من … , سمعها مرة تقول : فرنسا , وأخرى ألمانيا , وثالثة هولندة ! لابد أن الأخيرة التقطتها من علبة جبنة أو حليب ..أفاق من شروده على صوت زوجته تناوله فنجان الشاي , مطرية جهده الشاق بعذب الكلام .. يا للنسـاء ! بالأمس كنت العاطل الذي غُشّت بالقبول به .. وهي المخدوعة المأسوف على شبابها وجمالها , والآن … تنهد بها بأريحيه :
نسـاء !! ابتسم لمرأى الفنجان الشفّاف .. رفعه أمامه متسائلاً :" بادريق " ؟
لم تفهم الزوجة .. ابتسم لها وعاد الى عمله ..
انتهى في المساء من تركيب الهيكل الأصفر على حوض المغسلة , ناشراً كثير من أجزائه حتى بدا جداً جميل .. أطبق لوح الرخام عليه .. لازال يحتاج لبعض القص هنا وهناك, انتهى العمل في الحوض , وبقيت أخشاب زائدة عن الحاجة .. تناول منشاره صانعاً أربعة إطارات أحاط بها مرآة الحوض فبدت مشعة باللون الأصفر الفاق انتزع الصنبور الصدئ بعد أن أغلق محبس الماء , وفي نفس اليوم وقد كادت المحلات أن تُقفل كان قد ابتاع صنبورا جديداً مقاوماً للصدأ ..
بدا الحوض الجديد نشازاً في بيت النجار, مما حدا بالزوجة التي كانت ماهرة في الخياطة وأعمال تطريز الإبرة الى عمل عدة قطع ملونة بأحجام مختلفة من القماش المشجر يداخلها جميعاً اللون الأصفر , نشرتها على الكراسي العتيقة التي أعاد إليها زوجها الحياة بوجه من الدهان وآخر من الورنيش , وعلّقت البعض منها على الجدار , ناثرة عدة قطع منها على كنبات الصوفا الثلاث القابعة في مجلس الرجال , واثنتان بطول المتر الواحد فرشتها على الأرض ..ارتفع صِيت الرجل بعد أن رأت الجارات الحوض الجميل واللون الأصفر المبهر , لكن الحظ والمادة لم يجريا في يده .. مَنْ الذي قال : الصيت ولا الغنى , مَنْ هو ؟! وامتدحت الجارات بيت النجار الذي تغيّر أغلب أثاثه !!
بعد ستة أشهر من السعادة التي خيمت على البيت , تصادف النجار مع زميل له قديم , عرفه صاحبنا على الفور كان في المكتبة لإحضار دفتر تلوين وعدة أقلام ملونة لابنته الصغيرة , عندما اصطدم به .."حازم" ؟
فلتت منه سريعاً , إذ كان ذا ذاكرة جيدة , لكن الشاب الغني لم يعرفه , عموماً نادراً ما يتذكر الأغنياء , هذا ما عرفه من خبرته الطويلة بالحياة , وإن بدا من نظرات الشاب أن هذا هو اسمه . كان نظيفاً وأنيقاً وذا يد في نعومة الحرير بالكاد أطلقها صاحبنا من يده ..لعل الحاجة لم تلح عليه يوما ما ..أخيراً تذكره الغني :" عِمْران " .
نعم , الشقاوة , الهروب من المدرسة , الحصة السادسة ومدرس اللغة الإنجليزية
, الـ.. والـ.. والـ.. .. انطلقا في ضحك صاخب وذكريات كثيرة ..أسكن هنا خلف المكتبة بشارعين . وأمام هذا التصريح الذي فلت رغماً عنه, لم يكن أمامه بد من اصطحابه الى البيت .." لنركب السيارة " .
صدمته الفخامة , والماركة الشهيرة واللون الأسود ..غاص قلبه ,ندم على الدعوة ,لكنه , أكمل …استأذن صديقه الذي مرّ به راضياً على محلين .. ابتاع منهما أربعة أرغفة " مطبّق " بالموز والجبنة , ودجاجتان محمرتان يلف كل واحدة منهما رغيف الشامي المحاط بالليمون والفلفل الأخضر وعروق الجرجير .. لم تفته نظرات الباعة الذين أسبلوا عليه مظاهر الاحترام إكراماً للعربة السوداء .." رائحة شهية " .
ابتهج للإطراء , مُثنياً على كرمه . ستفاجأ الزوجة بالضيف , ربما تغضب , لكن وفرة الطعام الذي أحضره معه ستخرسها لمّا دخلا سجلت ذاكرته نظرة دهشة وإعجاب من عين الفتى للحوض الأنيق ..امتد العشاء لأكثر من ساعة , تلاه شرب الشاي ..
وأمام حوض الغسيل وقف الشاب متأملاً , ونبتت في قلب النجار آمال :
-أعجبك ؟
-جميل .
كأنه قالها ببرود .. لعله الحَسَد .. حتى الأغنياء يملكون مثلنا هذه الخصلة , فكلنا أولاد تسعة ..
-كما ترى خشب مستورد و…
تأفف الشاب الغني , وأكمل النجار بتواضع :
-خشب إيطالي فاخر , وصناعة إيطالية جيدة .
-كان في بيتي حوضاً مثله .. تقريباً نفس اللون ..
غاص قلب النجار متذكراً الفيللا الأنيقة ذات ظهر , وغاض لون وجهه وتابع الشاب بلا مبالاة :
-لكن المدام تخلصت منه . أصبح وجه النجار في لون المساء والشاب يتابع :
-قالت به خدش .. أسفل الدولاب .. أقصى اليمين .وأشار بإصبعه الى الجهة الخالية من أية خدوش ..توقف قلب النجار .. تتبعت عيناه إصبع الشاب في الجهة المشار إليها .. لم يرى أية خدوش .. تنفس الصعداء , معيداً الى وجهه بعض اللون .. الكرامَة غالية يا رجال ..أكمل الشاب الذي بدا أن سِعْر الدولاب قد أحرقه :
-تتخلص من دولاب ثمنه بضعة آلاف من الريالات من أجل خدش !! يا للنسـاء !
***
ودعه بسكون الى حيث الباب , وقليل من الشارع , لاعِنَاً في سِرَّه الصدفة التي ألقته في طريقه .. تطايرتْ المجاملات من فاه الغني على أمل تجديد اللقاء .. لم يلحظ أبدا الفتور والخزي الذي اعترى مضيفه .. وفـي الصمت عَلا صوته مودعاً ولائماً :
-أخجل والله أن أقول أين تخلصت منه المدام !
***
عاد الى حوض الغسيل يتأمله بغلّ وشعور آخر لا يدري كنهه , إذن كان لعِمران , لعن الصدفة التي عكرت مزاجه وأوجعت كرامته .. والجهة اليمين بالذات التي أشار الرجل إليها , فحصها بإمعان ثم اليسار لم يجد أية خدوش .. الحمد لله على الستر ..
سار الى زوجته ليُسكت فضولها , لكنه تذكر الأجزاء الزائدة التي أحاط بها المرآة .. مشى واجف القلب إليها .. تتبع الأضلع الصفراء الأربعة بنظرات زائغة .. فوق , تحت , شمال , يمين , وأفكار كثيرة مُكلّفة تدور في رأسه حول الحوض الجديد : ( نُدمِّره , أو نصبغه , نُدمره , نُدمره ) . بالصدفة , وجد في الجهة اليمين خدش جداً بسيط , لعله شكّة إبرة , أو حَكّة ظفر .
------------------------------------------
بطاقة تعريف الكاتبة:
فاطمه بنت السراة السعودية
المؤهلات
بكالوريوس / جامعة الملك عبدالعزيز بجده
دبلوم تربوي عام/ قسم الدراسات العليا / جامعة الملك عبدالعزيز
المشاركات الكتابية الورقية
عدة مشاركات وردود في جريدة المدينة,
إضافة الى الكتابة الأسبوعية في جريدة البلاد السعودية .
المشاركات الالكترونية
مقالات في ( شبكة الدرر الدعوية ) + مقالات في (جريدة شباب مصر الالكترونية ). لأنني عضوة فيها .
الإصدارات الأدبية:
خطوات نحو الشمس – رواية – 1415هـ
لا يدق – مجموعة قصصية – 1415هـ
الرجاء التزام الوقار – حكاية طويلة – 1419هـ
صالح النجدي وزهراء الجنوبية – رواية – 1419هـ
بعد المطر دائما هناك رائحة – رواية – 1423هـ
حفيظة طعام
14 - 5 - 2008, 11:18 PM
- الجــدار
قال صاحبي:
- يجب أن نهدم الجدار.
نظرتُ إليه بعينين زائغتين وتمددت قريبا منه.
لم يسكت.. أعاد ثانية :
- يجب أن نهدم الجدار
ضغطتُ على بطني الجائع وانكمشت .
تضعضع الجدار كسِِنِّ عجوز.. تهاوت بعض حجارته علينا.. سحبني صاحبي بعيدا خوفا علي.. عاد الجدار إلى مكانه.
تحاملت وقمت مبتعدا.. أمسكني صاحبي يعيدني قائلا:
- يجب أن نهدم الجدار
وما يعنيني أنا من أمر الجدار.. فليسقطْ.. فليتهاوَ.. فليتشظَّ.. ماذا يعنيني أنا.. منذ سنوات نبهنا الناس - أنا وصاحبي - إلى أن الجدار سيتهاوى.. وقلنا لهم أنَّ تحت الجدارِ كنزُ الآباء والأجداد، وإذا تهاوى الجدار سيفتضح أمرُه وسيكون عُرضة لنهب اللصوص والقراصنة.
لم يبالِ الناس في أول الأمر وحين أصررنا وألححنا كلفونا بالمهمة.. قالوا:
أنتما أقدر.. ألا تدعيان علم البناء؟
لم ننكر ذلك وقررنا أن نهدم الجدار ثم نعيد بناءه من جديد لكننا طلبنا مؤونة تكفينا طول أيام العمل.. وماذا طلبنا؟ كسرة وماء.. لا يقدر المرء على العمل دون كسرة وماء.. فانقسم الناس إلى طوائف ثلاث.
طائفة وافقتنا على أمرنا
طائفة طالبتنا بالعمل دون شروط
طائفة غلبوا على أمرهم صاحوا في مسمع المدينة
- وما دخل هذين الدجالين؟
ثم تطورت نظريتها إلى أن هدم الجدار وإعادة بنائه تدخل في قضاء الله وقدره وأشاعت في الناس أننا بفعلتنا هذه سنجلب السخط للمدينة .
ثم تطورت نظريتها إلى وجوب حمل السلاح ضد كل من يخالفها الرأي .
قررنا أن نجمع الناس في ساحة المدينة ليسمعوا منا ونسمع منهم.. وحين تعالى لغطنا سمعنا دوي تهاوي الجدار..
هرع معشر منا.. لم نجد إلا حفرة الكنز وقد أخذه القراصنة.
*******************************
عزالدين جلاوجي:
من مواليد فجر الاستقلال بعين ولمان جنوب سطيف درس القانون والأدب واشتغل أستاذا للأدب العربي، بدأ نشاطه الأدبي في سن مبكرة ونشر أعماله الأولى في بداية الثمانينيات، ساهم في الحركة الثقافية والإبداعية وطنيا وعربيا، صدرت له في النقد: النص المسرحي في الأدب الجزائري، شطحات في عرس عازف الناي، الأمثال الشعبية الجزائرية، وفي الرواية: سرادق الحلم والفجيعة، الفراشات والغيلان، راس المحنه1+1=0، الرماد الذي غسل الماء، وفي القصة: لمن تهتف الحناجر؟
محمد السقار
14 - 5 - 2008, 11:41 PM
عملية شمس –
قصة : عبدالحق فيكري أفينينا
هرولت مسرعا ومن فراش نومي الى مفوضية الشرطة , رغم أن الساعة تجاوزت منتصف الليل , لكن الطارئ الذي حدث في منامي أرغمني على الهرولة الى هناك!
وجدتني أمام شرطي نائم ملقي بجسده ذو البناء العشوائي على الأرض مباشرة أمام المفوضية ويغط في نوم ثقيل , دلفت ومباشرة أمرت قدمي بالتوجه الى درج البناية لأجدني واياها في غرفة مضاءة من مجموعة مغلقة , ودون أن أشتم رائحة كائن بشري هناك. ولأجلس على كرسي هو كل ما هنالك!
وشرعت أصرخ وبصوت رخيم ورومانسي: لقد سرقوا الشمس! أعجبني هذا الموال وأعدت : لقد سرقوا الشمس!
أحسست بثقل على كتفي , وبيدين بحجم جبل تجثمان علي , وبرعشة تغمر كل جسدي وصوت جهوري يستفسر أي شمس؟
_ قلت: الشمس التي خلق الله!
لكن اليدين توزعتا , واحدة ربتت على كتفي وأخرى التفت حول رقبتي , و بالصوت يهدأ من روعي وبلطف لا تخف ستعود الشمس؟!!!!
بعدها ما عدت أذكر الا أن تيار الكهرباء في جسدي انقطع , ولاستيقظ صباحا مهشما كلوحة زجاج سقطت من اعلى, بالكاد بقيت بضع أضراس في فمي, ووجدتني ممددا وسابحا في بركة من دمي , وخشيت أن أكون تعرضت لإتلاف سلطوي , لكن حذاء أسود لمحته عينياي وصوتا يدغدغ - هنيئا لك - تمتصه أذناي بل وتحدث عن فشل محاولة قلب النظام باعترافي الخطير عن أسرار " عملية شمس" ورمى أمامي كتبا من حجم أربعمائة صفحة لتوقيعه.
كانت عينياي تختزنان بعض الطاقة وبما أنهما مدمنتا قراءة , وجدت حكيا بديعا وسردا عجيبا وأبطالا تم كنسهم من لا وعيي وصاروا خارقين , واذا بي أجنح بعيني لتحوي كل المكان لأرى الشخص بوضوح وعشرات المؤلفات , أيقنت أنها بدون مؤلفين , ووجدتها فرصة لا تعوض لنسب اكبر عدد لي وتوقيعه , وآنذاك فهمت أن الشرطة تتجشم عناء التأليف _وشكرتهم في خاطري_ ولهذا هم يجدون للبحث عن مؤلفين , بل ووجدت سبب عزوف الناس عن القراءة , أنه راجع لقلة المؤلفين, وحدثت نفسي : إنها فرصة لإيصال الأدب الى الشعب كي لا نصاب بداء قلة القراءة.
بعدها وجدتني أوضع في كيس بلاستيكي , ويرفعني جبابرة وخمنت أنه تكريم لشخصي العظيم , سمعت صوت أمي يستعطف من لا يسمع نداء العطف , أخبرتهم أني مصاب بانفصام الشخصية , ولكني والحالة تلك كنت سعيدا لأني اكتفشت ما لم يكتشفه نيوتن أن جاذبية الاحلام في العالم العربي تسقط في مخافر الشرطة وأن قانون الحلم موضوع بأمانة في تلك المخافر وما على الحالمين الا الاتصال بأقرب مخفر للشرطة؟!!!!
محمد السقار
14 - 5 - 2008, 11:45 PM
آلهـــة – قصة : يسري الغول
- توقف يا إبراهيم، توقف وإلا أطلقنا النار عليك.
هربت كمجنون يسابق الريح، هربت وأنا لا أرى شيئاً سوى الفراغ، صحراء من الخوف تحاصرني. أعدو رافعاً بنطالي إلى أعلى كي لا يتسخ، لكنه رغم ذلك يغرق في أوحال القمامة.
عند مفترق للطرق تواجهني زحمة غريبة. جميع ركاب الحافلات يحدقون في وجهي، أصحاب السيارات يشيرون ببنانهم تجاهي أيضاً. وأنا لا أعرف شيئاً سوى الفرار. شيء واحد يهزني من الداخل، "ماذا حدث؟!"، وفجأة أصطدم بسيارة تمر من أمامي مسرعة فأسقط أرضاً، أهذي، أترنح بين الإغفاءة والحلم، كأنه أغشي علي، أو كأنني مت، كنت أسمع خلال ذلك بعض الهمهمات، واللغط واللعنات.
عندما استيقظت وجدت نفسي مكبلاً بالقيود داخل أحد الكهوف، وعلي عينيّ عصبة سوداء، حينها خشيت أن أكون قد عميت، أو أن عينيّ غاصتا في بحيرة من عتمة. خلال تلك الأوهام بصق أحد الأشباح في وجهي وهو يلج المكان، فصرخت في وجهه:
- اللعنة عليكم.
- ............
- لماذا أنا هنا؟ ومن أنتم بحق السماء؟
دقائق صمت قليلة تستنزف قوانا، ليصرخ بعدها في وجهي:
- اخرس.
فأنخرِس، تصطك أسناني رعباً. أرجوه أن يفك أزرار قميصي، فياقته كادت أن تخنقني، لكنه يقول بغضب:
- اصمت أيها الجبان.
أصمت، فلا حول لي ولا قوة أمام جبروت تلك الأشباح هاهنا، كنت أدرك ذلك منذ الوهلة التي جرى فيها ضابطا الشرطة خلفي، طلبا مني النزول من العربة ثم طلبا مني بطاقتي الشخصية. المعضلة التي واجهتني حينذاك أنني كنت قد نسيتها في المنزل لانشغالي بالتحضير لذلك المؤتمر المهيب الذي ستحضره كل مؤسسات حقوق الإنسان في بلدتنا... كدت أتفوه بالاعتذار عن ذلك إلا إنني فوجئت بأن أحدهما يعلِّق بأنني يجب أن أموت، والآخر يتمتم له بأنه يتوجب علي زيارتهم قليلاً. ولست أدري كيف جرى ما جرى؟! فقد أطلقت لساقيّ العنان، وكمجنون انطلقت أعدو بكل جوارحي، أسابق الريح والنيران، وهما مشدوهان من فعلتي تلك. يرفع أحدهما بندقيته تجاهي ويصرخ:
- توقف يا إبراهيم، توقف وإلا أطلقنا النار عليك.
يرفع بندقيته تجاهي ويطلق رصاصته الخائنة، فتصيبني في ساقي اليمنى وأنا لا أتوقف. كانت قدمي قد بدأت بالنزيف، والدماء تناثرت على أرض قاحلة، جرداء. لم آبه لذلك، ظللت أواصل السير وبعض المارة يلقون الحجارة تحت أقدام ضابطي الشرطة، وعند آخر ممر في مدينتنا تواجهني صبية عشرينية جميلة، تبتسم في وجهي، تسألني:
- أأنت إبراهيم؟
أقول لها وأنا ألهث ككلب لم يدرك موطنه بعد، "نعم" فما يكون منها إلا أن تحتضنني بين ذراعيها بقسوة، ثم تلج بي رواق غريب لم أر مثله قط، منمق بزخارف منذ عصور الثلج، تجلسني على مقعد وثير، تحضر لي بعض الماء كي أشرب، ثم تقول بصوت ناعم، رخيم:
- أنت ملك هذه البلاد وملاذها.
ابتسم، كيف لها أن تجرؤ أن تتفوه بمثل تلك الكلمات. وقت قصير يمضي تسكب فيه فتاتي المطهرات على ساقي، محاولة قدر استطاعتها أن تخرج الرصاصة دون أن تفلح في ذلك، لتعطيني بعض المسكنات، ثم تقول بصوت مجروح:
- فليرعاك الرب وتحفظك لنا السماء.
أغفو، لا أشعر بشيء سوى أنني أهذي طوال الوقت، لا أدري كم من الوقت مر عليّ وأنا على تلك الحال، لكنني استيقظ وأنا أشعر بالحيوية، كأنني لم أصب بأي أذى، ربما بعض الآلام من نغصت عليّ بداية النوم.
أنظر إلى الساعة المعلقة بجوار إحدى اللوحات السريالية الجميلة لفنان من بلدتنا، أحدق في الساعة التي تشير إلى العاشرة صباحاً، فتصيبني دهشة تروعني، إما أن تكون الساعة ببطاريات فارغة أو أنني نمت كل ذلك الوقت دون أن أشعر بالزمن. تذكرت أنني لا زلت أحمل في جيب بنطالي المملح بالتراب هاتفي المحمول. أخرجته، وكانت المفاجأة الكبرى. لقد كان الهاتف مقفلاً، وبطاريته فارغة. تساءلت بيني وبيني، "لقد عملت على شحنه بالطاقة هذا الصباح أو ذاك الصباح"، يراودني سؤال غريب آخر، "هل هذوت لأيام وأنا على تلك الحال؟!"
أقرر أخيراً ألا ألقي بالاً للزمن، وأن أخرج إلى ذلك الاجتماع، وليتني ما خرجت، كان نفس الضابطين في مواجهتي، وما أن رأوني حتى أطلقوا لساقيهم العنان وأمسكوا بي، فقد كنت منهكاً، خائر القوى. فوعورة الطريق بين الرواق والمدينة أهلكت كل مسامات الجسد، لربما كانت العربة التي صدمتني هي السبب الرئيس، لكنها ليست السبب الأوحد لاصطيادهم لي.
***
داخل أحد الكهوف، كنت معصوب العينين، مكبلاً بالقيود، إلى أن جاء أحدهم، حاولت أن أكون ساذجاً، فصرخت في وجهه:
- اللعنة عليكم.
- ................
لم يتكلم، فبادرت:
- لماذا أنا هنا؟ ومن أنتم بحق السماء؟
دقائق صمت قليلة تستنزف قوانا، ليصرخ بعدها في وجهي:
- اخرس
أنخرس، تصطك أسناني رعباً، أرجوه أن يفك أزرار قميصي، فياقته كادت أن تخنقني، لكنه يقول بغضب:
- اصمت أيها الجبان.
ولم يكتف بذلك فقط، بل قام بركلي في ساقي التي تخضبت بالدماء.
***
مضت ساعة وأنا على تلك الحال، والغريب صامت كالحجارة، لا ينبس ببنت شفة. وفجأة يصدح صوته رقيقاً:
- سأنزع العصابة عن عينيك، لكن بشرط.
- ..................
- أن لا تخبرهم إن جاءوا إلى هنا، أتفهم؟
فأقول وأنا أبتسم:
- لك ذلك.
***
في الصباح تحضر مجموعة كبيرة من ذوي الكروش المنتفخة، ينزعوا عن عينيّ العصبة التي تركتني لساعتين فقط. لم أرهم بداية الأمر فقد أخذت العصبة بصيص النور من عينيّ.
كانوا جميعاً يلبسون زياً واحداً، يضعون صقورا ونسوراً على أكتافهم. وجوههم مترهلة، قال أكثرهم انتفاخاً وهو يضحك:
- أخيراً نلتقي يا إبراهيم.
- ................
- لِم فعلت كل هذا بآلهتنا؟
- ................
- لِم تريد أن تحطم ما كان يعبد آباؤنا، أيها الحقير؟
أنظر مشدوهاً بعد تلك الكلمات، وأهتف:
- أقسم بأنني لم أفعل.
ثم متابعاً أصرخ:
- أقسم أنني لم أفكر بذلك لحظة.
- بلى أيها الصابئ، أنت من فعل بآلهتنا كل الأفاعيل.
ارتعش من هول الكلمات التي تخرج بصعوبة من فم الرجل ذي الأنف المدبب. أقول:
- أقسم لكم أنه لست أنا، إنه .. إنه مجرد تشابه أسماء.
- لا أيها الجبان. لقد سمعناك تذكرهم بليل.
- لا .. لا، لست أنا. أجيبوني، من أخبركم بذلك؟
- الآلهة أيها الأحمق.
- أي آلهة تقول كذباً؟!
تنفري عن شفتيهم ابتسامة خبيثة، فيقول كبيرهم:
- ها أنت تشتم آلهتنا مرة أخرى.
- لا، أنا لا أشتم أحداً.
- هذا دليل كافٍ بأنك إبراهيم.
- أقسم لكم أنني لست إبراهيم الذي تريدون، ربما هو إبراهيم آخر.
- اصمت أيها الجبان، ستلقى ما لم يلقه غيرك منذ استعمرنا البلاد.
أبول على نفسي، أسألهم وأنا أهذي:
- ماذا ستفعلون بي؟!
- سنحرقك كجدك إبراهيم، سنحرقك بملابسك الفاخرة.
- لا، لا، أقسم بأنكم تمزحون.
- لا يا سيدي، نحن لا نفعل
- ........................
ضحكاتهم تملأ المكان، تنحر ما بداخلي من كلمات، أصرخ بكل قوتي:
- أرجوكم فلدي خمسة أطفال.
- هههههههههههههههههههههه
- أرجوكم.....
- أحضروا القش والأوراق والأشجار....
- لا، أرجوكم.....
- أحضروا لنا مكتبته الوثيرة أيضاً، كي لا يخرج لنا إبراهيم عاقر مثله.
- آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآهـ
- كي لا يخرج لنا إبراهيم جديد يصرفنا عن دين آبائنا.
لهيب النار يرتفع شيئاً فشيئاً وصاحب الأنف المدبب يضحك بصخب، يقول والكلمات تخرج من بين شفتيه الغليظتين:
- لن تكون النار برداً وسلاماً هذه المرة يا عزيزي.
يضحكون جميعاً وأنا أبكي، يهزؤون بي:
- لن تكون أيها الأحمق.
- أرجوكم، آآآآآآآآآآآآآآآآهـ
الدخان يملأ المكان، وهم يخرجون واحداً تلو الآخر. النار تعمر كل جهة من الكهف، كأنها معبأة بالوقود، جسدي يبدأ في العرق، الغرق في دوامة العرق العظيم، أغمض عينيّ، أغمضهما وضجيج الكهف يهتف في وجه النار:" قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم".
***
في خبر بثته قناة المنيرة الفضائية عبر شبكتها الإعلامية، جاء فيه:
"بعد وقت غير قصير من الحريق الهائل الذي شب في أحد متاحف المدينة، والذي كان من المقرر إقامة أحد أهم المؤتمرات الفكرية فيه، وُجدت جثة الكاتب والصحفي إبراهيم مسعود متعفنة في المكان، دون معرفة الأسباب الحقيقية للحريق أو حتى أسباب انتحار الأستاذ إبراهيم مسعود حسب رواية التلفزيون الحكومي للبلدة."
حفيظة طعام
15 - 5 - 2008, 02:29 AM
لبنى محمود ياسين :
مراسلة مجلة الحياة في دمشق.
تخرجت من جامعة دمشق كلية العلوم 1993م.
درست الرسم والنحت في معهد ادهم إسماعيل للفنون التشكيلية في دمشق.
كما حصلت على دبلوم عال للتأهيل التربوي من جامعة دمشق عام 2001م.
نشرت العديد من القصص والمقالات والدراسات العلمية
والمقابلات في العديد من المجلات والصحف في دمشق والسعودية.
طبعت مجموعتها الأولى ضد التيار أول العام الحالي 2004
والذي لاقى صدى جيدا فحصلت إثره على العضوية الفخرية في جمعية الكاتبات المصريات
وهي البادرة الأولى للجمعية في إعطاء عضوية لكاتبة غير مصرية , مرفقاً برأي الكاتبة المعروفة فتحية العسال رئيسة جمعية الكاتبات المصريات:
القـاصـة السورية الشابة لبنى محمود ياسين في مجموعتها القصصية الأولى ( ضـد التيّـار ) تؤكـد أنها كاتـبة وأديبة صاحبة قــلم لـه أسلوب بارع , وأهم ما يميّـز هـذه الكاتبة هو انحيـازها إلى طبقـة البسطاء ..
لذلك هي تأخذ من رحيـق الإنسان البسيط الطيـب وتغـزل فنـّـاً ..
للبنـى مني كل التحيــة والحــب , وأملـي كبيـر جـداً جـداً وكـذلك ثـقــتـــي بمستقبلها كـكاتبــة
القاهـرة 4 / 4 / 2004 الكاتبة فتحية العســال
رئيسة جمعية الكاتبات المصريـــــات
كما أشاد بمجموعتها الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة حيث كتب:
القاصة الشابة لبنى محمود ياسين أدهشتني في أول مجموعة قصصية لها , تلك التي صدرت بعنوان " ضد التيـار " , والدهشة هي الانطباع الوحيد الذي يؤكد الجـدارة , فالأدب الجيـد هو الذي يدهش ويثير ذلك المزيج الساحر من التجاوب بالعقل مع ما يلمس أوتار القلب , وهذا ما لمسته في قصص لبنى ياسين.
لبنـــى ياسـين .. توقفـوا أمام هذا الاسـم راصـدين متابعـين , لأنه
لكاتبة واعـدة ومبشّـرة سنقرأ لها كثيرًا و ندهـش .
القاهـرة 30/4/2004 الـكاتب / أسـامة أنور عكاشـة
و الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن حيث كتب :
التجربة الأولى دائما مأزق , فهي التي تعرفنا إلى الناس , لكنها في الوقت ذاته قد تورطنا بصورة دائمة ..
ومن الصعب معرفة القاص من تجربته الأولى إلا إذا كان مبدعا حقا مثل لبنى محمود ياسين
في مجموعتها القصصية الأولى ( ضـد التـيــار ) .
بالتأكيد عندما تـكتب مجموعتها الثانية ستكون اكـثر رسوخاً , فهي من الآن تمتـلك قدرات كبيـرة ,
والقصة التي تصدر بها مجموعتها وعنوانها ( مـوت صابر ) تضعهـا بين كتاب القصة الراسخين ..
إنهـا اجمل مجموعة قصصيـة أولى .
القاهرة 29 / 5 / 2004 الكاتب / محفـوظ عبد الرحمـن [/color]*************************************
رائحة الفطيرة
أراها بوضوح..حمامة بيضاء كالنقاء تطير في سماء صافية كالحلم، تدور بعينين مدهوشتين كمن يلملم ألوانا لم يسبق أن رآها مرسومة فوق حدقتيه، ترفرف بجناحيها الأبيضين على وقع دقات قلبي، تبدو لي مألوفة وكأنها تحمل ملامح أعرفها جيدا، مهلا ...إنها ملامحي..لون عيني..اخترقتها طلقة صياد مخبول فقد الجمال والحب طريقه إلى عينيه، اسودت السماء وفقدت صفاءها، تلبدت الغيوم، تبعثر دم الحمامة البيضاء فوق الأرض، وتلون ريشها الأبيض بلون الدم القاني، أختنق هديلها في حلقها،ثم سقطت فوق البقع التي رسمها الدم على الأرض.
قطرة دافئة من دمها تسقط على جبيني، توقظني من غيبوبة لا أعرف كم دامت، أشعر بإعياء شديد كما لو أن الطلقة اخترقت جسدي أنا، أحاول أن أفتح عيني، فلا تتجاوبان مع رغبتي في الرؤية، لكنني بعد إصرار استطيع أن أفتحهما، يستقبلني وجه أمي، أرى دموعها الدافئة تنفلت من عينيها بغزارة يوم شتوي ممطر، وأشعر بالقلق الذي يختبئ خلف نظرات منكسرة تحاول الهرب من مواجهة عيني، وأنتبه إلى أنني لست في المنزل، هذا البياض الذي يلفني أكثر من قدرتي على فهمه، وتلك الأنابيب الموصولة إلى أوردتي، أين أنا؟ رائحة الكحول تقتحم أنفي مفسرة تفاصيل هذا المكان الذي يحتضن قلقا احس بنفثاته في أفق الغرفة، جسدي المتهالك فوق سرير المشفى، قدماي الثقيلتان اللتان لا استطيع لهما حراكا، أشعر وكأن شاحنة مرت فوقهما للتو فهشمتهما تماما، والألم الذي يثقب أطراف جسدي بأنامله المدببة، ورأسي الذي أشعر بأنه صار مجوفا تضربه مطرقة في نفس المكان وبتواتر مزعج، وشيء من الغضب يرتسم على وجه أبي يحاول مواراته خلف قبلة طبعها على جبيني وهو يخفي دمعة تتنصل من عينه...ما الذي حدث؟!
أين كتبي وأوراقي ودفاتري؟ يا إلهي كم أضعت من الوقت وأنا نائمة هنا؟ جدولي الدراسي محكم جدا ليس باستطاعتي إضاعة ساعة واحدة وإلا تبعثرت أحلامي في الهواء...لم أنا في هذا المكان؟ ومتى جئت وكيف؟
تسعفني الذاكرة بشيء من التفاصيل، جوع باغتني دون سابق إنذار وأنا أذرع أرضية غرفتي جيئة وذهابا حاملة كتاب العلوم أحفظ تضاريس كائن ما...لم أعد أتذكر ما هو الآن، كتب متراصة أمامي علي أن أذاكرها تباعا بدءا من الغلاف إلى نظيره، الامتحان الذي أصبح يطرق الباب بإصرار مريع، أبي الذي يريدني طبيبة...ويترك لي حرية اختيار الاختصاص الذي أرغب طالما أنني في النهاية طبيبة، وأمي التي لا تمانع ما يراه أبي، وتحلم بالمعطف الأبيض وهو يسور جسدي والسماعات تتدلى من على صدري فتشعر بنشوة الفرح، ملل شديد يستبد بعقارب الساعة فتتقاعس عن الدوران، يبدو وكأنها تواطأت مع الضجر الذي يستعمر أدق تفاصيل وجودي، أنظر إلى الساعة فأرى الوقت متوقفا، تتداخل الكلمات أمام عيني، وتصبح الحروف مجرد طلاسم عصية على القراءة..فكيف على الفهم إذاً؟!
أفتح باب الثلاجة، لا رغبة بي في تناول أي شيء مما أراه مرتصا على دروجها، الضجر يتلاعب بأعصابي، والجوع يحفر في معدتي، ولا رغبة لي في تناول السمك، ولا الرز، أكره الفواكه، أكره الخضار، أكره اللحوم، أكره الفوسفور والكالسيوم، أكره كل ما في الثلاجة، لا أريد أن أغذي دماغي ولا جسدي، أريد أن آكل لأشعر برفاهية الطعم الذي أحب، حسنا...رقم المطعم مثبت على الثلاجة، هو ذا..سأطلب فطيرتي المفضلة ...أريد أن أتناولها ساخنة، ما أطيب تلك الرائحة التي تفوح فتنفتح في معدتي سراديب الشهية المستعصية منذ اقترب الامتحان، وتكالبت علي فروض التغذية الصحية المناسبة لوقت عصيب كهذا، وكتب متراصة تتربص بعقلي.
طلبت الفطيرة بالجبن، ربع ساعة وتصل ساخنة، هكذا قال العامل، حسنا سأنتظر، ما أبشع الانتظار حين تكون جائعا وضجرا، أدخل الحمام، أقذف وجهي بالماء علني أتخلص من حالة القرف تلك، أتجه إلى كتبي، أنظر إلى كتاب العلوم، الرياضيات، الفيزياء، اسحب كتاب النصوص أحاول أن أطالع به قليلا، إلا أنني لا استطيع، أعرف أنني سأحصل على تلك العلامات اللعينة التي تؤهلني لكلية الطب، فطالما كنت متفوقة وحصلت على أعلى الدرجات، لكن الملل يقتلني، والجوع يمزق معدتي الفارغة، وأشعر بأن رأسي بحر طفت فوق أمواجه كلمات مفككة سقطت سهوا من المواد التي درستها .....
تتصل لمياء...يا الله تظهرين في الوقت المناسب يا لمياء، تسألني كيف حالك، ما أغربه من سؤال! وكيف يكون حال طالبة في الشهادة الثانوية قبيل الامتحان؟ ضجرة أنا...مختنقة، أكاد أشعر بدبيب الموت في قلبي.
تضحك لمياء قائلة: انظروا من يتكلم!
أرد: هل تعتقدين أنه لمجرد كوني متفوقة ذلك يعني أنني استمتع في قضاء أيامي سجينة بين تلك الصفحات اللعينة.
يدق الباب...أتجه - وسماعة الهاتف في يدي وأنا أكمل حديثي المتذمر- نحو الباب، أفتحه، ها هو عامل المطعم بجسده الضخم يحمل في يده علبة كرتونية تحتوي فطيرتي المفضلة، ورائحتها الرائعة تفوح مستثيرة شهيتي لقضمة ساخنة أنسى فيها فوائد الفوسفور...وطعمه، أتناولها من يده، أشير له بيدي أن ينتظر في مكانه، أرد الباب وأدخل لإحضار النقود، وأنا أجيب لمياء:"أبي وأمي في العمل وأنا وحدي في المنزل، قتلني الملل والجوع، ولم اشعر برغبة في تناول ما طبخته أمي، فطلبت فطيرة الجبن، ها هي الآن بين يدي ورائحتها تنعش القلب، أغلقي الهاتف الآن وبعد قليل أعود للاتصال بك.
أضع السماعة من يدي وأجلب النقود، أستدير للعودة باتجاه الباب فإذا بي أمام جسد رجل اقتحم خلوة منزلي وأحلامي ومستقبلي وفرحي، إنه عامل المطعم الذي تبعني خلسة، وفي عينيه نظرة وضيعة تشي تماما بنيته بالغدر بي، نظرة جائع شره أمام وجبة شهية فوجئ بها أمامه، أرمي الفطيرة والنقود من يدي، وأجري من أمامه محاولة الصراخ، يخونني صوتي، يمسك بي بقوة فأشعر بتمزق أضلاعي، يغلق فمي بيديه، أرفسه بقدمي وأضربه بيدي، فيضربني بوحشية، ويمزق قميصي، أشبك يدا فوق صدري في محاولة لإخفاء ما ظهر منه، وأضربه باليد الثانية بأصيص للورد التقطته من فوق الطاولة، يتفادى الأصيص الذي يرتطم بالأرض معتذرا عن خذله إياي، وتنفلت شظاياه البلورية في كل مكان، يقترب مني بسرعة، أتراجع محاولة الهرب، كأني به وقد ضم كفه في لكمة قوية وجهها لي فسقطت قرب الطاولة، شيء ما ارتطم برأسي، أتذكر الآن...نظرات ذئب جائع يقف على قوائمه الأربع، وقد نبت له فراء أسود غطى جسده، صوت عواء أنفاسه العفن يضرب عظام السمع في أذني بقوة، أه...كنت أدرس جهاز السمع قبل أن يداهمني الجوع، آخر ما أذكره...وجه مغطى بفراء أسود، وصوت عواء أنفاس ذلك الوجه البغيض، ورائحة الفطيرة الساخنة، والفريسة المتهالكة على الأرض دون حراك.
حفيظة طعام
15 - 5 - 2008, 02:35 AM
بطاقة تعريف الكاتب: عبد النور إدريس المغرب
- من مواليد مدينة مكناس/ المغرب 28/03/1960
- قاص وباحث.
- أستاذ بالتعليم.
- مدير مجلة وسلسلة دفاتر الاختلاف ثقافية فكرية(فصلية)
- مدير جريدة جهوية (حوار الأطلس)
- حاصل على الإجازة في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع تخصص علم الاجتماع.
- طالب باحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس بوحدة المرأة والتنمية.(المرأة والكتابة).
- كتبت في العديد من الجرائد والمجلات الورقية المحلية والدولية.-( مجلة التربية والتعليم، مجلة أوراق اللندنية، مجلة فكر ونقد، جريدة بيان اليوم، جريدة الصباح، جريدة المنعطف، جريدة التكتل الوطني، اللقاء السياسي، الأسبوع السياسي، جريدة سايس أخبار، جريدة الانطلاقة.
- أكتب رقميا في العديد من المواقع الأدبي: ( منتدى ومجلة فضاءات، منتدى ومجلة القصة العربية، مجلة أدبيات، مجلة ميدوزا، موقع محمد أسليم، موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب، مجلة دنيا الوطن، مجلة دروب، مجلة الحقائق، مجلة الحوار المتمدن، مجلة إيلاف، موقع أدبيات دوت كوم، موقع القصة العراقية، موقع إبداعاتي، موقع الوجه(فراديس)، منتدى المدينة، منتدى العربي الموحد، موقع المسيرة.
- كما شاركت في المواقع القصصية الشخصية لـ: القاص زكي العيلة ، القاص نزارب.الزين (العربي الحر)، القاصة فاطمة بوزيان.
- عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب.
صدرلي:
1- الكتابة النسائية ..حفرية في الأنساق الدالة..الأنوثة ..الجسد.الهوية، مطبعة سجلماسة مكناس الطبعة الأولى، شتنبر 2004
هذا الكتاب منشور رقميا بموقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب.
http://www.arab-ewriters.com/?action=library&&type=ON2
2- الرواية النسائية والواقع بين سوسيولوجية الأدب ونظرية التلقي، مطبعة سجلماسة مكناس الطبعة الأولى، فبراير 2005
3- ميثولوجيا المحظور وآليات الخطاب الديني - المرأة بين السياق والتأويل- سلسلة دفاتر الاختلاف عدد رقم (1) الطبعة الأولى مطبعة سجلماسة ، مكناس، شتنبر 2005
تحت الطبع:
•إرهاصات في النقد الجندري- الجسد الأنثوي بالسرد النسائي العربي نموذجا-
•مجموعة قصصية بعنوان : أنيث الفحولة ..جداريات الماهـ(ـو)ة
قيد الانجاز:
•المُدخل إلى علم الاجتماع.
•ترجمة كتاب " أفول الأصنام" لفريدريك نيتشه.
•علم اجتماع التربية والثقافة، ظاهرة التمايز الدراسي
•مداليل ثقافية في درجة الصفر.
•ديوان شعر...
*****************************************
أقـفال المصالحة
كانت شخصيته قوية وهو يتحدث عن هدم السجون، ربّما أخذت قوتها وصلابتها من الموضوع ذاته، فكلما تحسس بادرة الاهتمام من محدثه يزداد طموحا وحرارة... كان حديثه يأتي ممزوجا بالصراخ والبكاء والغبن...
- السجن آه من هذه الكلمة التي تحيل الدم إلى حجر.. إلى جدار. والمشاعر الدافئة إلى عرائس من ورق...
وبكثير من النحيب الكلامي القريب إلى العويل...
أينما اتجهتَ تجد السجن في الانتظار..خذ مثلا.. وأنت تفتح التلفاز..عفوا ..استسمح، كلمة (تفتح) لا أحبها هنا..فقط أريد التعبير عن الدخول إلى التلفاز.. الدخول إلى سجن مفتوح..البرامج تافهة..و..
أشرت إليه بعيني ألا يتابع فأنا أشم رائحة غير عادية بالمقهى، لقد تولدت لدي حاسة الحذر والشك طيلة جلوسي معه في المدة الأخيرة تلك الحاسة التي كان يصفها مرارا بالحاسة السِّجنية المدنية.
فاجأني بإصراره على المتابعة متجاهلا كل اعتقاداتي الفطرية حول موضوع (الحذر) وتابع ..
- السجن رحلة صمت .. قاموس بدائي من الشتائم اللقيطة.. يحاول خلاله السجَّان كسر وسحق السجين معنويا وجسديا ..إنها لعبة الجسد الصامد...
ثم وهو يهمس في أذني..: إليك سرا خطيرا.. ماذا لو علم السجان أن مباشرته للحراسة والإطعام هي أكبر خدمة وعزاء للسجين.. فكل معاني الصمود لا تحركها إلا بشريته.. ها..ها..ها،...
لم أحسب سوى ثلاث قواطع وضرسين.. إنها زهرة شبابه قد ذابت هناك.. لاحَقَتْ كلماته ، بل رصاصاته شرودي...
- آه ستكون مصيبة السجين كبيرة لو حرسته آلة..لكن مستحيل هذا المنطق حاليا .. السجون مكلفة ..إنها ضريبة المجتمع الحر، ذاك الذي يعيش ديمقراطية القطب الواحد...
..صمت رهيب خيم على الحوار، قرأت في عينيه الكثير.. كان يعتصر أحلامه في عيني ..فهمت أن أحلامه (هنا) لم تختلف عن تلك التي (هناك) ثم ولْوَلَتْ أحاسيسه..
- كلُّنا سجين وسجّان..لكن السجَّان له أبعاد كثيرة وأشكال لا متناهية .. منه الظاهر ومنه الخفي وأكثره قسوة الذي يجعل الزنزانة هي كل ما يحيط بك ..هنا..
من صمت الانفعال وظلمة الإحساس لم أعد أذنا فقط بل انفجرت قرب مسامعه..كالجرح الغارق في لعنة التأمل..
- السجن حالة لا تخلو من مفارقة .. من طموح التناقض.. تلهث في المجتمع المتخلف.. تفرخ حالات من التدهور العام.. والنتيجة أن الأغلبية تفضل مهنة الجلاد.. لا شيء محايد بالمعنى الصوفي .. إن حواراتنا العمياء حول أهوال السجن هي التي صنعت السجّان...
لم يجب ، وقف.. غادر المكان وقد كان ينظر إليَّ بعينين قد احمرتا من كثرة النحيب الداخلي..
لم ألتقي به بعد ذلك ..إنه لم يألف السجن ..(هنا).. كان كل ما يراه ..هنا.. أضعف من أحلامه التي صاغها ..(هناك)
لمّا رحل..هرب..غريبا مفجوعا..عرفت لماذا كان يصر على أن تكون العصَّابة ربطة عنقه المفضلة...
حفيظة طعام
17 - 5 - 2008, 06:10 PM
سخريات الظلال - د. محمود موعد
قصص وحكايات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998
فشّة خُلق..
السيد المحرر المحترم:
استفزتني الرسالة التي نُشرت بعنوان ( ومن الحب ما..) على هذه الصفحة، تتهم المرأة بالغيرة العمياء، ومحاصرة الرجل دون وجه حق. ورأيت فيها ظلماً كبيراً لي ولبنات جنسي. إننا نعيش في مجتمع الرجل، ومتى كان الرجل أهلاً للثقة؟ دعني أتحدث بصراحة لا تقبل المهادنة، وأبدأ بنفسي، دون أن أدخل في المهاترات النظرية، عمّا خبرتُ ورأيتُ وسمعتُ.
كان لنا جارة لعوب، ترى أن الرجال لا أمان لهم، وأنهم مستعدون أن يلهثوا وراء أي عظمة تلوح في طريقهم (أعتذر عن هذا التعبير، جارتنا هي التي ترى هذا، لا أنا وهي، حتماً، لا تقصد كل الرجال) ولمّا عارضتها في رأيها وتحدّيتها، راهنتني أن توقع زوجي في أشراكها، وقبلتُ الرّهان.
وطلبتْ مني، ذات يوم، أن أحضر ، سرّاً، إلى بيتها. أخبرتُ زوجي أنني ذاهبة لأزور والدتي في الحي المجاور، ودخلت إلى العمارة المقابلة. واستقبلتني الجارة اللعوب، ورجتني أن أجلس وأسمع بنفسي. وبعد دقائق رنّ جرس الهاتف، فضغطتْ على زر في الجهاز، فأصبح الحديث مسموعاً للجميع. وفوجئت بصوت زوجي يدوّي في الغرفة المغلقة:
ـ مساء الخير ... حبيبتـي!
وكاد يغمى عليّ، لولا أن تماسكت، وضبطت أعصابي. وسمعتُ في ساعة كاملة، كلّ كلمات الغزل العذري والفاحش، التي أسمعني إياها زوجي في فترة الخطوبة، وبدايات الزواج، ثم انقطع، إلا في المناسبات، عن تكرارها. وفي آخر الحوار، حدّدت الجارة موعد لقاء معه في عزّ الظهيرة لليوم التالي، وأقفلت السمّاعة على أصوات قبلاته المفرقعة، وقالت:
ـ غداً سترين بنفسك!
واتصل بي زوجي، في اليوم الثاني من عمله، وأخبرني عن اجتماع طارىء هام في الدائرة، سيطول، ويتخلله غداء عمل.
وبعد مرور أكثر من ساعة على الموعد ذهبتُ إلى المكان المحدد، فوجدت زوجي يذهب ويجيء، في الظهيرة الحمراء، وهو يفرك يديه بقلق مقلق، يتلفتُ يميناً ويساراً، ويدور حول نفسه في حركات عصبية، وهو ينتظر تلك المرأة التي لن تجيء.
وفوجئ بظهوري المفاجئ أمامه، ولما سألته عما يفعل هنا، ارتبك، واحمرَّ واصفرّ واخضرّ، وتلعثم في الكلام وهو يقول:
ـ أنزلني المدير العام، ابن الحرام، وطلب مني أن أنتظره قليلاً.
وأسفت لهذا الرّهان الذي كلفني زوجي!
أحياناً أقف في الشارع دقائق، لأنتظر صديقة أو قريبة، تأخرت عن موعدها، فتقف لي السيارات، وأتلقى دعوات كريمة، وعروضاً سخية، وأسمع عبارات غزل كنتُ أتمنى أن أسمعها من زوجي.
يا إلهي! أكلهم ينتظرون مثل هذه الفرصة لاقتناصها؟ كم من النساء اضطررن، لأمر ما، أن يقفن أو يسرن وحيدات! كم من أطنان الكلام والغزل يلقى على مسامعهن! كم من الدعوات! كم من الآمال تُعقد على وقوفهن أو سيرهن! كم من الأحلام توقد في خيالات الرجال الحمقى، الحمقى فقط!
كثيراً ما تحدثني بعض صديقاتي عن رجل، أغلق الباب عليهن معه مصادفة، فتنهال الإغراءات: المال، الجاه، القوة. هكذا دون خجل، ودون أن يخطر في بال الرجل، لحظة واحدة، أن يفكر في هذا المخلوق البشري أمامه، في حقها، في حدودها، في حريتها المهدورة، في رغبتها الحقيقية، في رأيها فيه. قد أغلقتْ نزواته منافذ التفكير في رأسه، وأيقظتْ فيه رجولته العطشى، فعمي عليه كل شيء.
وتحدثني بعض صديقاتي عن رجال، يقتنصون لحظات خلوة بهن، فيسردون بعضاً من حياتهم الخاصة، ومشكلاتهم مع زوجاتهم، وعن الظلم الذي يلحق بهم معهن. ولا يخجلون من التعرّض إلى الكلام عن السرير صراحة ودون مواربة.
وتتحدث بعض المطلقات أو الأرامل من صديقاتي، اللواتي وقفن حياتهن على أولادهن، عن رجال من كل الأعمار والمستويات الاجتماعية، لا يرون فيهن سوى صيد سهل، فيعرضون خدماتهم، خدمات بلا حدود، دون مقابل! أحدهم تطوّع، يومياً، لغسل سيارة سهام، وآخر تعهد برعاية حديقة ليلى، وآخر تبرّع بمرافقة ولديْ منى إلى المدرسة صباحاً وإعادتهما ظهراً، وآخر ذو سلطة وعضلات تكفل بإبعاد كل الذئاب، على حدّ تعبيره، عن طريق سلمى، وآخر أرسل زوجته لخطبة أمينة، جارتهم الجميلة المطلّقة، لتصبح زوجته الثانية!
تتجاهل زينب تصرفات زوجها الطائشة، وهو لا يدري أنها تدري، حرصاً على بيتها وأولادها، آملة أن يستيقظ ضميره، فيكفّ عن نزواته، ويثوب إلى بيته، ويثوب معه الحب والأمان والثقة.
أميرة لاحظت تعلق زوجها الكهل بسكرتيرته الشابة، فما كان منها إلاّ أن خطبتها له بنفسها، ووقفت على خدمته، ليموت في أحضان زوجته الشابة الجديدة، وقد أصابته «رهقة» شهر عسل قصير قاتل.
ووقعت إيمان، وقد اشتد عليها المرض، بعض الأوراق البيضاء لزوجها، لتسيير معاملاتها في الدوائر الرسمية. وفوجئت بورقة الطلاق، تبعها، بعد أيام، حكم بإخلاء المنزل الذي كانت تملكه بعد أن أصبح ملكاً لمطلقها. وعلمت أنه يجري وراء امرأة من الوسط الفني.
وعادت فتحية من رحلتها، بعد غياب شهرين، في زيارة أهلها خارج البلاد، وفتحية تحمل إجازة في الآداب، فوجدت زوجها قد تزوج من الخادمة الأميّة التي لا تحمل أية مؤهلات جمالية!
صديقتي الشاعرة هيفاء استمعت للكاتب الروائي الكبير، بعد قراءته ديوانها الأخير:
ـ أنت امرأة حرة، تروحين وتجيئين، تختارين، عليك أن تكتبي كما لو كنت في غرفة نومك، عرّي نفسك، عبري عما لا تجرؤ امرأة على البوح به، فتحققي القفزة المطلوبة!
وجدت هيفاء دموعها تسيل على خديها، وقالت للكاتب الكبير وهي تنهض خارجة:
ـ أستاذ.. أنا شاعرة ولست عا...!
قرأتُ مؤخراً أن ممثلة قديرة وكبيرة سُئلت، بعد هذه الرحلة الطويلة، ومعرفة أصناف من الرجال، عن رأيها فيهم، فأجابت بملء فمها، وهي في غاية الرضا:
ـ كلهم أوغاد!
سيدي المحرر: كنتُ أحتاج إلى مجلدات، لأسرد كل القصص التي أعرفها، وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من الغضب الذي يجتاحني فإن علينا أن نقبل الحياة كما هي، حتى نغيّر ما بأنفسنا، وأنا على استعداد لتكرار الزواج، إذا تقدّم لي أحدهم وأعجبني. وأرجو أن يكون هذا بمثابة «إعلان» غير مدفوع الثمن! ورحم الله الذي قال: الرجل شرّ لابدّ منه!
عواطف عبداللطيف
18 - 5 - 2008, 01:29 PM
رسائل تتحدى النار والحصار
زوج محنط
زكية علال
لست أدري من أين تسلل اليقين إلى نفسي وصدقت أنه عاد !!
وعدني أنه سيعود مع أول سفينة تبحر نحو انكسارى ، فصدقت أول صورة تقف عند عتبة خيبتي ...
فتحت عيني في منتصف ذات ليلة فلمحت ظله يمتد إلى وسط الخيمة ...
أزحت الغطاء عن جسدي المتعب ونهضت من فراشي مفزوعة ، مذعورة لأجد نفسي في مواجهة وجهه الذي لم يفارقني يوما .
نعم ... إنه عبد الله !!
لا زلت أذكر أني وقفت نصف ساعة مشدوهة ، ثم رحت أتحسس وجهه ، عينيه ، شفتيه ... أحسست أن شيئا ما تغير ، سألته :
- عبد الله ، لماذا تغير لون وجهك ؟
قال لي : الشمس- في المنفى – تطلع بطيئة ، باردة ، وتغيب بسرعة .
سألته : عبد الله ، لماذا تغير صوتك ، فيه بحة مزعجة .
رد قائلا : لم أذق طعم زيت الزيتون منذ غادرت الخيمة .
سألته مرة أخرى : أين حرارة حروفك ؟ أين ذاك الدفء الذي كنت أعشقه على شفتيك وأنت تحدثني ؟
أجابني بعصبية لم أتعود عليها : الحرارة والدفء قتلهما الرصيف البارد الذي كنت أتمدد عليه في المنفى .
ورحت أردد كالتائهة : أحس أن شيئا ما ضاع من وجهك ،من عينيك ، من شفتيك ..نعم فاطمة كانت هنا ... صورتها كانت معلقة في عمق عينيك فأين هي ، لا أراها الآن .
ويجيبني ببرودة قاتلة : انزلقت من عمق عيني ليحضنها قلبي .
شيئا فشيئا ، بدأ الخوف يتراجع عن صدري وهمست له : آه ... سامحني يا عبد الله ، غيابك عني جعلني أتخيل أمورا لا أساس لها من الصدق ... ادخل أيها النبض الذي لم يغادر صدري ، فالخيمة باردة من دونك .
دخل بتردد ، كان يتأمل كل شيء داخلها كأنه يراها لأول مرة .
- اجلس يا عبد الله .
هكذا قلت له وقد أنستني حرارة اللقاء أمورا كثيرة لم أنتبه لها .
جلس الزوج العائد من غربة طويلة ... كان صامتا ... لم يسألني لماذا الخيمة مقفرة ، لم يسألني عن أحد من أبنائه !!
اعتقدت أن عناء السفر أخرسه ..
بعد ليلة واحدة رحت أحدثه عن أولاده ... حدثته عن استشهاد وفاء ، وكنت أنتظر أن يصرخ ، أن يذرف دما ، لأنه يحب وفاء كثيرا ، لكنه ظل على صمته ... عندما حدثته عن عائشة نظر إلي بدهشة وقال: من عائشة ؟
- عائشة ابنتنا الكبرى ، لقد كانت بألف رجل ، إنها الآن في المنفى ، ألم تلتق بها ؟ ألم تصادفها في إحدى الممرات الباردة ؟
لم يجب .
حدثته عن زيد ، الابن المدلل ، أصبح لا يدخل الخيمة إلا متسللا ، فهو مطارد لأنه يدافع عن حريته بحجارة من أرض الأنبياء .
يا ألله ... إنه لا يتذكر شيئا ...
حدقت في عينيه وسألته : ألم تلاحظ ما ضاع مني ؟
أحسست أن السؤال فاجأه ، فراح ينظر إلى وجهي ، ثم حرك رأسه كأنه يريد أن يتذكر، مسح جبهته بيد باردة ، مرتجفة وقال : لا أذكر ... لا أذكر ...
- ضفائري التي كنت تعشقها يا عبد الله ... لقد اغتصبوها ... قالوا إنها تعطيني قوة وصبرا.
- اعذريني يا فاطمة ... أمور كثيرة نسيتها ... أنت تعرفين أنهم هناك يغسلون العقل والقلب .
لم أكن أملك إلا أن أصدقه ، حتى أسفرت الحقيقة عن وجهها البشع ... كان ذلك عندما فاجأتني دورية عسكرية ذات فجر ... تحسست مكانه بجانبي فإذا بيدي تنغمس في فراغ.
يا إلهي ... لقد فر هاربا ، تركني بين أنياب الوحوش وخرج متسللا كاللصوص .
ساعتها أصبحت أعيش شبه الحقيقة أنه ليس عبد الله ...
عبد الله لم يكن يهرب ، بل كان يغلق عليّ في صدره ليحميني من النار ... كان يطبق عليّ بين جفنيه ليبعد عني العار ، ويحضنني بين جنبيه ليخفف عني وجع الحصار .
بعد شهر واحد قرأت الحقيقة في الصحف الناطقة بالفرنسية والإنجليزية وعرفت أنه لم يكن عبد الله ...
هذا الذي دخل خيمتي واعتقدت أنه قاسمني ملح وجعي ، لم يكن زوجي .
بعد شهر آخر قرأت في الصحف الناطقة بالعربية أن زوجي ينام في أكبر مخابر العالم ، فقد حنطوا جسده وسرقوا عينيه ، شفتيه وحتى قلبه وأعضاء كثيرة منه ثم زرعوها في جسد رجل غريب – فزراعة الأعضاء تتم بنجاح كبير –
زرعوا أعضاء عبد الله في جسد رجل آخر ثم أوفدوه إلى خيمتي لأسكت إلى الأبد ، فصراخ رسائلي بات يزعجهم ويقضّ مضاجعهم .
فلمن أكتب أوجاعي بعد اليوم ؟ !!
زكية علال
حفيظة طعام
25 - 5 - 2008, 03:33 AM
نـواطـــير
بقلم نبيهة راشد جبارين
قصة قصيرة جدا:
جالت في أنحاء السماء غيمة جميلة، تمتلئ وفاء ومحبة وانتماء، ومرت فوق اثنتين وعشرين حديقة، كلها متعطشة إلى الماء والمطر، فأسرع كل ناطور من نواطيرها يتوسل إلى الغيمة أن تمطر حديقته بالخير والعطاء.
ولكن الغيمة انصرفت عنهم جميعا وهي تقول:
لا، لن أمطر حدائقكم لأنني لم أجد بينكم رشيدا واحدا!!
حفيظة طعام
25 - 5 - 2008, 03:33 AM
قصيـرات الطرف
بقلم محمد ملوك
فلســــــــــــــــــــــفة
تأثر بــ " ديكارت " كثيرا، فشك في كل ما يدور من حوله، وفكر وقدّر، ثم فكر كيف قدّر، وحين انتبه لذاته، وجد نفسه مفقودا والكل يبحث عنه.
على عكس الحلم
رأى في منامه أن ذئابا شرسة تتجمع على مائدة خوار يرأسها ليث عن زئيره لا يترفع، وأن جريمة غريبة المَـشـَاهد ترتكب بيديه ليزج بعدها في غياهب سجن بعيد عن أعين المُـشـَاهد. في المساء، وبعد إنصاته لنشرة الأخبار أدرك أن المائدة لم تكن إلا قمة عربية فاشلة، وأن الجريمة لن تكون إلا كتابة ناقدة، فقرر التزام الصمت ومبايعة الذئاب.
نعــــمة
صلى الصبح جماعة في يوم ممطر فسرقت مطريته،… أدركته صلاة الظهر على غير وضوء منه فولج إلى مرحاض المسجد ليجدد طهارته فسرق حذاؤه…
بعد صلاة العصر انتبه إلى نظارته التي وضعها قدامه فلم يجد لآثارها رسما… وقبل أن يصل إلى نفس المسجد ليؤدي فريضة المغرب تحسس جيبه والنقود التي كانت فيه فألفاه خاويا على خيوطه…
ولما قضيت صلاة العشاء وانفض الناس من حول المسجد، إعترض سبيله قطاع الممرات الضيقة فسلبوه هاتفه النقال ومعطفه الصوفي، وأشبعوه ضربا وركلا جزاءًا وفاقا لما كسبت يمينه من مقاومة…
وحين وضع رأسه على وسادة النوم، إسترجع حصاد يومه، فحسبل وحوقل ثم قال: "" ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي "".
إستعبـــــــاد
نظر إليها نظرة شزراء تنم عن حقد دفين وكره شديد، ثم أمسكها من مؤخرتها بغلظة تروم كسر عمودها الفقري ووأد جماليتها المستقيمة، وتمتم قائلا:
ــ والله لأقتلنك اليوم يا أيتها العاهرة اللقيطة،… لقد أحببتك فأفقرت جيبي، وأدميت قلبي، وأهلكت ذاتي، واستعبدتني حتى سلبت مني الروح والجسد وما اكتفيت…
اليوم أرميك في مزبلة التاريخ وبراثين النسيان من غير حزن أو أسف عليك…
اليوم…
اليوم…
اليوم…
في صباح اليوم التالي إستيقظ ضميره واغرورقت عيناه بالدموع، وأحس بالذنب يقض مضجعه، وبالدنيا تسود أمامه، فبحث عن أطرافها المتناثرة، و امتص دخانها المسموم ولسان حاله يردد: يا لك من سيجارة لعينة.
إنتماءات
" تصوف " فزهد في الدنيا وما فيها.
" توهب " فوهبه المجتمع نكرانا لشخصه، وريبة في أمره.
" تحرك " فأعيته الحركات آناء الليل وأطراف النهار.
" تقعـَّــــــد " فبات مطلوبا لكل أنواع الأجهزة الأمنية في العالم.
حين مل من تجارب الإنتماءات أدرك أخيرا أن " كل مولود يولد على الفطرة ".
أمة وربة
حين سطع نجم القصة القصيرة جدا في الآفاق، تسلل حسد مذموم إلى قلب الرواية، فحكت غيرتها لشعر واكب عملية التحضر، أنصت إليها ـ الشعرـ بإصغاء مبين، تذكر حديث علامات الساعة، فتمتم قائلا:
"وأن تلد الأمة ربتها وأن تلد الأمة ربتها"
الفقر والفقر
إعتلى السلطة في زمن الإنقلابات جنرال يقال له " الفقر ".
تأبط سيفا مخضبا بالدماء، و غازل ظلما مرصعا بالرصاص، فكان كلما أينع رأس من الرؤس المعارضة قطفه بسيفه، وكلما غرد طائر خارج السرب أسقطه برصاصه، ولما بلغ الفقر بالناس مبلغه خرج رجل من العامة فنادى بأعلى صوته:
" لو كان الفقر رجلا لقتلته "
وقف " الفقر" أمامه، لم يأبه لتوسله ولم يبالي ببكائه،
تحداه….،
أقسم له أنه لم يقصد غير فقر الجيب…
صارعه فصرعه، فقال الناس بعد موته:
هذا قبر من قتله الفقر
و" الفقر "
حفيظة طعام
25 - 5 - 2008, 03:35 AM
خـــــــــــــــــــــط الأحـــــــــــلام
بقلم محاسن الحمصي
"وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان كل الظن أن لا تلاقيا"
ابن زيدون -
هل كان عليّ أن أتسلق أغصان شجرة العائلة لأبحثُ بين الأوراق والفروع من جدي الأول حتى جدي السابع الذي- سامحه الله- أورثني جيناته المختلفة وليست المتخلفة، فأنا حتما لا أمتُ بوصف يتطابق مع أحدٍ من أفراد أسرتي الحالية ـ لا من جهة الأم، ولا من نسل الأب شكلا ومضمونا، ولولا معرفتي وثقتي بأمي لقلت أني ابنة (حرام) في ليلة عابرة..!؟
عرفت أني طفلة معجزة حين حسم أبي الأمر في جلسة مغلقة جمع فيها أمي، إخوتي العشرة بما فيهم أنا.. وأفتى بصوت صارم وواضح :
أختكم.. لا يركبها عفريت ولا يصاحبها جان، ولا (مرفوع عنها) الحجاب.. وليست قديسة أو ولية من أولياء الله الصالحين..
لكنها تعرف كل شيء ومناماتها تتحقق سواء كانت خيرا أو شرا..
حباها الله وميزها عنكم بشعلة ذكاء إضافية، فراسة،طاقة زائدة، قوة حدس واستشعار عن بعد، قد تتنبأ بأحداث تحصل للبعض بقدر ملحوظ يفوق من في مثل سنها، لذا توقفوا عن الشكوى والخوف ودعوها تعيش بسلام وأمان بينكم لا مبرر لعرضها على أطباء ومشعوذين مادامت لا تؤذي أحدا..!
ورغم كل صفاتي الخارقة، كنت متواضعة، ودودة أبتعد عن المشاحنات بين إخوتي، أحاول تقريب وجهات النظر، إسداء النصح، ومساعدة الجميع دون كلل أو ملل.
أحببت المدرسة وكرهت أي تخصص علمي من رياضيات وفيزياء وكيمياء، أغوص في كتب الأدب،الشعر، الفلسفة،التاريخ و الجغرافيا..
أجمل الساعات لدي تلك التي يسود فيها السكون، ويخلد الجميع إلى النوم لأمشي وأتجول في أنحاء البيت مغمضة العينين في (العتمة) وأحفظ أين هي الأشياء..!
هواية عجيبة كلفتني بقعا زرقاء ترافق جسدي من طوبة باب، طرف سرير، زاوية طاولة.. رضوض ساق، تورم جبهة، كسر أنف عند تلمس الطريق إلى البراد وخزائن المطبخ، مفاتيح الكهرباء، الحمام، القبو، السدة، الدرج والسلالم..
وحين أعود إلى غرفتي أبدأ في ترتيب أشيائي في ذلك الظلام الذي اخترته برغبة جامحة ..
العمى والصمت تجربة أخوضها والهدف مجهول إلا الشعور والإحساس بأن هناك حكمة وراء هذه الهواية الغريبة التي احتار بها أهلي..!
الكتمان ورؤية الأحداث قبل وقوعها أمر آخر.. فحين ينقبض قلبي ويزوغ بصري فجأة، أو أرى كابوسا مزعجا وأحلم بشخص ما، فإن يومي ينقلب إلى قلق صامت، أبتعد وأختلي بنفسي.. فما بداخلي لي وحدي وليس ملك أحد وأبدأ في الصلاة..
أرى ملاكا يجلس معي وواحدا يصلي، وآخر يحرسني واثنان يحملان روحي بعيدا، حتى يعود جميع أفراد العائلة لتنفــرج أساريري ويهدأ بالي..
دخول المجتمع والاندماج مع الناس لم يشكل عائقا في حياتي، أتصرف بتلقائية وأصيخ السمع في الوقت المناسب، وغالبا ما كنت ألتزم الصمت، أتنقل بين وجوه الشخصيات التي ألقاها، أراقبها وأكشف المستور في زيف الأقنعة من خلال العبارات والجمل وفي معظم الأحيان يصدق حدسي في قراءة ما خلف الظاهر..
كبرنا وبدأ رف العصافير يطير، لكن العطل تجمعنا حول المائدة في جو أسري حميم، كل واحد يحمل همومه، أفراحه، مشاريعه، نبحثها معا، نجد الحلول إن اعترضت طريقنا مشاكل، ثم ينهال علي الجميع بالأسئلة :
هل سأجتاز الامتحان بتفوق ؟
من جد وجد.
هل سأجد فتى أحلامي ؟
الزواج قسمة ونصيب.
هل سينجح مشروعي التجاري ؟
استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان..
هل.. وهل.. وهل ؟
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، والله لطيف بعباده..
أجد الوسائد والمخدات تتجه نحوي والضحكات تملأ أركان البيت، وأنا أدرك أن هناك من سيقع، يمرض، ومن سيغادر إلى الأبد..! أما أحلامي فقد تفرعت بين العلم، العمل، السفر، الصداقات، والنشاطات الاجتماعية إلى أن تشابكت أصابعنا في (دبكة) جماعية ليلة زفاف أختي..!
لم أخفض بصري، ولم أسحب كفي فقد سحبَ خيط روحي ولفـه حول معصمه، عرفت أنه قدري واستسلمت..!
حُزن أبي، انكسارُ أمي، استهجان إخوتي بدا واضحا دون اعتراض على اختيار يرجح كفة ميزان الفوارق الطبقية علميا، عمليا، اجتماعيا، وتجاهلت كل من طرق بابي (يطلب اليد) ويعرض الود.
وقف قلبي على زاوية الشارع محتجا، يحمل الراية البيضاء، أعدته وحبسته بين الضلوع، ونزفه أسود.. أسود..!
وبدأت سلسلة الكوابيس الليلية والمنامات التي تنذر بالخطر وتحول الألم إلى سلاح يهدد صفو أيامي، يِؤرجح أعصابي بالخوف ويبلور الإحساس المبهم في انتظار مفاجأة قد تأتي بغتة أو ضربة موجعة لا تترك للشفاء سبيلا..
ذات الحلم يطاردني، أموال، اختلاس، امرأة، شرطة ورصاص، فأهبّ من نومي أتلمس تمثال ثلج، قريبا من قلبي بعيدا عن عالمي..!
حوار ضبابي يدور في الوقت الضائع بيننا:
أما زلت تحبني..؟
أي حب يا امرأة في هذا الزمان الغادر؟ أكرس نفسي لقضية تستحق العناء: (الوصول) .
الوصول إلى حبل المشنقة بأساليب الشر المتعددة.. وثمرة الحب التي زرعتها في أحشائي
أتتركها تنمو دون ريِ بماء الحنان؟
ماهذا التخريف؟ قلبي معك وها أنذا أمامك أستمع لهواجسك، وأتعايش مع مخاوفك وتخيلاتك..؟
شكرا.. إن احتجتُ إلى قلب سأطلب قلبك لأنه غير مستعمل إلا للضخ..!
وهاهو الهاجس والكابوس بعد عام يأتي بأحداث متسارعة، وقد ترك أرملة متشحة بالسواد، وأما ثكلى خُطف طفلها لحظة ولادة عسيرة..
إنه الموت، والموت قاسٍِ لا يفرق بين صغيرولا كبير، يُحرق القلب، ويشل الحياة.
أكفكف الدمع، أجفــف حليبا يتدفق من صدر أم حنون، أهز بيدي سرير طفلي المفقود:
لو أبصرت النور ياولدي، كنت ستبصر اليتم.
حاولت إبقاء حلمي حيا، حافظت على قانون حياتي المقدس.. ففشلت.
لن أغمض عيني في الظلام بعد اليوم، كنت عمياء البصيرة لا البصر، هزمتني امرأة خارقة تملك علم الغيب، ترضخ لأوهام حديث العقل الباطني، تعيش في دائرة الأفق الضيق.. سأشعل الأضواء، وأمشي على درب المجهول، وبعينين مفتوحتين سأجد كوة تفضي إلى نور الحقيقة..
يخرج صوتي عن صمته في (العتمة)، وأصرخ..
حفيظة طعام
25 - 5 - 2008, 03:36 AM
مجموعة قصصية
وميض الخطر
بقلم سمية البوغافرية
ـ 1 ـ الرجال قوامون على…
الخاطب: تعلمين حبيبتي أن اليد الواحدة لا تصفق.. أنصحك ألا تفرطي في مهنتك
المخطوبة مسهبة الجفنين تهز رأسها المطأطأ بالإيجاب
الخاطب: راتبك وراتبي من اليوم سيجمع في رصيد واحد باسمي وسأوثق لك هذا في ـــــــــ
المخطوبة ترفع رأسها تقاطعه بصوت خافت: مالي هو مالك
الخاطب: سنؤجل الخلفة حتى نفرش العش بالريش الأنعم
المخطوبة احمرت وجنتاها تتبسم خجلة وتنكمش على نفسها…
الخاطب: أنا رجل البيت وكل شيء ينبغي أن يسير فيه وفق رضاي
المخطوبة تنكمش وتسحب بسمتها
الخاطب يمرر يده على لحيته الكثة السوداء ويمصمص شفتيه بلذة بعد ارتشافات خاطفة لعصيره وعيناه تتنقلان بنهم بين شفتي عروسه وصدرها.. زحف نحوها ثم توقف على إثر نظرات تلتهمه من شقيق خطيبته الصغير.. تمنى لو يخلو سبيله ويتحالف مع شياطين الجن لمعانقة حمامة الجنة بعيدا عن شيطان الإنس الخانق…رشقه بنظرات نارية وهمس لعروسه يقنعها بأنه رجل البيت وصاحب الأمر والنهي قائلا:
تعلمين حبيبتي أن الرجال قوامون على النـــــــــ ؟؟؟
المخطوبة تنتفض وتقلب المائدة وما عليها على وجه خاطبها…
ـ 2 ـ عروس الهنا
العروس بنت العشرين تزوجت بعريس في الستين توفيت زوجته وتركت له خمس أطفال أصغرهم في الشهر الأول…
في ليلة زفافها حمل إليها ابنته الرضيعة وطفليه الصغيرين وألقاهما في حجرها بعدما خطف الورد الأحمر من يدها النائمة وألقى به من النافذة قائلا لها بصوت حاد وهو يشير لها إلى أولاده:
هؤلاء أمانة في يديك إذا فرطت فيهم غضبت عليك إلى يوم الدين ولن تنقذك من لهيب غضبي ملائكة الأرض والسماء لو اجتمعت… ثم مضى إلى فراشه في غرفة مجاورة وفجأة سمعته يناديها بصوت _ مبحوح:
فاطمة.. فاطمة
مضت فاطمة في فستان الفرح تترنح في خطوها.. وقفت بجانبه خجولة ورأسها يحاذي صدرها كأنه مبتور من الخلف فأشار عليها بصوت جاف:
هاتي من الثلاجة "التقطيرة" وضعي قطرتين في عيني اليمنى وقطرة في عيني اليسرى ومسدي ظهري ولا تنسي أن تفعلي ذاته كل يوم قبل النوم..
خلعت العروس الفستان وتأبطت محفظتها الصغيرة وعادت إليه تسوق وراءها أولاده الصغار وتحضن إليها طفلته الصغيرة فوضعتها في حجره وراحت تنصرف فنهرها غاضبا:
إلي أين أنت ذاهبة؟؟
سقته من عينيها بنار خيبتها وردت عليه مزمجرة:
سأذهب أشتري لك تقطيرة العمى
ـ 3 ـ أبناء الربيع
الكل يلقب أطفالها بـ "أبناء الربيع"… ولا أحد يعرف سر هذا الربيع المضاف إلى أولادها غير أخواتها… اسمها الصافية… بنت قروية تفيض أنوثة وشبابا وسذاجة في بداية زواجها… تزوجت بشاب وسيم وسامة تهيج القلب وتسحر العين…وتقيم معه في بلد أوروبي ولا تزور بلدها إلا من صيف لآخر… صرحت لأخواتها تكشف لأول مرة عن مأساتها بعدما سمعت إلى شريطهن الذي يسمم الكيان …
زوجي لا أراه إلا ليأتي لغير الثياب أو ليأكل
ضحكت أخواتها وغمزن لبعضهن متهكمات:
والأبناء الخمس سقطوا عليك من السماء أم أهدتهم لك نصرانية ؟؟؟
زفرت وقالت بنبرة مفعمة بالمرارة:
ألم تلاحظن أنهم كلهم أبناء الربيع… هم ثمرة كل صائفة أقضيها بينكن في الريف
فضحكن لها بعدما كشفن أن مأساتها أقل من محنهن وقلن:
هيا تجهزي الليلة لاحتضان الإبن السادس يا عروس الأصياف
أجل، قد آن الأوان لأجهز نفسي وأطفئ نارا طالما اكتويت بها وحدي…
حفيظة طعام
25 - 5 - 2008, 03:38 AM
حلــــــــــــــــــــــم مهزوم
بقلم: وفاء نصر شهاب الدين
كانت متمردة، جميلة، وحالمة ولكنها تحمل قلبا جبل على هوى كل ممنوع.
احتضنته عيناها للمرة الأولى في حفل زفاف إحدى قريباتها، كان "يحطب" مع زمرة من الرجال الأقوياء فصرعهم واحدا تلو الآخر.
حركت قلبها أنات الحسرة وأخذت مخيلتها الخصبة تقارن بينه وبين زوج شبت لتجد نفسها تحت قدميه، لا تتذكر متى رأته للمرة الأولى،لا تعرف عنه سوى قسوته المفرطة وعجزه عن الوفاء بمتطلبات قلب حرم من كل المشاعر منذ داسته إطارات ذكورية غاشمة تستمد قوتها من جهل يئس من رؤية نور الحق.
ابتسمت وهي تتخيل ذلك الوسيم يداعب خصلات شعرها المجعدة التي يغار منها ضوء الشمس فينعكس عليه معلنا غضبه لمعانا يعمي الأبصار،استسلمت لدفء الإحساس وأغمضت عينيها وهي تستمع لصوت ضربات "التحطيب" كأنها أغنية تصدر عن حنجرة عصفور يداعب وليفه للمرة الأولى.
كم هو قوي، فتي.. تنم نظراته عن ثورة تفتت مشاعر العذارى، وتبدي ملامحه الرقيقة نعومة تتوارى بين أنفاسه حتى لا يستبينها أحد فتقلل من احترامه وسطوته.
وقف زوجها أمامه قابضا على عصى غليظة لكي يتبارى معه فانفلتت منها شهقة خوفاً على حلم يكاد يسقط من بين ضلوعها كعادتها دائما عندما يظهر ذلك العفريت بأحد أحلامها.
وقفت تراقب وقد وضعت طرف "الشال" على فمها خوفاً من آهة ضالة أو شهقة متمردة.
كان هو المتحكم على الرغم من قوة الزوج ومحاولته لإثبات قدرته على هزيمة ذلك الفتى الساحق لكبرياء الرجال، ليثبت لها أنه وعلى الرغم من سنوات عمره التي يئست من إمكانية حصرها، إلا أنه مازال قادرا على ترويض فرسه الجامحة.
كانت تدعو الله أن يسحق حلمها الفتي رأسه أو على الأقل أن يرفع يده معلنا هزيمته حتى تتلذذ لأول مرة بملامح الخجل تطغى على ملامح الفحولة، تمنت أن يذل ذلك الشارب الكث الذي يفخر به أمام القرية.
جل ما تمنته أن تتخلص من ذلك القيد الذي كبلها وحولها من حمامة متباهية إلى حدأة عرجاء.
حمل الزوج بغتة على خصمه بضربات متلاحقة جعلته يخر راكعاً وقد أمسك عصاه بين يديه ونكس رأسه أمامه،تجمدت مكانها وألقت بضفيرتها خلف ظهرها في جزع فاقترب منها زوجها وقد انتفخت أوداجه قائلاً"ياللا يا ولية كفاية عليكي كده الليله"
استرقت نظرة سريعة على الفتى المهزوم ونكست عينيها وقالت"حاضر".
حفيظة طعام
25 - 5 - 2008, 03:39 AM
إختطاف زهرة
بقلم زياد الجيوسي
بالأمس كان صباح ليس ككل صباح، كنت أجلس إلى شرفتي أحتسي القهوة مع ابنتي بعد طول غياب، أتحدث إليها بشوق أحد عشر عاما من الغياب، أفتح علبة بريدي الالكترونية بعد غياب عنها منذ وصولي لعمان من رام الله منذ أسبوع، ابدأ بما تجمع في علبتي بالأحدث فالأقدم، أجد رسالة من صديقي الشاعر المرهف سعد الصالحي، الذي جمعني وإياه جمال الحرف وتحليق الروح، فالصالحي من أصدقاء صباحاتي التي أكتبها باستمرار، يرسل لي كلماته المشبعة بروحه الرقراقة، توقعت أن أجد بعض من تعليقاته الجميلة.
شهقت حين قفز أمامي ما أرسل.. ابنتي قالت: ماذا؟
ابنة سعد الصالحي الشابة البالغة من العمر تسعة عشر زهرة لا غير اختطفت في العراق.. يا الله.. لقد اختطفوا العراق منا ويختطفون أبناءه وزهراته أيضا..
تجمد الدم في عروقي، تجمدت الكلمات والحروف، فماذا يمكن لي أن أكتب لأب اختطفت ابنته من بين ذراعيه، فهل كل كلمات الدنيا وأبجديات الحروف يمكنها أن تواسي أب في هذه الحالة؟
اعتدت في وطني على رصاص الاحتلال يختطف حتى الأجنة في البطون، الشباب والشابات والكبار والشيوخ، لكن من له المصلحة باختطاف الزهرة، لماذا يدمرون قلب مفعم بالجمال والرقة والأحاسيس، لماذا يختار خفافيش الظلام هذه الزهرة اليانعة ليخطفوها من حوض أزهار مشبع بالروح المحلقة والجمال.
أيا سعد وفيك أخاطب الشاعر والإنسان والوطن المستلب، أخاطب فيك الأب المكلوم الروح وهو ينتظر ابنة شابة اختطفت من بين جناحيه، ابنتكم ككل أبناء الوطن رهائن كما كل الأوطانِ المبتلاة بالاحتلال وخفافيش العتمة.
أيا صاحبي.. ماذا أمتلك إلا دمعة ترقرقت على الوجنات، وقلب يدعو لكم أن تجتمعوا مع ابنتكم من جديد، وروح ترف من بعيد حولكم لتقول: صبرا يا صديقي فموعدكم الحرية يوما، صبرا يا صديقي فلعل الله يعيد لكم ابنتكم الزهرة المتبتلة لتنبت من جديد تحت أجنحتك التي حلقت بنا لعلها تحلق بها من جديد، وآمل أن أفتح بريدي ذات صباح لأجدك تقول لي: صباحك أجمل.. لقد عادت الزهرة.. فمتى يعود الوطن..
حفيظة طعام
25 - 5 - 2008, 03:50 AM
دموع في مقبرة المسيح
بقلم زياد يوسف صيدم
ألو..سنيور جان كارلو..نعم.. سنيور قرأت إعلان عن وجود غرف خالية للإيجار عندكم فهل ما زالت؟ نعم تستطيع الحضور لرؤيتها..هل تعطيني العنوان من فضلك… نعم إليك هو ولن تجد صعوبة فهو في منطقة الجامعة.. شكرا لكم، سأحضر حالا…….
كانت مكالمة قصيرة ولكنها موفقة تحركْتُ سريعا من بيت صديق لي كنت في ضيافته لخمسة أيام لم أذق خلالها طعم للراحة ولا للمقلوبة التى أمطرني بها يوميا فقد عمل كمية تكفى لعشرة مدعوين على شرفي لم يحضر أحدا منهم في ذاك اليوم؟ حيث حالت مباراة لكرة القدم بين فريق المدينة وفريق آخر لا أذكره لعدم شغفي في الكرة دون حراك أحد من بيته.. فقد وطئت قدامى أرض مدينة التجارة والبز نز، مدينة الأزياء والموضة،مدينة بغايا الليل والشواذ والجنس الثالث،مدينة العلم والعلوم فمن هندسة العمارة إلى هندسة الطائرة وعلوم الفضاء والذرة والأدب والقانون والاجتماع، مدينة الحب والجمال والغلاء والصخب، مدينة الرياضة وكرة القدم فلها فريقان عريقان يتصدران الدوري الأسبوعي..
إنها ميلانو في منتصف الربع الشمالي من دولة أخذت شكل جزمه شتوية لسيدة تزهو بها بين سيدات المجتمع داخل البحر المتوسط كشبه جزيرة،مدينة منبسطة تحيط بها جبال خضراء تتراءى عبر الأفق البعيد لناظر يمتاز ببصر قوى ثاقب..
مضت نصف ساعة كنت قد وصلت منتصف الشارع المكتوب في العنوان، كان مخرج محطة المترو الأرضي قد قادني إلى حيث وجدت يافطة نحاسية عفا عليها الزمن ولكن الكتابة بالأسود كانت واضحة تماما باسم الشارع فور صعودي إلى سطح الأرض، فلم يستدعيني التكلف بالسؤال عنه،فاتجهت صوب العمارة وضغط إبهامي على زر كتب عليه اسم جان كارلو فرد على مرحبا ونطق كلمتين فقط :الدور الثالث، دخلت متجها صوب الدرج فالدور الثالث لا يستدعى استخدام المصعد الكهربائي لشاب في الثانية والعشرين من عمره،كان يرقب باب المصعد عندما فاجأته من الخلف ناطقا باسمه، فالتفت مرتبكا فقد فاجأته حيث لم يتوقع..رحب بى وقادني إلى داخل الشقة وبدأ في استعراض مكوناتها ومدللا على الغرف المهيأة للسكن وكانت غرفتا نوم وضع في كل منهما سريران وكانت الغرفة الثالثة لوالدته الختيارة سنيوره لينا، ما تزال عفية البنية مبتسمة الوجه خفيفة الروح من شكلها الذي دل عليها ومن الوهلة الأولى كان تقييمى لها من بشاشة وجهها الذي يقفز منه نور غريب!!
قبل أن نكتشف بأنها أكثر من رائعة ثم الصالون والمطبخ وحمام وحيد ولكنه كان متكامل ومتسع. بعد اقتناعي بالأجرة الشهرية، ورخصها مقارنة بالشقق الأخرى ومكانها القريب من الجامعة فهي تبعد خطوات لا تتعدى خمس دقائق مشيا على الأقدام،المواصلات الميسرة السريعة المحيطة بالمكان حتى أن إحدى محطات القطار الفرعية كانت على بعد خطوات أيضا، فقلت وهل من تليفون سيدي فقال نعم وتستطيعون استخدامه فقد وضعت عداد حتى يسجل المتحدث مكالماته فلا يحدث مشاكل بينكما وهذه الفكرة اهتديت لها عن تجارب سابقة..! فابتسمت له قائلا سأجرى مكالمتين الآن وان لم نوفق بالسكن هذا فعلى من نسجلها؟؟ فقهقه طويلا وخرجت من قلبه الضحكات وربت على كتفي قائلا من زمن لم اضحك هكذا أيها الشاب طبعا سأوقعها باسمي جان كارلو وقهقه ثانية فاستبشرت خيرا من تلك الوجوه الطيبة المبتسمة فحتى أن سنيوره لينا شاركتنا الضحكات دون أن تعلم عن ماذا نتحدث،
وللحقيقة ما أن علم من حديثا ونحن ما نزال واقفين بعد باني فلسطيني حتى كاد وجه أن ينطق بلوعة وحنين إلى بيت لحم حيث مهد المسيح عليه السلام، فظهر واضحا بأنه من الأسر المحافظة، فقمت بالاتصال سريعا لصديقين يبحثان عن سكن مثلى فهي فرصة وتوفيق من الله فوافقا على الفور وخولاني بالتصرف، وفعلا تم حجز الغرف بعربون دفعته لجان كارلو حتى الغد لاستقدام الشباب والأمتعة وما شابه فأعطى لى مفاتيح الشقة والبوابة الكبيرة السفلية للمبنى على أن نلتقي غدا في وقت نتفق عليه ونكون قد جئنا بأمتعتنا..
في اليوم الثاني كان بانتظارنا وصنعت والدته سنيورة لينا لنا القهوة قائلة قولها المشهور وهو مثل قديم روماني فاصلها من مدينة روما وكان والدها يعمل في سراي ضخم لملك روما آنذاك، قالت: القهوة تشرب ساخنة ونحن جالسين ولا يجب أن نفكر بشيء آخر؟ فقلت لها وهذا يعنى بان لا نتحدث نهائيا ونحن في نشرب القهوة احتراما لها فقالت نعم وكانت جادة ومصرة على قولها المأثور فعلمت بأنها فعلا تنحدر من جيل آخر وما تزال تحافظ عليه، تماما كما يفعل كبار السن في بلادنا.. كانت سيدة فاضلة في الثمانينيات من عمرها وهى لا تعترف بسنها وتحاول أن تختصر سنوات كثيرة شأنها شأن جميع النساء في العالم، فهذه سبحان الله ميزة نساء الأرض وستلاحقهن في السماء إن لم أكن مبالغا لولا خلود البشر هناك لأقنعتكم بهذا…؟؟!!
كانت تلك الجلسة الأولى بداية ومدخلا للتفاهم على كثير من الأمور الهامة مثل حريتنا في التحرك والتصرف وهنا تدخل ابنها محاولا الظهور بان تلك الأمور لا تعنيه قائلا :كان قبلكم عمال عرب لم أرى في وجوههم هذه البسمة والثقة في حديثكم فقلنا جميعا هناك فوارق يا سيدي ما بين الطلاب والعمال فنحن غير منتجين ونعرف كبرجوازية صغيرة وهم يشقون ويكدون وينتجون لهذا تجدهم عابسي الوجوه آخر النهار..قطعت حديثنا الختيارة وهو الاسم الذي شاع بيننا على مدار سنتان تقريبا متجه بالقول إلى ابنها لو كان ابنك ما يزال حيا لكان في أعمارهم وبدأت في البكاء العنيف لم نرى مثله أبدا أو أننا لم نعتقد بأن هذا العالم المادي قد يبكى ويحزن مثلنا ونحن الذين نعطى للروح والمعنويات كل حياتنا.. واتفقنا على أننا أحرار بالتصرف وباستخدام المطبخ واستقدام الأصدقاء من كل لون!! على أن نحترم خصوصية الختيارة فلا نفتعل الضجيج أو نزعجها في غرفتها بعد العشرة ليلا حيث اكتشفنا لاحقا بأن شخيرها كان يسبق العاشرة دوما..فزدناه القول وهذا من اجل الجيران أيضا فنحن نعلم القوانين ونحترمها فلا عليكم بهذا.. وهكذا يوما بعد يوم بدأنا في التأقلم مع وجود تلك الختياره في غرفتها فهي لا تخرج منها إلا لقضاء حاجتها أو المكوث لوقت قليل في المطبخ وتبقى أمام التلفاز الذي ما زال أبيض واسود، كان يأتي لها ابنها ثلاث مرات أسبوعيا قبل أن نريحه من مشوارين على الأقل فاكتفى بالقدوم مرة واحدة لاحقا.. وأحيانا يعتذر منا لانشغاله فنغطى له الأسبوع كاملا عن طيبة قلب وخاطر، تدفعنا إليها حاجتنا الغريبة واستئناسنا بتلك الختياره، وشعورنا بنوع من أجواء الأسرة المفقودة.. فكنا نتسابق على تقديم السباغيتى وأحيانا بعض من قطع البستيك من لحم البقر حتى أننا وجدنا في كثير من الأحيان في ثلاجتها الصغيرة الموجودة في ركن قرب النافذة في غرفتها، قد تكدس الطعام فهي قليلة الأكل وحريصة جدا على صحتها، فكان طعامها اللبن والجبن وما نقدمه من سباغيتى ساخن تفرح به كثيرا..
اعتاد جان كارلو الحضور في الفترة الصباحية محضرا لها الفاكهة والطعام الذي لا يأخذ وقتا في التجهيز ويجالسها نصف ساعة ويمضى خارجا.. وهى تحضر بنفسها غذائها منتصف النهار تماما كما هي عادة أهل البلاد، فلا نراها في المطبخ أبدا لاختلاف المواعيد بيننا..وللحقيقة شعرنا وكأنها جدة لنا جميعا وفى يوم الأحد حيث العطلة الأسبوعية نستمتع مع ابنها بالحديث والاستشارات المختلفة، فلم يبخل علينا بشيء حتى في بعض خصوصياتنا وأسرارنا الشخصية ومغامراتنا كان لنا الناصح والمستشار، بحكم خبرته وسنه ودرايته، فأصبح لنا صديقا عولنا عليه كثيرا في بعض القضايا الهامة على المستوى الشخصي والعاطفي تحديدا،كان رجلا وصديقا بمعنى الكلمة..كان جان كارلو قد قارب على الثامنة والخمسين من عمره، يهتم بصحته وخصوصا بشعره حيث كان يضع الجل فيبدو لامعا، وبتسريحة دائمة قد اعتاد عليها تظهره في نهاية الأربعينيات من عمره.
تعرف على أصدقائنا ومعارفنا الذين كانوا صدفة ينامون عندنا.. ففي الصباح حيث يصادف وجوده يوم الأحد كان يعمل القهوة لنا بنفسه، ونجلس معا نتحدث بأمورنا، ومشاكلنا الدراسية وبقصص من مغامرات الأصدقاء مع الحسناوات فهذا قد فشل في تعليق واحدة من أسبوع يرمى بغزله دون فائدة.. وآخر سيذهب اليوم لمقابلة حسناء قد يبدءا مشوارهما معا.. وآخر مازال على العهد مع صديقته الشقراء لا ينطق إلا بالقليل عنها وهكذا.. نتحدث دوما بالسياسة ففي كل مرة يأتي بصحيفة الكورييرا دلا سيرا حيث الصفحة الخارجية، وبعناوين عن فلسطين أو العراق أو لبنان ونذكر جيدا عندما زار الراحل عرفات روما، واستقبله البابا لم يستطيع جان كارلو النوم حتى يعلمنا بذلك عبر التليفون وصوته يرقص طربا وفرحا..كان مناصرا لقضايانا بحزم وقناعة..تعرف على صديقاتنا وزميلاتنا في مناسبات متعددة فكان يروج لنا كثيرا وعن قناعته مازحا معهن بأنهن محظوظات فعلا عن ربيباتهن من الأخريات..!!،كنا ندعوه بيننا وفى أعياد الميلاد المسيحية كنا نقيم حفلة صغيرة لسنيورة لينا احتراما وتكريما لها،ندعوه بيننا ثم نذهب نحن ويمكث هو مع والدته منشرحين،فرحين،كأننا أسرة واحدة، كان منفصل عن زوجته منذ خمسة عشرة سنة وفاقد لولده الوحيد بحادث سير مروع، نجا هو وزوجته السابقة بأعجوبة،كان يقيم وحدة في شقته الصغيرة في القسم الآخر من المدينة..
جاء صيف حار وعلى ما اذكر كان في عام 1986 تأثرت به الختيارة كثيرا وبدأت في الظهور عليها علامات التعب والإرهاق، ونوع من الدوخة وعدم القدرة على المشي مما أضرها للمكوث على السرير ولم يمض وقت طويل حتى توفاها الله، وقد اكتشفنا ذلك صباحا..ماتت بهدوء لم تتعذب في مرضها، فقد كانت حتى الأمس تتكئ على عكاز أحضرناها لها في الآونة الأخيرة لأن الدوخة كانت تصيبها في أي لحظة..وقمنا بإعلام ابنها على الفور.. الذي بدأ فورا بعمل الإجراءات اللازمة من بلدية ومقبرة ونحن في ذهول من الأمر.. فقد عز علينا فراقها كثيرا وقمنا بمرافقة الختياره (رحمها الله) إلى مقبرة المدينة البعيدة حيث إست قلينا سيارتين من سيارات أصدقائنا، وسرنا خلف عربة البلدية المخصصة للموتى حيث ركب ابنها معنا وجاء آخرين من معارفه وأصدقائه ولكنه فضل أن يكون معنا.. ونحن وللحقيقة قد فضلنا أن يركب جوارنا وهناك بعد أن انهوا الصلاة عليها في كنيسة صغيرة بنيت خصيصا لهذا الغرض كنا ثلاثتنا ورابعنا جان كارلو،فقد تنحى جانبا أصغرنا سنا، لإفساح المجال لجان كارلو أن يأخذ مكان له لنمسك جميعنا بأطراف أربعة لحبال غليظة، تمسك تابوت خشبي من جهتيه الأمامية والخلقية يحتضن بداخله الختياره لينا، التى كانت على مدار سنتين بمثابة جدة للجميع وأكثر!! وبدأنا في إنزاله رويدا..رويدا حتى لامس أرضية القبر الذي حفر مسبقا وسحبنا الحبال وبدأت جرافة صغيرة جدا بإزاحة الرمل عليه حتى امتلأت الحفرة فأخذنا المعاول وبدأنا في تهيئة الرمل وتسويته ورش قليل من الماء طلبناه نحن لهذا الغرض، وغرسنا نبات أخضر عليه ونثرنا بعض الورود..كان المشهد حزينا والوقت يمر ثقيلا، وانسكبت منا الدموع الصادقة وامتزجت بالماء المرشوش على قبرها.. فكأننا ندفن جدتنا التى لم نراها في حياتنا أو لم نتمكن من المشاركة في جنازتها وطقوس الدفن والعزاء فقد توفيت جداتنا جميعا ونحن في الغربة، فقمنا بكل واجبنا تماما والألم يعتصر قلوبنا فقد كانت لنا أكثر من أم صديق لنا..فشعرنا كأننا في طقوس جنازة في بلادنا.. وبعدها أخذنا تعازي جان كارلو ودعوناه للبيت فورا وهناك عملنا القهوة السادة وتقبلنا التعازي من المعارف والأصحاب على مدار 3 أيام..كان خلالها جان كارلو بيننا والدموع لم تجف من عينيه حتى أصبحتا كالجمر وقبل أن يودعنا قال جملته التى لا تنسى: لم أتوقع أن أرى بعيني ولا بحياتي ملائكة على شكل إنسان..فانتم تستحقون الحياة لا الموت الحاصل لكم، والقهر الواقع عليكم..فما فعلتموه لا وصف له عندي ولا اعتقد أن أجد وصفا من آخرين هنا يوفيكم حقكم.. كان يتحدث وعيناه المحمرتان قد اغرورقا بدموع كانت تحمل أكثر من معنى؟ وأكثر من ثناء..؟؟
وفى اليوم الثاني كنا قد قررنا جميعا دون استثناء ترك الشقة نهائيا، فلم نتعود هنا أن نعيش بدون جدتنا!!فالمكان أصبح موحشا والهواء ثقيلا والفرحة قد اختفت ومضت إلى غير رجعة.. واستمرت علاقتنا لاحقا بالرجل الكريم والصديق الوفي الرائع عبر التليفون، وأحيانا في مكان نتناول فيه فنجان قهوة لنستأنس برأي أو مشورة في أمر يتطلب دراية وحكمة.. وهو لا يدخر قولا وتعريفا بنا إلى معارفه وشعبه فيقدمنا كملائكة تمشى على الأرض، هكذا كانت كلماته.. وما يعنينا من الأمر سوى ردة الفعل من شعب نعيش بينه ونأخذ من علومه وعلمه بأن يزداد حبا ونصرة لقضيتنا فنشعر بشعور لا يوصف من الفخر وبأمل يدفعنا نحو الرجاء والنصر..لقد دفنا سنيورة لينا هناك منذ اثنا وعشرون عاما وما تزال ذكرى الدموع في المقبرة خير شاهد.
حفيظة طعام
25 - 5 - 2008, 03:56 AM
هيســـــــــــــــــــتريا
بقلم محمد عطية محمود عطية
تدافعت أجسامهم.. تداخل ركضهم، حتى اعتلت سيقانهم ـ سابقة ولاحقة ـ طوار المحطة.. تدفع أيديهم، وتدافع عن وجه يتخفى خلف قناع..
كلل صخبهم العاتى، جبين صمت الليل البارد، المحلّق بصفير هوائه حول عربة الترام، المدركة لتوها محطتها التى كانت خاوية؛ لتتكالب ـ بغتة ـ كشلال صاعد أجسامهم.. تنحشر بباب العربة التى ارتجت على فراغها الا من متناثرين على مقاعد جلدية كالحة.. يلتحفون بصمت مكدود، ومعاطف وشنط، وأشياء أخرى، وأيد مكتوفة على صقيع أبدانها.
تدافعوا فى جوف العربة، محتشدين بصياحهم وعويلهم المتنامى، مختلطآ بضحكات ماجنة.. شاخصين ب (جاكيتات) مرفوعة الياقات، وأعناق تلتف حول بعضها التلافيح، ورؤوس تغطيها طواق صوفية تختفى فيها الآذان، وأخرى عارية مهوش شعرها، وقصير، ويستطيل بعضه حتى يبلغ الأكتاف.
توغلوا بزخم خانق لروائح تدخين سجائر، مختزنة، تسكن الأبدان.. تنطلق مع الأنفاس الملتهبة..
تجلت وجوههم، النابت فيها زغب حائر والأخرى المنذرة بلحى بكر، بانفعال.. برود.. احمرار.. اصفرار، وعيون يتطاير منها شرر عابث، وأخرى خابية تترقب.
تقافزوا حول قناعهم، الذى بدا وحشيآ غارقآ فى سواده، ثم أفسحوا له طريقآ ؛ كى يفغر فاهآ عميق الظلمة، وتبرق من خلال عينيه المعتمتين نقطتا ضوء.. تتلاشيان مع ضوء العربة الخافت.
تمايل برأس ضخم متهدل، وانطلق يبادلهم صراخآ عاتيآ، خلف أجسامهم المهرولة، نح والمقاعد الخالية.. تفترسهم قهقهات ماجنة تنتفخ لها عروق رقابهم وجباههم. تنططوا على المقاعد صارخين.. يستطلعون الهلع البادى على وجوه ساكنى العربة، الملتزمين أماكنهم ملجومين.
باغتت يد أحدهم، متسللآ من مؤخرة العربة ؛ لتنزع بخفة، القناع عن وجه بدا مع اشتعاله بالاحمرار والعرق الغزير، أليفآ مستأنسآ، أصابته دهشة ـ مختلطة بوجل ـ فكشَّر عن أنياب صغيرة، ومضى متلهفآ على وجهه المستعار، الذى صاروا يتقاذفونه بين أيديهم ساخرين، ثم انتفضوا ـ على حين غرة ـ بقهقهاتهم الصارخة وولولاتهم، وهاجوا وماجوا، وانطلق صياحهم كالرعد، والتفوا حول بعضهم متلاحمين.. يخبطون بأكفهم جدران العربة بقوة صارخين فى سائق العربة، المتسارع بها وبنظراته المرتعدة المتلفتة، آمرين بوقوف قسرى مفاجىء، قبل وصول العربة محطتها التالية…
عواطف عبداللطيف
5 - 6 - 2008, 03:57 AM
محبرة تنتحب
عبد الوهاب العريض
عِنْدَمَا يَغْتَسِلُ الصُّبْحُ مِنْ شَفَةِ القَهْوَةِ، أُمْسِكُ الحَرْفَ النَّازِفَ خَلْفَ المِحْبَرَةِ،
أَنْظُرُ بَعِيدَاً لَعَلِّي أَتَعَثَّرُ بِرَائِحَةِ الفِنْجَانِ الَّتي خَلَّفَهَا المَسَاء.
**
كَانَ اللَّيلُ طَوِيلاً، وَ النَّهَارُ يَنْسَحِبُ مِنْ بَيْنِ الأَصَابِعِ كَقَطْرَةِ مَاءٍ خَلَّفَهَا نَهْرٌ عَابِر.. هَمَسَ الوَقْتُ فِي جَيْبِهِ فَأَخْرَجَ مَا تَبقَّى مِنْ المَحْبَرةِ.
**
صُرَاخُ طِفْلٍ نَائِمٍ يُوقِظُ جَسَدِي فِي الصُّبْحِ، وَ العُيُونُ الَّتي تَجُوبُ المَكَانَ بَحْثَاً عَنِّي أَصْبَحَتْ تُؤلِمُنِي
كَمْ يَتَعَلّْقُ عُمْرِي بِهَذِهِ النَّظْرَةِ التَِّي مَا عُدْتُ أَرَاهَا مِن سِوَاه.
**
في عُيُونِهِ لَمْحَةٌ مِنْ بُكَاءْ.. وَفِي وَجْهِهِ بَقَايَاً مِني حَمَلَنِي بَيْنَ كَفْيّهِ، عَلَّقَ اللَّوْحَةَ فِي الجِدَارِ وَنَسِيَ أَنْ يَضْرِبَ المِسْمَاَرَ فِي جَسَدِي.
ضَحَكَاتُ عَيْنَيْهِ تَكْشِفُ عَنْ سَذَاجَتِي أَحْيَانَاً، وَ لمَعَانٌ يُشْعِرُنِي بِأَنَّهُ لاَزَالَ يَنْتَظِرُ عَوْدَتِي.
**
كَانَتْ الجُمُوعُ مُحْتَشِدَةً لَحْظَةَ الوَحْشَةِ.. الكُلُّ يَعْبُرُ، وَ الْكُلُّ يَرْحَلُ.. أَسْنَدنِي مِنْ جَنْبٍ ..كَانَ يُوجِعُنِي وَ رَاحَ يَشْهَقُ فِي البُكَاءِ.. حِينَهَا عَرَفْتُ بِأَنَّهُ مَازَالَ يَحْمِلُ قَلْبَ طِفْلٍ بِحَاجَةٍ لِحَنِينٍ أَكْثرَّ.
**
كَانَ الجِدَارُ يُسْنِدُنَا.. ثَلاثَةٌ اتَّكَأَ الصُبْحُ عَلَى أَرْجُلِهِم، وَمِنْ بَيْنِ عُيُوِنِهِمْ اخْتُزِنَتْ الدُّمُوعَ.. مَنْ كَانَ يَنْظُرُ هُنَاكَ يَعْرِفُ بِأّنَّهُم لاَزَالُوا يَشْهَقُونَ بِالبُكَاءِ وَ النَّحِيبِ المَنْسِي.
**
عَيْنَاهَا حَمَلَتْ صَمْتَ المَدِينَةِ، وَ فِي وَجْهِهَا قَلَّبْتُ كُلَّ اللَّحَظَاتِ
قَاوَمْتُ بُكَاءَهُ كُلَّ اللَّيَالِي، وَ حِينَ حَضَرَ عَانَقَتُه وَ بَكَتْ،
لَمْ تَسْتَطِع مُقَاوَمَةَ اللَّحَظَاتِ، فَرَاحَتْ تَهْرُبُ دَاخِلَهُ وَ تُخْفِي صَمْتَهَا،،
تُخْفِي بُكَاءَهَا بِشَهِيقٍ لَا يَنْتَهِي.. وَ حُلُمٍ لَا يَتَوَقَّفْ.
**
مَنْ قَاوَمَ النَّوْمَ فِي جَسَدِهِ هَذَا الصَّبَاحْ ؟ حَمَلَ جَيْبَهُ وَ الْقَلَمَ وَ عَبَرَ بَيْنَ المَرَايَا كَغَرِيبً جَرَّحَتْهُ المَرَايَا الصَّقِيلَةِ لِلْأَبْوَابِ المُوَارَبَةِ فِي ذَاكِرَتِهِ.
حفيظة طعام
24 - 6 - 2008, 01:57 AM
قصة ، من : سها جلال جودت
حين استلقت الحجارة هياكل للصمت ليس إلا ! كان السؤال ؟ خرج من فجوة الزمن مسحوقاً مثل أثر مشوه، كان محتضناً تحت طيات الأرض يبحث عن الينابيع التي جففتها رغائب الحياة الممجوجة بالسقم وبالأنا المريضة وبعظمة السلطة وصولجان الحاكم .
فردت بطاقات الحياة دفاترها، ورقة، ورقة، كانت ألوانها منغمسة بأرجوان الحقول وببنفسج البساتين وبزهر الكرز واللوز، استفاقت الذكرى والتهبت أحداق العيون وهي تعبر الشارع العام المؤدي إلى ميناء الوعد وهدايا القلب المعطر بأريج اللهفة والكلمة المصنوعة من شموع الروح، كان بانتظارها يقف عند رصيف الساحة الخضراء، أسرع نحوها ملهوفاً، حمل عنها بعض حاجاتها وابتسم في وجهها، منحته ابتسامة بلون صفاء السماء، "ها قد جئت " أجابها بعد أن احتضن بذراعه خصرها الناحل الجميل : ما أعذبك أيتها المعشوقة للأبد!
سرى عبق العذوبة المخملية في تكوينها الساحر المصنوع من شمع العسل وبدت مثل حورية قذفتها الجنة لتمشي إلى جانبه على سطح الأرض ودخلت البيت، سألته عن أشياء تركتها، تجاهل السؤال وغمزها بعينه، ارتعشت أهداب عينيها وزاد وجيب قلبها وانثالت في داخلها هذه الأشواق التي حبستها فمالت برأسها وقد طفت حمرة الشقائق على الخدين تزيد من توردهما فحملها ومشى بها مخموراً بلقائها الذي كان يعده بالدقائق والساعات والأيام والأسابيع هكذا قال لها، ووضعها على السرير، فسألته وشعرها الطويل ينساب على وسادتها فيغطيها :
ـ هل بدلت الستائر؟
قفز إليها وضمها إلى صدره، أبعدته عنها وكررت ذلك السؤال، انتفض مثل نمر غاضب وحدق في وجهها، شعور غريب تسرب إلى أعماقها، أرهبتها هذه النظرة القاسية، فأصلحت من شأنها وتكورت مثل قطة برية وذلك الزائر الغريب يسيطر عليها، يلح في داخلها، أين ستائرك القديمة ؟ أين الكراسي ؟ هنا كانت تقبع جرة أثرية، وهناك كانت توجد خزانة للتلفاز، أين أصص الزرع التي كانت تحتوي على زهرة عباد الشمس، أين شجيرة الحب؟ أين وأين؟
السؤال في الذاكرة الخائفة يفح مثل أفعى وهو بصوت أنفاسه المتسارعة ينب مثل أرنب فتشم الرائحة، رائحة الغدر والخيانة، فيضج الصوت الذي قال : النمرة غلط ! تضغط على الأرقام ذاتها، هل يخطئ الإنسان في رقم هاتف بيته ؟ من غير الممكن أن تنسى رقم العمر، هل أخطأت إصبعها ؟ ربما كان الشوق، وربما كانت العين التي زاغت، تركت ما ثار في جعبتها من أسئلة وانتظرت حتى تعود وحين عادت نهضت من سريرها، مشت نحو المطبخ حين دخلت شهقت ثم صرخت بصوت عال :
ـ أين الثلاجة والفرن؟
حاولت أن تكبح جماح غضبها لكن مكابح الأعصاب التي استنفرت احتقنت بدم من الثورة فهاجت الكلمات والتجريحات، وبكلمة واحدة تختزل الزمن قال :
- لأني طلقتها، بعت تلك الأشياء.
اختنقت العينان الصارختان وجعاً وسؤالاً عج في القلب المصاب :
- لمَ فعلت هذا؟
باحت الأشياء عن صفقة خاسرة، وتناوبت ضربات الصدمة على الرأس الذي سرت في أحشائه سخونة الجنون، أغترب من أجل بناء قصر الحب فتتحول إلى شهريار مريض، أقنن على نفسي فتسرف في تبذيرك على زواج تم بعقد عرفي، تتناولني المسافات، يحضن قلبي البارد الغربة التي وطنت عليها أشواقي وآمالي وأنت تتنعم على سريري لتبيع تاريخي، أي بشري أنت؟ دعك من الحجج الواهية، شبعت تمثيلاً وغناءً كاذباً، لا ، لن أرضخ إلى متاريس شعوذة كلماتك، أخرج من بيتي، لقد مجك قلبي !
بين ضباب سحب دخان سيكارته قال لها :
- ولكنه بيتي، أنسيت التوكيل؟
دارت بها الدنيا، ثقب الأوزون انتشر بين جدران الحياة فكادت تقع، استندت على طرف المنضدة الصغيرة وحنطت نفور القلب بشمع العسل وجلست ساهمة لا تعرف بأي المطارق ستكسر داء اللحظة بل اللحظات التي مضت.
لم يتحول النهر عن مجراه لكن شحاً في مياهه ترك المسافات الطويلة متخندقة والقلب المحنط لايني يبكي كلما هاجت في داخلها الذكرى " أسافر من أجل الجني فتهلك بذار الأرض، أأتمنك على ما أرسل فتكتب في غيبة عني عقدين، أي القلوب يحتويه صدرك المكشوف ؟ ".
ترتمي صيحات الأوراق عند حافة النهر ورويداً رويداً تبهت كل الأشياء ولا يبقى غير الأنين والنظرة التي تستجدي العطف والمسامحة أمام نكران لجميل ظل مثل حبل شائك يحيط بسوار القلب حتى حلّ المرض العقيم فيتوسل بخشوع ورجاء مستعطفاً القلب المحنط في أن يغفر، يسامح .
عند خندق الرحيل انهارت عظمة الأنا وقبل أن تسقط آخر الأنفاس في لجة من سعير الألم قال لها :
- لقد أعدت لك حقك في ملكية البيت، بقي أن تعطيني حقي في قبلة من سريرة قلبك الصافي .
2/3/2005
حفيظة طعام
24 - 6 - 2008, 02:15 AM
على موتها أغني» قصص يسري الغول... اللغة الشعرية وهاجس التجديد
محمود شقير الحياة - 29/04/08//
يكتب يسري الغول قصصه بلغة شعرية تحمل على الاعتقاد أن أغلب هذه القصص هي نصوص، تتبوأ اللغة فيها المكانة الأولى، وهي إلى ذلك تتميز في الكثير من الحالات بقدر من التكثيف يجعل الشريط اللغوي فيها مضغوطاً إلى أقصى حد ممكن. ويتبدى الهم الفلسطيني على نحو أو آخر في عدد من قصص المجموعة، ولا تتم متابعة الحدث هنا بالطريقة المألوفة التي اعتادتها القصة التقليدية. ثمة منحى تعبيري في الكتابة، ومن خلاله تظهر بعض تفاصيل المعاناة الفلسطينية من الاحتلال.
يتكرر ظهور المخيم في عدد من قصص المجموعة، إنما ليس بالطريقة التي يظهر فيها المخيم ظهوراً واقعياً، بتفاصيله وملامحه الدالة عليه، كما هو الحال في القصص الواقعية التي كتبها قاصون فلسطينيون في مرحلة سابقة. يظهر المخيم في قصص يسري الغول مشخصاً بالقليل من التفاصيل حيناً، ومجرداً حيناً آخر، باعتباره واحداً من المؤشرات التي تنبئ عن الموضوع الفلسطيني.
ويتكرر ذكر الموت في عناوين بعض القصص وفي متونها، حتى لا تكاد قصة واحدة تخلو من ذكر له، وفي بعض الأحيان يجري إقحامه في القصة من دون أن يكون ثمة مبرر لحضوره أو لذكره، وإنما هو يأتي من خارج السياق، كما في قصة «فتاتان برائحة الغربة» حيث جاء في نهاية القصة ومن خارج سياقها تماماً وعلى نحو غير مبرر الآتي «هما ذكرى مرت من هنا، بجوار قلبي الذي ذاب بعد ذلك الحديث إلى حبيبة ماتت بعد العودة إليها بقليل».
ولا بد من ملاحظة المفارقة الكامنة في عنوان المجموعة، الذي هو في الوقت نفسه عنوان القصة الأولى فيها، حيث يجتمع الضدان: الموت والغناء، تحت سقف واحد. وهذا بدوره واحد من المؤشرات التي تنبئ عن طبيعة الوضع الذي يحياه الفلسطينيون، حيث الموت من جهة والإصرار على الحياة من جهة أخرى. فإذا أضفنا إلى ذلك كله، تكرار ذكر المنافي والسجون والتشرد والهزيمة والنصر، فإن الدائرة تكتمل، ويصبح الموضوع الفلسطيني هو الهاجس الرئيس في هذه المجموعة القصصية.
والموضوع الفلسطيني لا يظهر هنا معزولاً عن الهموم الخاصة لشخوص القصص. ثمة تداخل بين العام والخاص، وهو يضفي على القصص مزيداً من الحميمية والصدق. يظهر ذلك على سبيل المثال لا الحصر، في قصة: «زوجة عابرة» على رغم ما فيها من غموض لا يحسب لصالحها. وحينما لا يكون ثمة ذكر للموت في قصة من قصص المجموعة، ولا يكون ثمة جنود يمارسون العسف ضد الفلسطينيين، ونكون أمام قصة حب بين رجل وامرأة انتهت بالكراهية وبالفراق، فإن المفردات الدالة على الاحتلال وعلى الموت، تحضر هنا لكي لا نبدو بعيدين عن الوضع المهيمن على أجواء المجموعة. فالكاتب يصف سقوط المطر في قصة «هواجس النهاية» على النحو التالي: «يبدأ المطر بالسقوط، وقذيفة تلو أخرى تبللني، تدك ملابسي حتى أغرق قبل أن أصل الخطوة السادسة».
ويتجلى الموضوع الفلسطيني على نحو آخر في قصة «ظلال الرجال» حيث تستمر اللغة الشعرية في تدفقها عبر السرد بضمير الأنا، وتتخذ القصة من مظاهر الطبيعة المختلفة ومن طقوس الموت والميلاد، رموزاً لهذا الموضوع وما فيه من هجرة ورحيل، وموت واستشهاد، وتشتت وانبعاث.
ويجري السرد في عدد من قصص يسري الغول على إيقاع الجمل الإسمية التي يبدأ بها القص، ثم تليها الجمل الفعلية المبدوءة بالفعل المضارع، ما يهب الحالة الموصوفة حضوراً حياً، وكما لو أنها حالة راهنة تتبدى أمام عيوننا عند لحظة التلقي. يظهر هذا بوضوح في قصة «صخرة الجلمود» وهو عنوان ثقيل الوطأة غير شاعري، وإن كان المقصود منه الإيحاء بالصمود والثبات. في هذه القصة ذات المنحى التعبيري الموشى بالرموز، نبدو منذ السطر الأول كما لو أننا أمام حالة أسطورية ذات بعد تراجيدي: «المدينة روح وريحان. القلعة ضوء شاحب. أجزاء مهدمة. يدخل الرجال بحذر متوجسين بينما يرسل الآخرون هداياهم لسيد البحر. يلقون بالجثث الميتة للحيتان الجائعة. يمرون بسيوفهم أعلى التل».
أحياناً، يبدو التمرد على طبيعة الحياة في المخيم سلبياً، حيث يقرر بطل قصة «طائرة لحرمان قديم» السفر وعدم العودة إلى المخيم، وهو يكذب على الفتاة الجالسة إلى جواره في الطائرة قائلاً لها إنه سيراها لاحقاً في مسقط رأسه، وهو موقن بأنه لن يراها لأنه لن يعود. في حين نرى العكس تماماً في قصة «المسافر» حيث يعود الشاب من السفر مدفوعاً بالشوق إلى وطنه، وقبل الوصول إلى منزله في المخيم تصطدم شاحنة بالسيارة التي تقله، فتقتله ويموت. هنا يحدث الموت بالمجان، وبالصدفة المحضة! وهو الأمر الذي يثير الانتباه في زمن يكثر فيه القتل عمداً وعن سابق قصد وتصميم!
وفي أحيان أخرى، تغري الكاتب وفرة المآسي التي يتعرض لها الفلسطينيون، فيعمد إلى مراكمة عدد منها في قصة واحدة، في حين تصلح كل واحدة لكتابة قصة أو أكثر عنها. ففي قصة «عريس آخر النهار» ثمة طفل يقتل ويدفن بجوار أبيه، والبيت يهدم والأسرة تعيش في خيمة، وثمة صراع مع المستوطنين، والمستوطنون راغبون في تدمير كل ما جاورهم من ثكنات سكنية للفلسطينيين! هذه كثرة غير مبررة فنياً، وهي علاوة على ذلك وقائع معروفة للقارئ، إنما يقدمها الكاتب للمتلقي في حلة من الكتابة النصية ذات اللغة الشعرية، التي لا تخلو من جمال حيناً ومن مبالغة حيناً آخر.
يمكن العثور في هذه المجموعة على تجليات للبلاغة الزائدة وللإيغال في اللغة الشعرية، التي قد لا تحتملها القصة القصيرة. مثلاً: «نشوة من الغريزة تتعثر في الأجساد المتخمة بألم شريد»، ومثلاً: «الليل سيمفونية تعزف ألحان الخوف لرهبان النهار»، ومثلاً: «خطوات تنبعث كإيقاع مع ريح هوجاء كللت سكون المكان بالأرق».
ولعل قصة «رسائل باهتة» أن تكون خروجاً بيناً على النمط الكتابي الذي وسم هذه المجموعة القصصية. حيث لا نجد هنا لغة شعرية طافحة ولا بلاغة زائدة. نحن هنا أمام قصة تتخذ من الرسائل أسلوباً لها، وهذا نمط شائع ومعروف. السرد هنا واقعي متخفف من اللغة الشعرية. ثمة عرض سلس لقضايا معروفة: مصادرة الأرض، الاجتياحات وحظر التجوال المرافق للانتفاضة الثانية، مجابهة العدو من دون خوف أو وجل، تشتت الأسرة الفلسطينية بين الداخل والخارج جراء الإجراءات الإسرائيلية الجائرة، العودة إلى الوطن وتحمل العسف في سبيله.
ربما كان الجديد في هذه القصة، إظهار ساعي بريد يحمل الرسائل الثلاث التي تتكون منها القصة، باعتبارها رسائل وصلت إليه بحكم وظيفته، وهو يسعى من أجل تسليمها إلى أصحابها.
وتندرج في الإطار نفسه قصة «لبنان الجرح»، فهي قصة نبيلة المقاصد، غير أنها أقل قصص المجموعة حظاً من التميز الفني. قصة مباشرة ولغتها إخبارية تسعى إلى حشد أكبر قدر ممكن من وصف العدوان الإسرائيلي على لبنان، والتحريض ضده واستعداء الناس عليه.
«على موتها أغني» منشورات مركز أوغاريت للنشر والترجمة، رام الله، 2007
حفيظة طعام
24 - 6 - 2008, 02:19 AM
القصة بعنوان : كل شيء يحترق!!
للقاص : طاهر الزهراني
كل ماهو حولي ممل ، وشمس جدة تضربني بسياطها التي لا ترحم وتحتي أرض تغلي كحميم جهنم وعن يميني وشمالي أجسادٌ منتنة وعرق يسيل دون توقف !!
شوارع مدينتي ملتهبة وعرباتها تتناكح علانية والكلمات البذيئة تقرع الأسماع المليئة بالشمع العفن !!
....
صعدت المقهى ( قهوة النجدة ) سابقاً أو ( قهوة السطوح ) أو ( قهوة باب شريف ) في مديني كل شيء عزيز لهذا تكثر مسمياته !!
بعض الوافدين الذين حرقتهم شمس إفريقيا مضطجعين على السرر المفتولة فوح الجثث يأتي بالغثيان ...
عم صالح أحضر لي الشاي التلقيمة المحروق وأحضر النرجيلة ذات الرأس الملتهب ....
شرعت في الكتابة في ذالك المكان ثم وضعت القلم جانباً وفضلت النظر في ( المروحة ) القديمة وحركتها الرتيبة ، شجرة (النيم ) التي فوقي تحمل أغصاناً ميتة من عقود ، فجأة نزل منها عنكبوت صغير التقط الذبابة التي وقعت في كوب الشاي والتي غمستها عدة مرات وألقيتها على الطاولة الصدئة أخذها ثم صعد مرة أخرى إلى الشجرة ، أسمع احدهم يغني في الحمام ويتوقف ليلعن البلدية التي صادرت بضاعته ويتوعد انه سوف يبيع ( العرق ) أو يشتغل ( دبوس ) و( ينيـ.......) عار الذين صادروا بضاعته ....
.....
أخذت نفساً عميقاً من النرجيلة ....الطعم متغير ...نظرت إلى ( الحجر) فإذا عليه بعرة ( نشوق ) قد رمها احدهم ، لعنته ولعنت المقهى ولعنت المدينة .....وخرجت وفي داخلي كل شيء يحترق !!!
حفيظة طعام
31 - 7 - 2008, 12:27 AM
حوار بالدم!
مصطفى إبراهيم
30/7/2008
لم تستطع سرين ابنة التسع سنوات النوم بعد سماعها الانفجار الضخم الذي هز أرجاء مدينة غزة، خاصة أن لها تجربة سابقة مع الانفجارات والاشتباكات في الأحداث الداخلية وفترة السيطرة العسكرية على غزة، بالإضافة الى رعبها الدائم من الانفجارات الصوتية التي كانت تصدرها الطائرات الحربية الإسرائيلية، وزاد قلقها وخوفها بعد معرفتها أن من بين الشهداء الطفلة سرين الصفدي، التي قضت في الانفجار الدموي يوم الجمعة الخامس والعشرين من تموز( يوليو) 2008.
ظلت قلقة وتسأل عن السبب ومن وضع العبوة في وسط المصطافين، وأخذت تتخيل المشهد المرعب، وتقول ماذا كان سيحصل لو ذهبنا اليوم الى البحر، ووضعت لنفسها سيناريو لمحاكمة المجرمين، ومعاقبتهم أمام ذوي الطفلة الشهيدة.
سرين، وغيرها من الأطفال يعيشون تجارب قاسية وسيئة، ويمرون بتجارب مخيفة خارجة عن إرادتهم، ويُقحمون في الخلافات والصراعات الحزبية المقيتة من دون أن يكون لهم أي ذنب، سوى أن قيادة الشعب الفلسطيني تدمر مستقبلهم وقضيتهم.
سرين تعيش التجربة السيئة مرة أخرى، تستيقظ من النوم فزعة على صوت الانفجارات وإطلاق النار خلال اليومين الماضيين، وتسأل ولا استطيع الإجابة، وتشاهد المقنعين المدججين بالسلاح وهم يدهمون المنازل لاعتقال أعضاء من "فتح" من جيرانها، وتسأل مرة أخرى لماذا تقوم "حماس" بذلك هل هؤلاء هم المسؤولون عن الجريمة؟
الجريمة التي ارتكبت على شاطئ غزة نكراء ومدانة، ومستنكرة من جميع الفلسطينيين، ومن ارتكبها خارج عن الصف الوطني والأخلاقي، والأجهزة الأمنية مطالبة بالكشف عن الجناة وتقديمهم للقضاء، أما أن توجه الاتهامات من حركة "حماس" إلى حركة "فتح" بالشكل التي سارت عليه الأمور في قطاع غزة خلال الأيام السابقة، فان هذا يدل على نية "حماس" اجتثاث "فتح" من جذورها من خلال العمليات الانتقامية والثأرية التي نفذتها في حق "فتح" ومؤسساتها وأعضائها.
ما جرى ويجري في القطاع من اعتداءات خطيرة على الحقوق والحريات العامة، يشكل تحدياً خطيراً للمجتمع الفلسطيني في اتجاه الدفاع عن تلك الحقوق التي عمدها بالدم، فالانتهاكات التي وقعت في القطاع من عمليات دهم المنازل وتفتيشها من دون احترام القانون وعدم الالتزام بما ينص عليه في مثل هذه الحالات، والاعتداء على مؤسسات المجتمع المدني ودهمها ومصادرة محتوياتها بحجة أنها تتبع حركة "فتح"، فهل إغلاق الجمعيات الخيرية والثقافية والاجتماعية والشبابية يخدم إلقاء القبض على المجرمين منفذي جريمة الشاطئ؟
ما جرى ويجري اثأر الرعب والخوف في صفوف المواطنين، الرعب من تكرار جريمة الشاطئ، والرعب الذي تلاه أثناء حملة الدهم والاعتقالات والاعتداءات الجسدية والنفسية والمعنوية على المحتجزين، والتعذيب الذي خضع له البعض منهم أثناء الاحتجاز والضرب الشديد والمبرح خارج مراكز التوقيف، ما شكل تعدياً واضحاً على القانون ومساً خطيراً بكرامة الإنسان.
المراقب يلاحظ الخوف والرعب في وجوه المواطنين والحركة القليلة في الشوارع، وعلى شاطئ البحر، وما تقوم به "حماس" في القطاع من إجراءات غير قانونية في دهم المؤسسات والجمعيات ومصادرة محتوياتها بالكامل دليل على ردة الفعل الانتقامية، وتصريحات د. الزهار أنهم سوف يفحصون السجل الأمني والأخلاقي لتلك المؤسسات مناف للقانون، إذا أن عدداً كبيراً من تلك الجمعيات والمؤسسات تعمل وفق القانون وأجرت توفيقاً لأوضاعها في ظل الحكومة المقالة.
حدثني د. رياض الزعنون عن اقتحام مجلس أمناء جامعة الأزهر ومصادرة جميع محتوياته بما فيها النوافذ والأبواب، وقال: "الوطن مؤسسات ومواطن وكرامته والأرض من دون الإنسان وكرامته لا تساوي شيئاً".
فالحالة الأمنية والثأرية المسيطرة على "حماس" لا تجلب إلا مزيداً من أعمال الثأر والانتقام المسيطرة على طرفي الصراع في فلسطين، ففي رد فعل متوقع قامت الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية بحملة دهم واعتقالات في بعض مدن الضفة الغربية المحتلة طالت عدداً من قيادات "حماس" في منطقة نابلس وغيرها وعدداً من الصحافيين، واعتقال د. عبد الستار قاسم الأكاديمي والكاتب.
وكانت صادرت في السابق وأغلقت عدداً كبيراً من المؤسسات والجمعيات الخيرية في الضفة المحتلة.
الأخبار تتوالى في كل لحظة عن قمع وملاحقة كل طرف للاخر، وإغلاق المؤسسات التابعة له. حال من الخوف والجمود وأعداد المعتقلين في تزايد، حتى أولئك المفرج عنهم من قبل الطرفين تحدثوا عن الاهانات والتعذيب الذي تعرضوا له من دون سبب، إلا كونهم ينتمون لهذا التنظيم او ذاك.
ما يجري على الساحة الفلسطينية هو مناكفات وصراعات على سلطة بائسة لا تستطيع حماية مواطنيها.
في القدس يُشرد الفلسطينيون من منازلهم وتهدم، وطرفا الصراع ينهشون بعضهم بعضا، وفي نعلين يُقتل طفل في معركة الدفاع عن الأرض والكرامة، وهم يقتلون بعضهم بعضا.
ما يدور على الساحة الفلسطينية يتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان، ومع اخلاق الفلسطينيين، الذي يصر البعض ان تداس كرامته، فالخلاف السياسي القائم لا يبرر قتل الفلسطينيين ودوس كرامتهم وتهديد حياتهم، ومعالجة الجريمة التي وقعت في غزة تستدعي تضافر كل الجهود لالقاء القبض على الجناة وتقديمهم للعدالة، وكذلك تدق ناقوس الخطر وضرورة البدء في الحوار والمصالحة الوطنية الشاملة.
فحركتا "فتح" و"حماس" مسئولتان عما يجري في الساحة الفلسطينية، وعن الأطفال الذين يزرعون فيهم الخوف والكراهية، والحقد، والظلم لهم ومن المستقبل الغامض الذي ينتظرهم.
Mustafamm2001@yahoo.com
- انتهى-
حفيظة طعام
4 - 8 - 2008, 12:24 AM
وبينها شيءٌ ينتفض
نجلاء صبري
من عمق نومها المخضب بدموع القلب؛ تجتاحها اليقظة، تنهض من مرقدها ساندة ظهرها على تلك الوسادة الناعمة، تمد يدها لتلتقط نظارتها وتضعها فوق عينيها المجهدتين، تنظر مليا للمرآة المقابلة لسريرها فلا ترى شيئا، تحاول مليًا أن تركز فى المرآة كي ترى صورتها فلا تراها، ينتابها القلق وتخلع النظارة فاركة عينيها بأصابعها، محدثةً نفسها: لعله النوم ما زال يوشح عيني. تنتبه كيف ترى المرآة ولا ترى صورتها... ما الذي يحدث لها؟
تمد يديها أمام عينيها فتراها، ترفعها لتتحسس جسدها فتجد كيانًا هلاميًا، وكأنه وجود افتراضي يسمح بمرور يديها الى داخله، فتفزع... تخرج يديها مسرعة فتجدها سماءً مملوءةً بنجيمات تلمع بالدموع الحمراء، يصاحبها صوت لم تميز كونه موسيقى أم انتحاب، ربما كان خليطًا من الحالتين.
تحاول إعادة النظر إلى مرآتها مرة أخرى فيدهشها ما ترى.. لا وجود لها فى حجرتها، ولكن هنالك شاطئ وبحر وجو؛ غائمًا، وقليل من البرودة.. تراها هناك جالسة القرفصاء، وهو يجلس أمامها مباشرة، وبينها شيء ينتفض.. شيء صغير بحجم كف اليد يميل لونه للأحمر القاني، ولكنه يشع نورًا غريبًا، ويصدر منه صوت أميل إلى صوت عينيها في حالة الشجن العميق.
تنهض قليلاً وتقترب أكثر لعل الرؤية تتضح، تحاول مليًا أن تفهم ما الذي يحدث لها، ومن أين جاء البحر بمرآتها، ولم هو هنا بينما تبعده عنها آلاف الأميال؟ وما ذلك الشيء النابض بينها؟
تقترب أكثر وأكثر وتنصت السمع لهما، فهنالك حوار يدور، ووعيها المشوش يخبرها أنه من الأهمية بحيث يتوجب عليها ألا تجترح وجودهما بوجودها الهلامي. تقترب قليلا قليلا فتتوحد وإياها، لتسمعها تقول له: ( ألم أخبرك من قبل أن طرق السعادة قد تكون هي طرق الجراح، وأن كل شيءٍ في الحياة يحمل الضدين ونحن لا ندري، ما يسبب لك التعاسة يومًا قد يجعلك تبتسم لاحقا، وما يفرحك حقًا قد يجعلك مثخنا بالآلام بعد حين. الحياة لا أمان لها يا عزيزي، وكياننا مزور بقدر الحقيقة. أفكارك المطلقة حبيسة حارات تجاربك، والتجربة مشاكسة حية بين لاوعيك وانسحابك من الإبحار داخلك. كيف ستشعر بوجودك إن لم تعاكس ريح الاعتياد وتشعر بلطمات اليقين على طرقات خدك، من سيحصد نتاج تيهك وتيهي ليطهو منهما كعكة تحصن العاشقين ضد الضياع.
ينظر إليها ويبتسم ويقول لها: "تلك هي الحقيقة، وعليكِ أن تصدقيني".
تشرد بعيدًا عنه بنظراتها حيث المدى يمتد إلى بحر بلا أشرعة تسكنه، ولا نوارس ترقص فوقه رقصة الحضور والغياب. تحاول أن تتحسس صدرها بيديها وهى ممتده اليقين نحو ذاك البحر، تخبره بصمت: "ها أنا أقول لك الآن، ليس هذا الزمن بزمني، ولا تلك الأرض بأرضي، يومًا سأرحل حيث الشطآن تملك نبض عيونى، وبعض من يقين. هنالك سأفترش رصيفًا يتوسط الوجود وأنثر عليه الكثير من أسراري، وسأنشد بقيثارة نبراتي، من يشترى مني يقيني مقابل سره؟!!
هل تعلم يا منية الفؤاد، من يهبني سره لأحوله الى يقين؛ سأمنحه قُبلةً من ذاتي، سأتلذذ بمنحه هبةً من الإنسانية تجعله يرفع وجهه للسماء دائمًا، ويبتسم.
ينظر إليها مواربًا قلبه، ويقول لها: "تلك هي الحقيقة، وعليكِ أن تصدقيني".
تسحب نظراتها قليلاً إلى ذلك الشيء النابض بينها. شيء صغير بحجم كف اليد يميل لونه للأحمر القاني ولكنه يشع نورًا غريبًا، ويصدر منه صوت أميل إلى صوت عينيها في حالة الشجن العميق. وتسأله: "ما رأيك فيه؟!".
يستمر بالابتسام ويقول: " نادر هو، ويلمع مثل عيون الآلهة. يملك تلك الترنيمة الشجية التى يستحيل علينا فك شفرة أنغامها".
تمارس تعرية الرغبة فى الحياة من الخوف قائلة له: " ألا تدرى يا عزيزى أن جيوب القلب تخبئ يقين الحواس، والحواس معابر لحقائقنا المدمجة على شرائح الذاكرة. ألا تدري أن ما بين العشق والكراهية أراواح تحسد العشاق على آلامهم، وأن لحظاتهم قد تتجمع فى تينك الحضور الحالي، حيث تتمدد علاقتنا على طرف اجتراح.
ينظر مليا إلى عينيها ويقول: "تلك هي الحقيقة، وعليكِ أن تصدقيني".
تمد يديها إلى وجهه وتلتقط شعاع شمس من عينيه وترفع كفها باتجاه شفتيها لتنفث فيه، فيتبعثر الضوء لامعًا على حافة الموج، معلنًا بدء ولادة الحزن من اندماج نظراته ونفثات روحها، فكما لكل شيء ميقات للولادة، للأحزان أيضًا مواقيت.
والميقات استمرار لحالات المواربة وقتما تكون المصارحة هى دواء القلب النازف؛ للقلوب أيضًا مواقيت للولادة، والولادة تمخض من وجع، والوجع تعري الحقيقة حيث لا ملجأ لها سوى المنطق.. للعلاقات مواقيت للولادة، والمولود يدلف لتغيير سر ناموس اللحظة ضمن طريقتين، انصهار قلبي فيك، أو انشطاري بعيدًا عنك.
تخبره بهمس: هل قلت لك يومًا بأن البحر معبدي، وقد آن الأوان أن أمارس طقسي. تنهض قليلاً من جسدها، وترقص على حافه الموج، وكلما رقصت كلما زاد البحر توهجًا، وكلما اشتعل بريق عينيه حيث يمارس الموج شبقه، يخبرها لا تبتعدى كثيرًا سيجرفك الموج بعيدًا عني، وهنالك شيء ما يخصك بيننا فعودي.
تمارس الرقص وتضرب الموج بقدميها أكثر وأكثر، تتمايل ثنايا روحها، ومع كل تمايل تمارس حاستها تلمس الحقيقة، وهو يمارس الارتباك والخوف من ابتلاع البحر لها، يناديها: هنالك شيء ما يخصك بيننا فعودي.
يأتيه صوتها لاهثًا، أيها الوجود.. الحب كشجر الطقسوس، لا توجد بذوره سوى بالأنثى. وأنثاه هي الجزء المطهر من السُمية، يحكمها غلاف المحبة من ضنين العلاقات، تمكث داخل غلافها المترفع عن الأكاذيب الصغيرة، حيث لا روافد تصب بنهر الأنانية، وحيث يمكث الغفران على شاطئ محيط الرحمة. وحين يجترح الإدراك ستر غلافها، نراها تسقط لتنبت من جديد، حيث الموت نوع من الولادة ولكن بطريقة أخرى.
يصرخ بأعلى صوته: " تلك هي الحقيقة وعليكِ أن تصدقيني".
عودي فهنالك شيء ما يخصك بيننا.
تقف هنالك في منتصف البحر على قمة موجةٍ، وتشرع يديها على امتداد الوجود، كصفصافة تنوى خلع جذورها لتمارس الطيران، مولية نظراتها نحو المدى البعيد لتعلن عن بدء تعويذة الرجفة.
" أنا امرأه اليقين، حيث تمتزج الاتجاهات فيتضح العالم أمامى ككرة بلورية، أملك وصاية المرور لما يخبئه القلب العاهر، والعقل العاهر، والزمن العاهر. العهر كيان التقوى، كما الولادة حلم امرأة أفاقت يومًا لتحققه*. وكما الخطيئة شعلة الخجل، وكما أنت هنا تجترح ضميرى بنكرانك الأعظم، وتنثر عمري وقودًا لسنواتك الراحلة، لعلك تستجدي القادم بزور وبهتان عظيم. مسكين هو قلبك المرتعش، ألا تملك كوبًا من صفحي يمدك باشتعال، ذاك قلبي بينى وبينك يشع نورًا ودفئًا ورحمة، التقطه وارتشف منه رشفه وهج، تلذذ بعصارة تجربته، لتدرك كيف أعبر منك فيك. وأكشف بهتان خوفك.
جبان هذا الخوف إن امتص حياتنا، حقيرة هي الحياة التى ترهبنا مما وراء الأبواب الموصدة. الحب رحمة؛ وقلبي يخبئ لك فى كل جيب حكاية وأمنية.
يصرخ بأعلى صوته: " تلك هي الحقيقة، وعليكِ أن تصدقيني".
تميل برأسها إلى الخلف وترمقه بنظرات تملؤها الحسرة، تحدث نفسها: "أي كيان هذا الذى يرفض احتواءً بلا حدود، وغفرانًا فقط يستجدي الحقيقة".
تعلم يقينا أنها ستغفر. الصدق يجعلها تغفر ما وراء متاريس العلاقات، فقط الصدق يطهر دنس الجراحات، ولكنها تعلم أن وجع التشظي أصبح قريبًا منها. حيث انشطارها ما بين رغبة اليقين به، وشريعة آخر قد تجبرها الحياة أن تمارس فعل الخواء والانتحار معا.
تنزل بقدميها عن قمة الموجة لتتوحد وعتبات البحر نزولاً إلى قاعه، فقد بدا لها صراعه وذاته كزمن مترهل ينشد ظلام الكهوف، حيث يشعل أمانيه لتحترق، ويحرم نفسه من معزوفات السؤال، ومقامات الإجابة.
رحلت، وهو ما زال هناك على الشاطئ؛ يصرخ بأعلى صوته: " تلك هي الحقيقة، وعليكِ أن تصدقيني".
وبينها شيء ينتفض. شيء صغير بحجم كف اليد يميل لونه للأحمر القاني ولكنه يشع نورًا غريبًا، ويصدر منه صوت أميل إلى صوت عينيها في حالة الشجن العميق .
نجلاء صبري
- كاتبة وأخصائية نفسية من مدينة المنصورة، مصر.
- البريد الإلكتروني: nirfana_s@hotmail.com
عبد الرحيم محمود
17 - 8 - 2008, 01:50 AM
تم النقل بواسطتي
عبد الرحيم محمود
Powered by vBulletin® Version 4.1.8 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir