حفيظة طعام
28 - 5 - 2008, 03:04 AM
إدجر ألن بو (1809 ـ 1849) ـــ
يوسف سامي اليوسف
حين قرأت شعر الشاعر الأمريكي، إدجر ألن بو، لأول مرة، يوم لم أكن إلا حدثاً، أو مراهقاً، وذلك في شهر أيلول سنة 1955، فقد أحببته الحب كلّه، إذ لقد شعرت، وما زلت أشعر، بأن الرجل نموذج للشاعر المغترب، بل المنكوب الملتاع، الذي عانى من ويلات الحياة أكثر ما عانى أي شاعر على الإطلاق، وعندي أن هذا الموقف الثابت هو معيار من أهم معايير القيمة أو المزية. أن تظل على حبك لشاعر من الشعراء طوال خمسين سنة، أو زهاء ذلك، وأن تظل قيمته عندك هي هي طوال هذه المدة كلها دون أن تتغير، فإن هذا وحده برهان حاسم على أن ذلك الشاعر فذ، أو مزود بشيءٍ من الطاقة السرية الشديدة القدرة على الاجتذاب.
وعلى أية حال، قد يجوز للمرء أن ينعت بو بأنه شاعر الحسرة أو اللوعة، والحزن الشفيق العميق الذي أنتجته تجربة مريرة كابدها حتى عظامه، إذ لقد التهم الموت جميع النساء اللائي أحببنه وأحبهن، ومع ذلك، فإن الذين رفضوا شعر بو وحطوا من قدره في أميركا، ولا سيما من النقاد والكتاب، ليسوا قلة، وعددهم ليس بالطفيف. ولكن لا مانع يمنع المرء من الزعم بأن الذين لا يحبون شعر بو هم أناس يجهلون ما فحواه أن الشعر شديد التنوع والتباين، وأن المناداة بنمط واحد من أنماط الشعر والالتزام به وحده، هو صنف من أصناف الحصر والتضييق لا مسوّغ له بتاتاً. وفي هذا جهل بكنه الحياة ومحض حقيقتها.
جريدة الاسبوع الادبي العدد 927 تاريخ 9/10/2004
وفي الغرائب حقاً أن ينجح الفرنسيون، ولاسيما بودلير، في اكتشاف ذلك الشاعر الحزين الذي جارت عليه الدنيا، بينما يعجز أهل بلاده، أو إخوانه في الوطن، عن إنجاز ذلك الاكتشاف نفسه. لقد تمكن أناس من استيحاء شاعر لا يتكلمون لغته، وأخفق أولئك الذين يشاركونه اللغة نفسها في مضمار البلوغ إلى أطراف فؤاده المفجوع. وعندي أن هذا برهان آخر على أن ذلك الشاعر فذ إلى أبعد حدود الفذاذة، دون أدنى ريب.
ولد بو في اليوم التاسع عشر من كانون الثاني سنة 1809، وذلك في مدينة بوسطن، عاصمة ولاية ماساتشوستس الأمريكية، لأبوين من أصل إنجليزي يعملان في التمثيل المسرحي، وهما دافيد واليزابيث بو. ولقد تزوج الوالدان سنة 1806، وأنجبا طفلاً قبل إدجر اسمه هنري، كما أنجبا بنتاً بعده اسمها روزالي.
أما أبوه فقد اختفى، وأما والدته فقد أصيبت بالسل في ريتشمند عاصمة ولاية فرجينا الأمريكية، وماتت في كانون الأول سنة 1812، أي: يوم لم يكن إدجر قد أكمل الرابعة من سنوات عمره.
وبعد وفاة الأم تفرق الأطفال اليتامى، فالطفل هنري أخذه جداه لأبيه، والفتاة أخذها آل مكنسي. أما إدجر فأخذته أسرة ألن التي هي من أصل اسكتلندي. فقد احتضنته فرنسيس ألن، تلك السيدة الرقيقة التي كانت تعيش مع زوجها التاجر جون في بيت واسع في مدينة ريتشمند، كما كانت تعيش معهما أختها آن فالنتين الرقيقة الحنون. وفي الحق أن فكرة احتضان فرنسيس لإدجر لم ترقْ لجون هذا، ولكن المرأة لم تنجب أطفالاً، ولهذا فقد ظلت متشبثة بالطفل حتى آخر حياتها القصيرة.
ولقد عاملتهُ بحنان ورقة كما تفعل الأم الرؤوم، وكذلك فعلت أختها الطيبة آن.
وفي سنة 1815، سافرت أُسرة ألن إلى اسكتلندا، ثم إلى لندن، ولكن بعدما تركت الصبي في عهدة ماري ألن التي هي عمة جون نفسه. وقد عاملته هذه المرأة بكثير من الخشونة، وفي اسكتلندا أرسل إدجر إلى مدرسة هناك اسمها إرفن، ولكنه أُخذ بعد سنة إلى أسرة ألن في لندن لأن ماري لم تتحمل جنوحه إلى الاكتئاب، وفي العاصمة البريطانية أُدخل الطفل إلى المدرسة من جديد، ثم نقل سنة 1817 إلى مدرسة داخلية في قرية اسمها نيونغتن، حيث عاش ثلاث سنواتٍ.
ولكن أسرة ألن عادت إلى الولايات المتحدة سنة 1820، بعدما تغير وضعها كثيراً، فقد تدهورت تجارة ألن، كما أن فرنسيس أُصيبت بالسل هي الأخرى. وفي مدينة ريتشمند أُدخل الطفل إلى المدرسة من جديد، وقد استطاع مدير تلك المدرسة أن يؤثر فيه كثيراً وأن يوجهه إلى الآداب ولاسيما إلى الأدب الإنجليزي والآداب الكلاسيكية.
وفي تلك الآونة اشتدت وطأة جون ألن على إدجر حتى أوشك أن يدخل في طور المراهقة، قد أُغرم بامرأة اسمها جين ستنرد، وهي أُم صديقه روبرت التي ألهمته واحدة من عيون قصائده عنوانها ((إلى هلين)). ولكن جين هذه أصيبت بالسل وماتت سنة 1824، مما حز في نفسه كثيراً.
وبعد وفاة جين أحب إدجر فتاة اسمها سارة الميرارويتستر، وهي ابنة الجيران التي كانت تكبره بثلاث سنوات. وقد خطبها سنة 1826. وفي هذه السنة الأخيرة انتسب الشاعر إلى جامعة فرجينيا، ولكنه غادرها في كانون الأول من تلك السنة نفسها، بعدما وقع تحت ديون لا طاقة له بسدادها، وذلك لانخراطه في الميسر والخمور. ورفض جون ألن أن يسدد ديون بو، فما كان من هذا الأخير إلا أن غادر البيت إلى غير رجعة، وذلك سنة 1827. ولقد سبق لجون ألن أن ضغط على والدة الميرا، خطيبة إدجر، كي تفسخ الخطبة، وبالفعل تحقق لـه ذلك، وتزوجت الميرا شاباً آخر.
رحل إدجر من ريتشمند إلى بوسطن، بعدما زودته فرنسيس الرؤوم بشيء من المال. وكانت بوسطن يومئذ عاصمة الثقافة في أمريكا.
وهناك طبع أول ديوان شعري له، وعنوانه ((تيمور لنك وقصائد أُخرى)) _1827)، وذل بعدما انتسب إلى الجيش تحت اسم إدجر بري، ولكنه استقال من الجيش سنة 1829، وهو برتبة رقيب. وفي تلك السنة نفسها نشر مجموعة قصائد عنوانها ((الأعراف وتيمور لنك وقصائد صغيرة))، وذلك في مدينة بولتمور. بيد أن أبرز حادث بين حوادث سنة 1829 هو وفاة فرنسيس بالسل، مع أنها كانت لا تزال في أوج الشباب.
ولكن إدجر وجد في عمته ماري كلم هذه المرة امرأة تحنو عليه وتمنحه الحنان الذي يحتاج. وعند عمته التقى بأخيه هنري وأحبه كثيراً. كما تصالح مع جون ألن وعاد إلى ريتشمند. وهناك كتب قصيدة عنوانها ((إلى هلين)) سنة 1830، مستلهماً والدة صديقه روبرت. وتوسط له جون ألن وأدخله كلية وست بوينت العسكرية. ولكنه حاول أن يستقيل من الجيش في السنة التالية (1831)، وفي تلك السنة الأخيرة توفي أخوه هنري، كما أنه أحب فتاة اسمها ماري دسفيرو، وتقرر أن يخطبها، ولكنه جاء إليها سكراناً يوم الخطبة، فما كان إلا أن طرد وفسخت الخطبة.
أما على صعيد الشعر، فقد كتب في ذلك العام إياه قصيدة عنوانها: ((اسرافيل)) واسرافيل، في نظر بو، هو المغنّي الذي كان الشاعر يتخذ منه مثله الأعلى في الحياة. واستطاع كذلك أن يستقيل من الجيش في تلك السنة المكتظة بالأحداث. وبعد ذلك بعامين نال جائزة مالية مقدارها خمسون دولاراً من صحيفة في بولتمور اسمها ((زائر السبت))، وذلك عن قصة من قصصه الشهيرة، عنوانها: ((مخطوطة وجدت في قارورة)).
وبعد سنة واحدة مات جون ألن، ولكن دون أن يذكر اسم بو في وصيته بتاتاً.
وفي سنة 1835 اشتغل محرراً في صحيفة اسمها: ((رسول الجنوب الأدبي)) في ريتشمند. وبعد سنة، أو حصراً في شهر أيار، سنة 1836 تزوج فرجنيا كلم ابنة عمته التي كانت في السنة الثالثة عشرة من سنوات عمرها. وراح بو يكتب مقالات نقدية وينشرها في تلك الصحيفة خلال هذه الفترة، ولكنه اندفع نحو الإفراط في الشراب، فكانت النتيجة أن طرد من العمل.
وبعد ذلك، أمعن في التشرد والبطالة. وكل الذي فعله أنه نشر بعض قصصه في الصحف. ولكنه عمل سنة 1839 محرراً ثابتاً في مجلة عنوانها: ((جنتلمن بوسطن)). وبعد سنتين انتقل إلى مجلة أخرى عنوانها ((غراهام)) بيد أن زوجته قد نزفت لأول مرة سنة 1842، وأصبح السل واضحاً عليها تمام الوضوح.
صار بو مشهوراً جداً ابتداءً من سنة 1844، وذلك بعد ما رحل إلى نيويورك ونشر قصيدة ((الغراب)) التي جلبت له عشرة دولارات فقط، ولكنها قرئت في الأوساط الأدبية على نحو منقطع النظير. وفي السنة التالية نال جائزة قدرها مائة دولار من صحيفة اسمها ((جريدة الدولار))، وذلك عن قصة عنوانها ((البقة الذهبية)).
وانهمك، في ذلك الحين، بإلقاء المحاضرات الأدبية في أماكن كثيرة، كما اشتغل في صحيفة ((برودوي))، ونشر مجموعة قصصية عنوانها ((حكايات))، وأُخرى شعرية عنوانها ((الغراب وقصائد أُخرى)). وأعجبت به شاعرة اسمها فرنسيس أوسفود وصارت عشيقة له. وأخذ يترد على الصالونات الأدبية، حيث كان يلقي شعره، ولاسيما قصيدة ((الغراب)) التي نالت شهرة واسعة جداً في تلك الآونة. كما صارت له مجموعة من الصديقات في أوساط النساء، وأبرزهن آني ريتشمند وهلين وتمن.
ولكن وضعه المالي قد مال إلى التدهور في الشطر الأخير من عمره، ويوم توفيت زوجته بين ذراعيه وهو يلفها بمعطفه العسكري، وذلك في الثلاثين من كانون الثاني سنة 1847، فإنه لم يكن لديه من المال ما يكفي لدفنها، فما كان من بعض الأصدقاء إلا أن تبرعوا بمبلغ أعانه على ذلك الغرض. ولقد كابدت فرجينا من السل كثيراً جداً، وماتت وهي في السنة الثالثة والعشرين من سنوات عمرها. ولهذا، فقد كتب بو إثر موتها قائلاً:
والحمّى التي تسمى الحياة
قد تمّ دحرها في نهاية المطاف
ويبدو أن الفقد لا بد له من أن يفرز الوجود بالضرورة، وعلى نحو تلقائي، أو كما تفرز الكبد الصفراء.
ولكن الرجل سرعان ما عشق أرملة من صديقاته اسمها سارة هلين وتمن. وخطبها بعد وفاة زوجته. كما كتب لها سنة 1848 قصدية عنوانها ((إلى هلين)). (وهذه ليست قصيدة ((إلى هلين)) الأولى المشهورة). ولكنه سكر حتى الثمالة صباح يوم العرس، فما كان إلا أن طردته العروس وتخلصت منه نهائياً. ثم حاول أن يخطب صديقته آني ريتشمند، التي كتب لها قصيدة عنوانها (إلى آني))، ونشرها في أيار سنة 1849. ولكنه عدل عن تلك الخطبة حين التقى الميرار ويستر التي كاد أن يتزوجها سنة 1826، لولا تدخل جون ألن. فلقد صارت الميرا أرملة، واستجابت لهوى الشاعر المتيم بها. واتفق معها على الزواج بعدما وعدها بأن يكف عن السكر، ولكنه لم يفعل ذلك إلا لبرهة وجيزة.
فبينما كان يسافر من فلادلفيا إلى نيويورك، مر بمدينة بولتمور حيث غادر القطار وراح يعاقر الخمرة، ثم تجول في شوارع تلك المدينة، وفي الصباح وجده المارة مستلقياً على أحد المقاعد، وسرعان ما فارق الحياة بعدما فحصه أحد الأطباء، وذلك في السابع من تشرين الأول سنة 1849، وله من العمر أربعون سنة وثمانية أشهر، أو زهاء ذلك.
***
كان بو شاعراً بالدرجة الأولى، بل كان أول شاعر كبير في الولايات المتحدة، التي استقلت قبل ولادته بخمس وثلاثين سنة. والأهم من ذلك أنه واحد من نخبة الشعراء الذين أنجبهم الجنس البشري طوال تاريخه. ولكنه لم يكن شاعراً فقط، إذ لا ريب في أنه الرائد الأول لفن القصة القصيرة الحديثة. والطريف أن بودلير، الشاعر الفرنسي المشهور، قد أُعجب به قاصاً قبل كل شيء، وترجم قصصه إلى اللغة الفرنسية بعد وفاته بقليل.
وفضلاً عن ذلك، فإن بو ناقد أدبي متميز في جيله. وكثرهم الذين يؤكدون على أن النقد في أمريكا خلال القرن العشرين متأثر جداً بالتراث النقدي الذي تركه ذلك الرجل الفذ، وهو من مات في السن التي قلما ينضج الناقد الأدبي قبل أن يبلغها. وفي الحق أن مقالته التي عنوانها: ((المبدأ الشعري)) مازالت حتى اليوم إنجازاً حياً وشديد الأهمية في مضمار النظرية الشعرية، ويصح الزعم نفسه على مقالة أخرى عنوانها ((فلسفة الانتشار)).
كان بو من أوائل النقاد الذين تنبهوا لأهمية الإيقاع الداخلي للشعر من حيث هو واحد من العناصر الصانعة للجودة والمزية، وكذلك بوصفه واحداً من حوامل المعنى والقدرة على التأثير. ولهذا، فقد عرّف الشعر بأنه: ((الخلق الإيقاعي للجمال. كما أكد على أن الدماثة أو الرقة هي مملكة الشاعر، وأن الهدف الأكبر للقصيدة هو المتعة، وليس البلوغ إلى الحقيقة. وهذا يعني أنه قد انحاز إلى مبدأ الفن للفن. وفي ((المبدأ الشعري)) أكد على أن طاقة الإنسان الداخلية لها أصناف، أولها الذهن المتخصص بالحقيقة، وثانيها الوجدان الأخلاقي المتخصص بالواجب، وثالثها الذوق المتخصص بالجمال، أو بإزاحة الستار عن الفاتنات. وبذلك يكون الرجل قد أكد على أن الذائقة هي المعيار الأول والأكبر لنقد الشعر.
يقول بو في ((المبدأ الشعري)): ((إن فينا ظمأٍ يتعذر إطفاؤه)). كما يؤكد على أننا نكابد حنيناً إلى ما لا يطال. والشعر هو أحسن الأنشطة الروحية الرامية إلى تقديم تعويض من صنف ما، ولهذا فقد صرّح بأن استحضار الجمال هو غاية الشعر الوحيدة. كما صرّح بأن الشاعر يبحث عن الأمبروزيا التي من شأنها أن تغذي الروح وتنعشه، فتحوز الحياة على نكهة مقبولة، ويملك الشاعر أن يجد الأمبروزيا في جمال المرأة حصراً. ولهذا، كان الحب في نظر بو أنقى موضوعات الشعر وأصدقها وأكثرها قدرة على الاستجابة للظمأ السرمدي الذي يكابده روح الإنسان.
ولكنه صرّح في ((فلسفة الإنشاء)) قائلاً: ((إن موت امرأة جميلة هو أعظم موضوع شعري)). وهذا يعني وحدة الحب والموت، وهما الطرفان الأقصيان للوجود البشري كله. ثم إن استيلاء الموت على المعشوق الفاتن هو الخسران الذي ما بعده خسران، والحسرة التي ما بعدها حسرة بتاتاً، وعلى ضوء هذا المبدأ الشعري، راح النقاد المحدثون يتأملون شعر بو نفسه، ليَخلصوا إلى هذه النتيجة: إن بو يكتب القصيدة منطلقاً من حقيقة خلاصتها أن هنالك نساء جميلات قد اختطفهن الموت وهن في ميعة الصبا، ووظيفة الشعر أن يناجي أطيافهن من وراء القبر، ولعل مما هو ناصع تماماً أن شعر بو محاولة جادة لمحو المسافة الفاصلة بين القبر والكلمة الفنية. وهذا يعني أن موضوعه الشعري الأكبر لم يكن الجمال ولا الحب ولا الموت، وإنما هو اللوعة التي هي وحدة هذه الماهيات كلها.
***
لكم أجاد بودلير حين قال بأن ((بوهو شاعر الأعصاب))، وبأن ((أدبه يندر فيه وجود الهواء)). فلا غلو إذا ما زعم المرء بأنه ما من شاعر في العالم الحديث أكثر حزناً، أو أكثر قدرة على إثارة الحزن، من بو، وهو من ترك أكثر من ستين قصيدة معظمها حول الحب والموت. يقيناً، إن النقاد الأمريكيين الذين حصروا أجود شعره في خمس قصائد وحسب لم يحالفهم السداد قط. فللحق أن نصف شعره على الأقل مازال شديد القدرة على التأثير في النفس، وذلك لما يدخره من شعور بأن الإنسان كائن مكروب منكوب لا محالة. ولهذا، فإن ذلك الشاعر يملك أن يأخذك إلى جوف الحزن والأسى، إذ الموت والكرب حاضران في معظم الشطر الجيد من شعره. وبسبب شدة شعوره بوطأة المحنة، فقد راحت قصائده الجيدة تنظر إلى الخلف دوماً، أو قل إلى الماضي وليس إلى المستقبل، وذلك لأن الموت قد طوى جميع النساء اللائي أحببنه وأحبهن، وأولهن أمه. وبذلك صار الماضي في وجدان الشاعر لحداً لكل شيء ذي بال. ولهذا، لا بد من التطلع إلى الماضي بدلاً من الحاضر. وربما جاز الزعم بأن بو قد انتحر بالخمرة ابتغاء التخلص من حسرته على خساراته الكبيرة فلا ريب في أن الوجدان نتاج الفقدان.
ولعل في السداد أن يقال بأن قصيدة ((الغراب)) هي واحدة من عيون القصائد التي كتبت باللغة الإنجليزية طوال تاريخها. ولكن المرء يملك أن يضيف إليها الكثير من القصائد المتميزة التي تركها بو، ولاسيما((لينور)) و((إلى واحدة في الجنة)) و((مدينة في البحر)) و((النائمة)) و((إلى هلين)) و((أولالوم)) و((أرض الأحلام)) و((أنابيل لي)) و((إلى آني)). وللمرء أن يلاحظ ما فحواه أن الكثير من قصائد بو تأخذ عناوينها من أسماء أنثوية. وهذا دليل على شدة اهتمامه بالمرأة أو بالحب من حيث هو المصدر الأول للأمبروزيا (= غذاء الآلهة)، أو بوصفه أقدر الفاعليات التي من شأنها أن تستجيب للعطش السرمدي وتحاول إرواءه، أو التخفيف من بؤسه المرير
يوسف سامي اليوسف
حين قرأت شعر الشاعر الأمريكي، إدجر ألن بو، لأول مرة، يوم لم أكن إلا حدثاً، أو مراهقاً، وذلك في شهر أيلول سنة 1955، فقد أحببته الحب كلّه، إذ لقد شعرت، وما زلت أشعر، بأن الرجل نموذج للشاعر المغترب، بل المنكوب الملتاع، الذي عانى من ويلات الحياة أكثر ما عانى أي شاعر على الإطلاق، وعندي أن هذا الموقف الثابت هو معيار من أهم معايير القيمة أو المزية. أن تظل على حبك لشاعر من الشعراء طوال خمسين سنة، أو زهاء ذلك، وأن تظل قيمته عندك هي هي طوال هذه المدة كلها دون أن تتغير، فإن هذا وحده برهان حاسم على أن ذلك الشاعر فذ، أو مزود بشيءٍ من الطاقة السرية الشديدة القدرة على الاجتذاب.
وعلى أية حال، قد يجوز للمرء أن ينعت بو بأنه شاعر الحسرة أو اللوعة، والحزن الشفيق العميق الذي أنتجته تجربة مريرة كابدها حتى عظامه، إذ لقد التهم الموت جميع النساء اللائي أحببنه وأحبهن، ومع ذلك، فإن الذين رفضوا شعر بو وحطوا من قدره في أميركا، ولا سيما من النقاد والكتاب، ليسوا قلة، وعددهم ليس بالطفيف. ولكن لا مانع يمنع المرء من الزعم بأن الذين لا يحبون شعر بو هم أناس يجهلون ما فحواه أن الشعر شديد التنوع والتباين، وأن المناداة بنمط واحد من أنماط الشعر والالتزام به وحده، هو صنف من أصناف الحصر والتضييق لا مسوّغ له بتاتاً. وفي هذا جهل بكنه الحياة ومحض حقيقتها.
جريدة الاسبوع الادبي العدد 927 تاريخ 9/10/2004
وفي الغرائب حقاً أن ينجح الفرنسيون، ولاسيما بودلير، في اكتشاف ذلك الشاعر الحزين الذي جارت عليه الدنيا، بينما يعجز أهل بلاده، أو إخوانه في الوطن، عن إنجاز ذلك الاكتشاف نفسه. لقد تمكن أناس من استيحاء شاعر لا يتكلمون لغته، وأخفق أولئك الذين يشاركونه اللغة نفسها في مضمار البلوغ إلى أطراف فؤاده المفجوع. وعندي أن هذا برهان آخر على أن ذلك الشاعر فذ إلى أبعد حدود الفذاذة، دون أدنى ريب.
ولد بو في اليوم التاسع عشر من كانون الثاني سنة 1809، وذلك في مدينة بوسطن، عاصمة ولاية ماساتشوستس الأمريكية، لأبوين من أصل إنجليزي يعملان في التمثيل المسرحي، وهما دافيد واليزابيث بو. ولقد تزوج الوالدان سنة 1806، وأنجبا طفلاً قبل إدجر اسمه هنري، كما أنجبا بنتاً بعده اسمها روزالي.
أما أبوه فقد اختفى، وأما والدته فقد أصيبت بالسل في ريتشمند عاصمة ولاية فرجينا الأمريكية، وماتت في كانون الأول سنة 1812، أي: يوم لم يكن إدجر قد أكمل الرابعة من سنوات عمره.
وبعد وفاة الأم تفرق الأطفال اليتامى، فالطفل هنري أخذه جداه لأبيه، والفتاة أخذها آل مكنسي. أما إدجر فأخذته أسرة ألن التي هي من أصل اسكتلندي. فقد احتضنته فرنسيس ألن، تلك السيدة الرقيقة التي كانت تعيش مع زوجها التاجر جون في بيت واسع في مدينة ريتشمند، كما كانت تعيش معهما أختها آن فالنتين الرقيقة الحنون. وفي الحق أن فكرة احتضان فرنسيس لإدجر لم ترقْ لجون هذا، ولكن المرأة لم تنجب أطفالاً، ولهذا فقد ظلت متشبثة بالطفل حتى آخر حياتها القصيرة.
ولقد عاملتهُ بحنان ورقة كما تفعل الأم الرؤوم، وكذلك فعلت أختها الطيبة آن.
وفي سنة 1815، سافرت أُسرة ألن إلى اسكتلندا، ثم إلى لندن، ولكن بعدما تركت الصبي في عهدة ماري ألن التي هي عمة جون نفسه. وقد عاملته هذه المرأة بكثير من الخشونة، وفي اسكتلندا أرسل إدجر إلى مدرسة هناك اسمها إرفن، ولكنه أُخذ بعد سنة إلى أسرة ألن في لندن لأن ماري لم تتحمل جنوحه إلى الاكتئاب، وفي العاصمة البريطانية أُدخل الطفل إلى المدرسة من جديد، ثم نقل سنة 1817 إلى مدرسة داخلية في قرية اسمها نيونغتن، حيث عاش ثلاث سنواتٍ.
ولكن أسرة ألن عادت إلى الولايات المتحدة سنة 1820، بعدما تغير وضعها كثيراً، فقد تدهورت تجارة ألن، كما أن فرنسيس أُصيبت بالسل هي الأخرى. وفي مدينة ريتشمند أُدخل الطفل إلى المدرسة من جديد، وقد استطاع مدير تلك المدرسة أن يؤثر فيه كثيراً وأن يوجهه إلى الآداب ولاسيما إلى الأدب الإنجليزي والآداب الكلاسيكية.
وفي تلك الآونة اشتدت وطأة جون ألن على إدجر حتى أوشك أن يدخل في طور المراهقة، قد أُغرم بامرأة اسمها جين ستنرد، وهي أُم صديقه روبرت التي ألهمته واحدة من عيون قصائده عنوانها ((إلى هلين)). ولكن جين هذه أصيبت بالسل وماتت سنة 1824، مما حز في نفسه كثيراً.
وبعد وفاة جين أحب إدجر فتاة اسمها سارة الميرارويتستر، وهي ابنة الجيران التي كانت تكبره بثلاث سنوات. وقد خطبها سنة 1826. وفي هذه السنة الأخيرة انتسب الشاعر إلى جامعة فرجينيا، ولكنه غادرها في كانون الأول من تلك السنة نفسها، بعدما وقع تحت ديون لا طاقة له بسدادها، وذلك لانخراطه في الميسر والخمور. ورفض جون ألن أن يسدد ديون بو، فما كان من هذا الأخير إلا أن غادر البيت إلى غير رجعة، وذلك سنة 1827. ولقد سبق لجون ألن أن ضغط على والدة الميرا، خطيبة إدجر، كي تفسخ الخطبة، وبالفعل تحقق لـه ذلك، وتزوجت الميرا شاباً آخر.
رحل إدجر من ريتشمند إلى بوسطن، بعدما زودته فرنسيس الرؤوم بشيء من المال. وكانت بوسطن يومئذ عاصمة الثقافة في أمريكا.
وهناك طبع أول ديوان شعري له، وعنوانه ((تيمور لنك وقصائد أُخرى)) _1827)، وذل بعدما انتسب إلى الجيش تحت اسم إدجر بري، ولكنه استقال من الجيش سنة 1829، وهو برتبة رقيب. وفي تلك السنة نفسها نشر مجموعة قصائد عنوانها ((الأعراف وتيمور لنك وقصائد صغيرة))، وذلك في مدينة بولتمور. بيد أن أبرز حادث بين حوادث سنة 1829 هو وفاة فرنسيس بالسل، مع أنها كانت لا تزال في أوج الشباب.
ولكن إدجر وجد في عمته ماري كلم هذه المرة امرأة تحنو عليه وتمنحه الحنان الذي يحتاج. وعند عمته التقى بأخيه هنري وأحبه كثيراً. كما تصالح مع جون ألن وعاد إلى ريتشمند. وهناك كتب قصيدة عنوانها ((إلى هلين)) سنة 1830، مستلهماً والدة صديقه روبرت. وتوسط له جون ألن وأدخله كلية وست بوينت العسكرية. ولكنه حاول أن يستقيل من الجيش في السنة التالية (1831)، وفي تلك السنة الأخيرة توفي أخوه هنري، كما أنه أحب فتاة اسمها ماري دسفيرو، وتقرر أن يخطبها، ولكنه جاء إليها سكراناً يوم الخطبة، فما كان إلا أن طرد وفسخت الخطبة.
أما على صعيد الشعر، فقد كتب في ذلك العام إياه قصيدة عنوانها: ((اسرافيل)) واسرافيل، في نظر بو، هو المغنّي الذي كان الشاعر يتخذ منه مثله الأعلى في الحياة. واستطاع كذلك أن يستقيل من الجيش في تلك السنة المكتظة بالأحداث. وبعد ذلك بعامين نال جائزة مالية مقدارها خمسون دولاراً من صحيفة في بولتمور اسمها ((زائر السبت))، وذلك عن قصة من قصصه الشهيرة، عنوانها: ((مخطوطة وجدت في قارورة)).
وبعد سنة واحدة مات جون ألن، ولكن دون أن يذكر اسم بو في وصيته بتاتاً.
وفي سنة 1835 اشتغل محرراً في صحيفة اسمها: ((رسول الجنوب الأدبي)) في ريتشمند. وبعد سنة، أو حصراً في شهر أيار، سنة 1836 تزوج فرجنيا كلم ابنة عمته التي كانت في السنة الثالثة عشرة من سنوات عمرها. وراح بو يكتب مقالات نقدية وينشرها في تلك الصحيفة خلال هذه الفترة، ولكنه اندفع نحو الإفراط في الشراب، فكانت النتيجة أن طرد من العمل.
وبعد ذلك، أمعن في التشرد والبطالة. وكل الذي فعله أنه نشر بعض قصصه في الصحف. ولكنه عمل سنة 1839 محرراً ثابتاً في مجلة عنوانها: ((جنتلمن بوسطن)). وبعد سنتين انتقل إلى مجلة أخرى عنوانها ((غراهام)) بيد أن زوجته قد نزفت لأول مرة سنة 1842، وأصبح السل واضحاً عليها تمام الوضوح.
صار بو مشهوراً جداً ابتداءً من سنة 1844، وذلك بعد ما رحل إلى نيويورك ونشر قصيدة ((الغراب)) التي جلبت له عشرة دولارات فقط، ولكنها قرئت في الأوساط الأدبية على نحو منقطع النظير. وفي السنة التالية نال جائزة قدرها مائة دولار من صحيفة اسمها ((جريدة الدولار))، وذلك عن قصة عنوانها ((البقة الذهبية)).
وانهمك، في ذلك الحين، بإلقاء المحاضرات الأدبية في أماكن كثيرة، كما اشتغل في صحيفة ((برودوي))، ونشر مجموعة قصصية عنوانها ((حكايات))، وأُخرى شعرية عنوانها ((الغراب وقصائد أُخرى)). وأعجبت به شاعرة اسمها فرنسيس أوسفود وصارت عشيقة له. وأخذ يترد على الصالونات الأدبية، حيث كان يلقي شعره، ولاسيما قصيدة ((الغراب)) التي نالت شهرة واسعة جداً في تلك الآونة. كما صارت له مجموعة من الصديقات في أوساط النساء، وأبرزهن آني ريتشمند وهلين وتمن.
ولكن وضعه المالي قد مال إلى التدهور في الشطر الأخير من عمره، ويوم توفيت زوجته بين ذراعيه وهو يلفها بمعطفه العسكري، وذلك في الثلاثين من كانون الثاني سنة 1847، فإنه لم يكن لديه من المال ما يكفي لدفنها، فما كان من بعض الأصدقاء إلا أن تبرعوا بمبلغ أعانه على ذلك الغرض. ولقد كابدت فرجينا من السل كثيراً جداً، وماتت وهي في السنة الثالثة والعشرين من سنوات عمرها. ولهذا، فقد كتب بو إثر موتها قائلاً:
والحمّى التي تسمى الحياة
قد تمّ دحرها في نهاية المطاف
ويبدو أن الفقد لا بد له من أن يفرز الوجود بالضرورة، وعلى نحو تلقائي، أو كما تفرز الكبد الصفراء.
ولكن الرجل سرعان ما عشق أرملة من صديقاته اسمها سارة هلين وتمن. وخطبها بعد وفاة زوجته. كما كتب لها سنة 1848 قصدية عنوانها ((إلى هلين)). (وهذه ليست قصيدة ((إلى هلين)) الأولى المشهورة). ولكنه سكر حتى الثمالة صباح يوم العرس، فما كان إلا أن طردته العروس وتخلصت منه نهائياً. ثم حاول أن يخطب صديقته آني ريتشمند، التي كتب لها قصيدة عنوانها (إلى آني))، ونشرها في أيار سنة 1849. ولكنه عدل عن تلك الخطبة حين التقى الميرار ويستر التي كاد أن يتزوجها سنة 1826، لولا تدخل جون ألن. فلقد صارت الميرا أرملة، واستجابت لهوى الشاعر المتيم بها. واتفق معها على الزواج بعدما وعدها بأن يكف عن السكر، ولكنه لم يفعل ذلك إلا لبرهة وجيزة.
فبينما كان يسافر من فلادلفيا إلى نيويورك، مر بمدينة بولتمور حيث غادر القطار وراح يعاقر الخمرة، ثم تجول في شوارع تلك المدينة، وفي الصباح وجده المارة مستلقياً على أحد المقاعد، وسرعان ما فارق الحياة بعدما فحصه أحد الأطباء، وذلك في السابع من تشرين الأول سنة 1849، وله من العمر أربعون سنة وثمانية أشهر، أو زهاء ذلك.
***
كان بو شاعراً بالدرجة الأولى، بل كان أول شاعر كبير في الولايات المتحدة، التي استقلت قبل ولادته بخمس وثلاثين سنة. والأهم من ذلك أنه واحد من نخبة الشعراء الذين أنجبهم الجنس البشري طوال تاريخه. ولكنه لم يكن شاعراً فقط، إذ لا ريب في أنه الرائد الأول لفن القصة القصيرة الحديثة. والطريف أن بودلير، الشاعر الفرنسي المشهور، قد أُعجب به قاصاً قبل كل شيء، وترجم قصصه إلى اللغة الفرنسية بعد وفاته بقليل.
وفضلاً عن ذلك، فإن بو ناقد أدبي متميز في جيله. وكثرهم الذين يؤكدون على أن النقد في أمريكا خلال القرن العشرين متأثر جداً بالتراث النقدي الذي تركه ذلك الرجل الفذ، وهو من مات في السن التي قلما ينضج الناقد الأدبي قبل أن يبلغها. وفي الحق أن مقالته التي عنوانها: ((المبدأ الشعري)) مازالت حتى اليوم إنجازاً حياً وشديد الأهمية في مضمار النظرية الشعرية، ويصح الزعم نفسه على مقالة أخرى عنوانها ((فلسفة الانتشار)).
كان بو من أوائل النقاد الذين تنبهوا لأهمية الإيقاع الداخلي للشعر من حيث هو واحد من العناصر الصانعة للجودة والمزية، وكذلك بوصفه واحداً من حوامل المعنى والقدرة على التأثير. ولهذا، فقد عرّف الشعر بأنه: ((الخلق الإيقاعي للجمال. كما أكد على أن الدماثة أو الرقة هي مملكة الشاعر، وأن الهدف الأكبر للقصيدة هو المتعة، وليس البلوغ إلى الحقيقة. وهذا يعني أنه قد انحاز إلى مبدأ الفن للفن. وفي ((المبدأ الشعري)) أكد على أن طاقة الإنسان الداخلية لها أصناف، أولها الذهن المتخصص بالحقيقة، وثانيها الوجدان الأخلاقي المتخصص بالواجب، وثالثها الذوق المتخصص بالجمال، أو بإزاحة الستار عن الفاتنات. وبذلك يكون الرجل قد أكد على أن الذائقة هي المعيار الأول والأكبر لنقد الشعر.
يقول بو في ((المبدأ الشعري)): ((إن فينا ظمأٍ يتعذر إطفاؤه)). كما يؤكد على أننا نكابد حنيناً إلى ما لا يطال. والشعر هو أحسن الأنشطة الروحية الرامية إلى تقديم تعويض من صنف ما، ولهذا فقد صرّح بأن استحضار الجمال هو غاية الشعر الوحيدة. كما صرّح بأن الشاعر يبحث عن الأمبروزيا التي من شأنها أن تغذي الروح وتنعشه، فتحوز الحياة على نكهة مقبولة، ويملك الشاعر أن يجد الأمبروزيا في جمال المرأة حصراً. ولهذا، كان الحب في نظر بو أنقى موضوعات الشعر وأصدقها وأكثرها قدرة على الاستجابة للظمأ السرمدي الذي يكابده روح الإنسان.
ولكنه صرّح في ((فلسفة الإنشاء)) قائلاً: ((إن موت امرأة جميلة هو أعظم موضوع شعري)). وهذا يعني وحدة الحب والموت، وهما الطرفان الأقصيان للوجود البشري كله. ثم إن استيلاء الموت على المعشوق الفاتن هو الخسران الذي ما بعده خسران، والحسرة التي ما بعدها حسرة بتاتاً، وعلى ضوء هذا المبدأ الشعري، راح النقاد المحدثون يتأملون شعر بو نفسه، ليَخلصوا إلى هذه النتيجة: إن بو يكتب القصيدة منطلقاً من حقيقة خلاصتها أن هنالك نساء جميلات قد اختطفهن الموت وهن في ميعة الصبا، ووظيفة الشعر أن يناجي أطيافهن من وراء القبر، ولعل مما هو ناصع تماماً أن شعر بو محاولة جادة لمحو المسافة الفاصلة بين القبر والكلمة الفنية. وهذا يعني أن موضوعه الشعري الأكبر لم يكن الجمال ولا الحب ولا الموت، وإنما هو اللوعة التي هي وحدة هذه الماهيات كلها.
***
لكم أجاد بودلير حين قال بأن ((بوهو شاعر الأعصاب))، وبأن ((أدبه يندر فيه وجود الهواء)). فلا غلو إذا ما زعم المرء بأنه ما من شاعر في العالم الحديث أكثر حزناً، أو أكثر قدرة على إثارة الحزن، من بو، وهو من ترك أكثر من ستين قصيدة معظمها حول الحب والموت. يقيناً، إن النقاد الأمريكيين الذين حصروا أجود شعره في خمس قصائد وحسب لم يحالفهم السداد قط. فللحق أن نصف شعره على الأقل مازال شديد القدرة على التأثير في النفس، وذلك لما يدخره من شعور بأن الإنسان كائن مكروب منكوب لا محالة. ولهذا، فإن ذلك الشاعر يملك أن يأخذك إلى جوف الحزن والأسى، إذ الموت والكرب حاضران في معظم الشطر الجيد من شعره. وبسبب شدة شعوره بوطأة المحنة، فقد راحت قصائده الجيدة تنظر إلى الخلف دوماً، أو قل إلى الماضي وليس إلى المستقبل، وذلك لأن الموت قد طوى جميع النساء اللائي أحببنه وأحبهن، وأولهن أمه. وبذلك صار الماضي في وجدان الشاعر لحداً لكل شيء ذي بال. ولهذا، لا بد من التطلع إلى الماضي بدلاً من الحاضر. وربما جاز الزعم بأن بو قد انتحر بالخمرة ابتغاء التخلص من حسرته على خساراته الكبيرة فلا ريب في أن الوجدان نتاج الفقدان.
ولعل في السداد أن يقال بأن قصيدة ((الغراب)) هي واحدة من عيون القصائد التي كتبت باللغة الإنجليزية طوال تاريخها. ولكن المرء يملك أن يضيف إليها الكثير من القصائد المتميزة التي تركها بو، ولاسيما((لينور)) و((إلى واحدة في الجنة)) و((مدينة في البحر)) و((النائمة)) و((إلى هلين)) و((أولالوم)) و((أرض الأحلام)) و((أنابيل لي)) و((إلى آني)). وللمرء أن يلاحظ ما فحواه أن الكثير من قصائد بو تأخذ عناوينها من أسماء أنثوية. وهذا دليل على شدة اهتمامه بالمرأة أو بالحب من حيث هو المصدر الأول للأمبروزيا (= غذاء الآلهة)، أو بوصفه أقدر الفاعليات التي من شأنها أن تستجيب للعطش السرمدي وتحاول إرواءه، أو التخفيف من بؤسه المرير