عوني زنون أبوالسعيد
8 - 7 - 2007, 06:56 PM
خصا ئص الحروف العربية ومعانيها
- دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998
- الكاتب حسن عباس
المقدمة
هذه الدراسة عن "خصائص الحروف العربية ومعانيها"
هي أصل لدراسات ثلاث أخرى متفرعة منها قد تناولت المزيد من مسائل الحرف العربي وقضاياه،
بما في ذلك مختلف العلاقات الفطرية المتبادلة بينه وبين الإنسان الذي أبدعه. وهي بحسب تواريخ إنجازها:
الأولى- خصائص الحروف العربية ومعانيها- أنجزتها عام (1982) وهي رهن الدراسة.
الثانية- الحرف العربي والشخصية العربية- أنجزتها عام (1987) ونشرتها عام 1992.
الثالثة- حروف المعاني بين الأصالة والحداثة أنجزتها عام 1991 وهي قيد النشر.
الرابعة- إطلالة على الإعجاز اللغوي في القرآن نشرتها عام 1994.
فماذا عن هذه الدراسات الأربع:
ولنبدأ بالدراسة الرابعة (الإطلالة).
إنها مجرد تطبيق عملي لما تحصّل لي من خصائص الحروف العربية ومعانيها في الدراسات الأخرى على أرقى النصوص اللغوية فصاحة وبلاغة.
فقد اختبرت ما تحصل لي من خصائص ومعاني (23) حرفاً من مئات الجداول على واقع استعمالات القرآن الكريم لها في (سوره وآياته ومفرداته وقوافيه- أي فواصله) بدقة وإحكام لا نظير لذلك في أدب أو شعر أو معجم. وقد استوفى كل استعمال منها شروط الإعجاز اللغوي، مما لم ينتبه له أي من مفسري القرآن أو الباحثين عن إعجازه اللغوي،
ولا عتب عليهم في ذلك لأن أياً منهم لم يهتد إلى خصائص الحروف العربية ومعانيها.
وحذر الإطالة أكتفي بهذا المقدار الضئيل من التنويه بتداخلها في الدراسات الأخرى، لأنها كما أسلفت مجرد تطبيق عملي لها. وإذن ماذا عن تداخل دراساتي الأخرى؟
لئن كانت هذه الدراسات تتماس مع بعض ما سبقها من الدراسات اللغوية حول خصائص الحروف العربية ومعانيها،
فإنها ليست مجرد توسع لها، ولا استطراداً لبحوثها،
وإن كانت تعتبر استكمالاً لها،
فهي تختلف عنها في منطلقها (الفلسفي) وفي نهجها (العلمي- الرياضي) كما سيأتي في المدخل،
مما يحفظ لها استقلالها عن غيرها.
وإذن ماذا عن الجديد في كل واحدة منها؟
أولاً- بعض الأضواء على الجديد في دراستي "خصائص الحروف العربية ومعانيها"؟
لقد حدست في أول كتاب لي "هذه أمة العرب في تجاربها" المنشور عام 1958 أن ثمة علاقات فطرية متبادلة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، أوجزتها في مقولة "لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن" ولقد تثبت من صحتها في قطاع المشاعر الإنسانية بكتابي الثاني
"لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن" المنشور عام 961.
ومن ثم وحسماً لكل جدل حول هذه المقولة، خطر لي أن أتثبت من صحتها في القطاع اللغوي بحثاً عما إذا كان الإنسان العربي قد خصص الكلمات التي في أصوات حروفها (رقة، وأناقة، وجمال، ودماثة، وصقل، وفعالية...)
وما إليها مما له صداه المحبب في النفس، لما يناسبها من المعاني الجيدة والعكس بالعكس،
وبذلك يتحقق التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية في القطاع اللغوي أيضاً.
ولقد انجزت دراستي "خصائص الحروف العربية ومعانيها" للمرة الأولى عام 978 تحت عنوان "الحروف العربية والحواس الست" باعتبار أن (الشعور) هو الحاسة السادسة،
وقد اتبعت في ذلك نهج من قال بفطرية اللغة العربية ممن اجمعوا صراحة أو ضمناً على أن معنى الحرف العربي هو (صدى صوته في الوجدان،
أو النفس).
وكان ابن جني أبلغ من عبر عن هذه النظرية اللغوية الفطرية بمقولته الشهيرة: (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".
ومن ثم وفي إحدى مراجعاتي لها أفاجأ بأن الإنسان العربي الذي اعتمد الخصائص (الإيحائية) في أصوات بعض الحروف للتعبير عن معانيه،
قد اعتمد أيضاً الخصائص (الهيجانية) وكذلك- الخصائص (الإيمائية- التمثيلية) في بعضها الآخر.
وكان من طبيعة الأمور أن أعيد دراسة المشروع الأولى: "الحروف العربية والحواس الست" حرفاً حرفاً من (ألفه إلى يائه).
وتستمر الرحلة بي بضعة عشر عاماً أخرى، فكان أعقد ما واجهني في تقصياتي خلالها ثلاث قضايا هي:
أولاً- التحري عن الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) المتوقعة في كل حرف، وذلك بحسب مواقعه في أوائل جميع المصادر الجذور إطلاقاً وكذلك لتسعة عشر حرفاً تقع في آخرها، ثم لستة أخرى تقع في وسطها. وقد تبين لي أن خصائص كل حرف تتغير من موقع إلى آخر، وذلك تبعاً لطريقة النطق بصوته: مشدداً عليه في مقدمة المصادر، ومرققاً منعماً في آخرها، وبين بين في وسطها. وبذلك يكون للحرف الواحد العديد من المعاني بحسب مواقعه من المصادر الجذور التي يشارك في تراكيبها.
ثانياً- أما أشق ما عانيته في هذه الدراسة فهو الاهتداء إلى المصدر الجذر الألصق بالطبيعة وإلى معناه الألصق بالفطرة.
وذلك لأن الأصل في معنى الكلمة العربية هو ما أخذه العربي مباشرة عن الطبيعة: "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد" كما قال ابن جني. فيكون الأصل في معناه تبعاً لذلك هو الحسي ثم جاءت المشتقات بمعانيها الحسية الأخرى، ثم المجردة في مراحل ثقافية متطورة.
فمن (2931) كلمة ومشتقاً تبدأ بحرف (النون) عثرت عليها في المعجم الوسيط، ومن آلاف معانيها الحسية والمجردة، قد وقع اختياري على (368) كلمة اعتبرتها مصادر جذور.
وقد اعتمدت لكل واحد منها معنى حسياً واحداً، وربما أضفت إليه معنى مجرداً ثانياً في قليل من الأحيان،
وذلك للكشف عن الرابطة الذهنية المميزة بين المعنيين: الحسي والمجرد.
ولا مطعن جدّياً على دراساتي في هذا الاختيار، ما دمت قد التزمت بقاعدة صارمة لم أحد عنها: هي اعتماد الكلمة الألصق بالطبيعة والمعنى الحسي والألصق بالفطرة بما يتوافق مع نشأة اللغة العربية الحسية وسائر اللغات العروبية (السامية).
ودعماً (علمياً- رياضياً) لهذه الدراسة في مواجهة القائلين باصطلاحية معنى الكلمة العربية واعتباطيته فقد استعرضت في هذه الدراسة معاني (9767) مصدراً جذراً لعشرات الوف المعاني، أثبت منها معاني (3523) مصدراً كأمثلة على توافق خصائص الحروف العربية مع معانيها فكانت نسبة التوافق بينهما تراوح بين (50-91) في المئة، ولم تقلّ عن ذلك إلا في الأحرف (الهيجانية) وحرفي (ت-ح) لأسباب خاصة كما سيأتي في متن الدراسة.
هذا وقد خصصت الفصل الأخير من هذه الدراسة للحديث عن المشاعر الإنسانية وفق ما تناولها علم النفس وذلك للبرهان على توافق المبادئ والأسس التي اعتمدتها في هذه الدراسة مع مبادئ علم النفس،سواء بمعرض الكشف عن النهج الذي اتبعه العربي في ابداع كلماته تعبيراً عن معانيه، أم بمعرض النهج الذي اتبعته في استشفاف تلك المعاني.
ثالثاً- أما أغرب ما جاء في هذه الدراسة، فهو تصنيف الحواس الخمس والمشاعر الإنسانية في هرم تبدأ قاعدته بالحاسة اللمسية،
أشد الحواس كثافة والصقها بمادة الأشياء، ثم تليها صعوداً على التوالي حواس (الذوق، فالشم، فالبصر، فالسمع، فالمشاعر الإنسانية) ولكل واحدة منها فئة معينة من الحروف.
فكانت معاني المصادر الجذور التي تبدأ أو تنتهي بكل فئة منها تلتزم بطبقتها الحسية، لا تتجاوزها صعوداً إلى الطبقات الأعلى، إلا نادراً وإن كان لها الحق (الشرعي) في الهبوط إلى الأدنى وذلك بحكم ولاية الأعلى مرتبة على الأدنى. وغالباً ما يتم الخروج على هذه القاعدة بشفاعة حرف مشارك ينتمي إلى الطبقة الأعلى، على غرار ما يتم في الأندية العصرية الراقية.
ثانياً- بعض الأضواء على الجديد في دراسة (الحرف العربي، والشخصية العربية):
بعد أن انتهيت من دراستي (خصائص الحروف) ثبت لي على واقع آلاف الأمثلة المضروبة أن العربي قد اعتمد خصائص الحروف ومعانيها في ألفاظه للتعبير عن معانيه، ولقد آخى في ذلك بصورة عامة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، مما يشير إلى فطرية العربية.
ولكن هذه الفطرية تفترض بداءة الحرف العربي وفجرية الإنسان الذي أبدعه. بمعنى أنهما قد نشآ وترعرعا واستوفيا شروط تكاملهما ونضجهما في بيئة محددة هي حصراً (الجزيرة العربية)، لم تغزهما فيها لغة ما، ولا شعب آخر، والعكس صحيح. وهذا يقتضي أن تكون الجزيرة العربية الأم هي الأسبق حضارياً وثقافياً من سائر المناطق المجاورة.
ولما كان العربي قد اعتمد في آلاف الأمثلة المضروبة الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) في الحروف العربية للتعبير عن معانيه، فلا بد أن تعود أصولها إلى مراحل حياتية متفاوتة في الرقي، قد أمضاها في جزيرته البكر حصراً.
فالهيجاني أقل تطوراً من الإيمائي، وهذا أقل تطوراً من الإيحائي، وهو أرقى وسائل التواصل اللغوي، مما لم يعد له نظير في أي لغة معاصرة أخرى، وهذا يعني أن الحروف العربية تنتمي بالضرورة إلى مراحل حياتية ثلاث متفاوتة في التطور والرقي.
ولكن ماذا عن طبيعة هذه المراحل؟ ومتى بدأت كل واحدة منها، ومتى انتهت. ثم ما هي الرابطة الفطرية الطبيعية بين كل مرحلة منها وبين خصائص الحروف التي ورثناها عنها؟ وأخيراً، ما هي طبيعة العلاقات الفطرية المتبادلة بين الحرف العربي والإنسان الذي أبدعه؟
لذلك واستكمالاً لدراستي العتيدة (خصائص الحروف)،
وحماية لها من نقد الشاكيّن الأبرياء، ومن تحامل المشككين بفطرية العربية وحروفها، كان لا بد لي من الإجابة عن تلك التساؤلات،
وغيرها بالعودة إلى المراجع المختصة.
ولكنّ علماء الآثار والتاريخ واللغات ومن إليهم،
قد أهملوا الجزيرة العربية،
لظاهرة تصحرها في تقصياتهم عن أصول الحضارة البكر،
سواء في استئناس النبات والحيوان، أو أصول اللغات والعبادات وما إليها، ما شذَّ عنهم فيما وصل إلى علمي سوى المؤرخ الكبير (شوينغرت) حيث يقول:
"إن الشعير والذرة الرفيعة والقمح وتأنيس الماشية والماعز والضأن وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد ما بين النهرين من أقدم العهود المدونة، لم توجد في حالتها الطبيعية في مصر، بل في بلاد آسيا الغربية وبخاصة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة (أي الجزيرة العربية).. ثم انتشرت منها في صورة مثلث ثقافي إلى ما بين النهرين (سومر وبابل) وإلى مصر". ويعلق (ديورنت) على ذلك في قصة الحضارة ج1 (ص42) بقوله:
"ولكن ما وصل إلى علمنا من تاريخ بلاد العرب القديمة حتى الآن ليبلغ من القلة حدّاً لا نستطيع معه إلا أن نقول: إن هذا مجرد فرض جائز الوقوع".
وللإجابة عن هذه التساؤلات الفائقة الأهمية والإحراج كان لا بد لي من الاستعانة بالمراجع (التاريخية والأثرية والاجتماعية واللغوية وسواها) ولا سيما ما يتعلق منها بأصول الحضارات الإنسانية في المناطق المجاورة للجزيرة العربية (مصر+ بلاد ما بين النهرين+ بلاد الشام أي (سورية+ الأردن + فلسطين) وقد خلصت منها إلى النتائج التالية:
1-اللغة العربية هي فطرية النشأة (موضوع الفصل الأول)
2-الإنسان العربي والحرف العربي قد تعايشا معاً في الجزيرة العربية خلال ثلاث مراحل حياتية هي: الغابية وقد بدأت مع بداية العصر الجليدي الأخير منذ الألف (100) ق.م واستمرت حتى نهايته في الألف (14-12) ق.م وقد ورثنا عنها يقيناً أصول أحرف (الهمزة -ا-و-ي) ثم تلتها المرحلة الزراعية واستمرت حتى الألف (9) ق.م وقد ورثنا عنها باحتمال شديد أصول أحرف (ف-ل -م- ث-ذ) ثم تلتها المرحلة الرعوية بعد استحكام الجفاف في الجزيرة العربية واستمرت حتى العصور الجاهلية وفجر الإسلام. وقد ورثنا عنها باحتمال شديد بقية الحروف. (موضوع الفصل الثاني).
وإنه لمن غرائب العربية المدهشة،
أن يحتفظ العربي بدلالات هذه الفئات الثلاث من الحروف العربية.
وقد عرضت أسباب ذلك في خاتمة دراستي (خصائص الحروف..) تحت عنوان "حول تداخل المراحل اللغوية".
3-الجزيرة العربية هي حتماً مهد الإنسان العربي وحضارته (موضوع الفصل الثالث).
4-أما الفصلان الأخيران (الرابع والخامس) فقد خصصتهما للكشف عن عوامل تكوين شخصيتي الإنسان العربي والحرف العربي:
(الحيوية والنفسية والاجتماعية) وكذلك عن دور الشعر العربي الأصيل والفروسية في خلق الروابط الفطرية المتبادلة بينهما.
يتبع >>
- دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998
- الكاتب حسن عباس
المقدمة
هذه الدراسة عن "خصائص الحروف العربية ومعانيها"
هي أصل لدراسات ثلاث أخرى متفرعة منها قد تناولت المزيد من مسائل الحرف العربي وقضاياه،
بما في ذلك مختلف العلاقات الفطرية المتبادلة بينه وبين الإنسان الذي أبدعه. وهي بحسب تواريخ إنجازها:
الأولى- خصائص الحروف العربية ومعانيها- أنجزتها عام (1982) وهي رهن الدراسة.
الثانية- الحرف العربي والشخصية العربية- أنجزتها عام (1987) ونشرتها عام 1992.
الثالثة- حروف المعاني بين الأصالة والحداثة أنجزتها عام 1991 وهي قيد النشر.
الرابعة- إطلالة على الإعجاز اللغوي في القرآن نشرتها عام 1994.
فماذا عن هذه الدراسات الأربع:
ولنبدأ بالدراسة الرابعة (الإطلالة).
إنها مجرد تطبيق عملي لما تحصّل لي من خصائص الحروف العربية ومعانيها في الدراسات الأخرى على أرقى النصوص اللغوية فصاحة وبلاغة.
فقد اختبرت ما تحصل لي من خصائص ومعاني (23) حرفاً من مئات الجداول على واقع استعمالات القرآن الكريم لها في (سوره وآياته ومفرداته وقوافيه- أي فواصله) بدقة وإحكام لا نظير لذلك في أدب أو شعر أو معجم. وقد استوفى كل استعمال منها شروط الإعجاز اللغوي، مما لم ينتبه له أي من مفسري القرآن أو الباحثين عن إعجازه اللغوي،
ولا عتب عليهم في ذلك لأن أياً منهم لم يهتد إلى خصائص الحروف العربية ومعانيها.
وحذر الإطالة أكتفي بهذا المقدار الضئيل من التنويه بتداخلها في الدراسات الأخرى، لأنها كما أسلفت مجرد تطبيق عملي لها. وإذن ماذا عن تداخل دراساتي الأخرى؟
لئن كانت هذه الدراسات تتماس مع بعض ما سبقها من الدراسات اللغوية حول خصائص الحروف العربية ومعانيها،
فإنها ليست مجرد توسع لها، ولا استطراداً لبحوثها،
وإن كانت تعتبر استكمالاً لها،
فهي تختلف عنها في منطلقها (الفلسفي) وفي نهجها (العلمي- الرياضي) كما سيأتي في المدخل،
مما يحفظ لها استقلالها عن غيرها.
وإذن ماذا عن الجديد في كل واحدة منها؟
أولاً- بعض الأضواء على الجديد في دراستي "خصائص الحروف العربية ومعانيها"؟
لقد حدست في أول كتاب لي "هذه أمة العرب في تجاربها" المنشور عام 1958 أن ثمة علاقات فطرية متبادلة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، أوجزتها في مقولة "لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن" ولقد تثبت من صحتها في قطاع المشاعر الإنسانية بكتابي الثاني
"لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن" المنشور عام 961.
ومن ثم وحسماً لكل جدل حول هذه المقولة، خطر لي أن أتثبت من صحتها في القطاع اللغوي بحثاً عما إذا كان الإنسان العربي قد خصص الكلمات التي في أصوات حروفها (رقة، وأناقة، وجمال، ودماثة، وصقل، وفعالية...)
وما إليها مما له صداه المحبب في النفس، لما يناسبها من المعاني الجيدة والعكس بالعكس،
وبذلك يتحقق التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية في القطاع اللغوي أيضاً.
ولقد انجزت دراستي "خصائص الحروف العربية ومعانيها" للمرة الأولى عام 978 تحت عنوان "الحروف العربية والحواس الست" باعتبار أن (الشعور) هو الحاسة السادسة،
وقد اتبعت في ذلك نهج من قال بفطرية اللغة العربية ممن اجمعوا صراحة أو ضمناً على أن معنى الحرف العربي هو (صدى صوته في الوجدان،
أو النفس).
وكان ابن جني أبلغ من عبر عن هذه النظرية اللغوية الفطرية بمقولته الشهيرة: (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".
ومن ثم وفي إحدى مراجعاتي لها أفاجأ بأن الإنسان العربي الذي اعتمد الخصائص (الإيحائية) في أصوات بعض الحروف للتعبير عن معانيه،
قد اعتمد أيضاً الخصائص (الهيجانية) وكذلك- الخصائص (الإيمائية- التمثيلية) في بعضها الآخر.
وكان من طبيعة الأمور أن أعيد دراسة المشروع الأولى: "الحروف العربية والحواس الست" حرفاً حرفاً من (ألفه إلى يائه).
وتستمر الرحلة بي بضعة عشر عاماً أخرى، فكان أعقد ما واجهني في تقصياتي خلالها ثلاث قضايا هي:
أولاً- التحري عن الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) المتوقعة في كل حرف، وذلك بحسب مواقعه في أوائل جميع المصادر الجذور إطلاقاً وكذلك لتسعة عشر حرفاً تقع في آخرها، ثم لستة أخرى تقع في وسطها. وقد تبين لي أن خصائص كل حرف تتغير من موقع إلى آخر، وذلك تبعاً لطريقة النطق بصوته: مشدداً عليه في مقدمة المصادر، ومرققاً منعماً في آخرها، وبين بين في وسطها. وبذلك يكون للحرف الواحد العديد من المعاني بحسب مواقعه من المصادر الجذور التي يشارك في تراكيبها.
ثانياً- أما أشق ما عانيته في هذه الدراسة فهو الاهتداء إلى المصدر الجذر الألصق بالطبيعة وإلى معناه الألصق بالفطرة.
وذلك لأن الأصل في معنى الكلمة العربية هو ما أخذه العربي مباشرة عن الطبيعة: "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد" كما قال ابن جني. فيكون الأصل في معناه تبعاً لذلك هو الحسي ثم جاءت المشتقات بمعانيها الحسية الأخرى، ثم المجردة في مراحل ثقافية متطورة.
فمن (2931) كلمة ومشتقاً تبدأ بحرف (النون) عثرت عليها في المعجم الوسيط، ومن آلاف معانيها الحسية والمجردة، قد وقع اختياري على (368) كلمة اعتبرتها مصادر جذور.
وقد اعتمدت لكل واحد منها معنى حسياً واحداً، وربما أضفت إليه معنى مجرداً ثانياً في قليل من الأحيان،
وذلك للكشف عن الرابطة الذهنية المميزة بين المعنيين: الحسي والمجرد.
ولا مطعن جدّياً على دراساتي في هذا الاختيار، ما دمت قد التزمت بقاعدة صارمة لم أحد عنها: هي اعتماد الكلمة الألصق بالطبيعة والمعنى الحسي والألصق بالفطرة بما يتوافق مع نشأة اللغة العربية الحسية وسائر اللغات العروبية (السامية).
ودعماً (علمياً- رياضياً) لهذه الدراسة في مواجهة القائلين باصطلاحية معنى الكلمة العربية واعتباطيته فقد استعرضت في هذه الدراسة معاني (9767) مصدراً جذراً لعشرات الوف المعاني، أثبت منها معاني (3523) مصدراً كأمثلة على توافق خصائص الحروف العربية مع معانيها فكانت نسبة التوافق بينهما تراوح بين (50-91) في المئة، ولم تقلّ عن ذلك إلا في الأحرف (الهيجانية) وحرفي (ت-ح) لأسباب خاصة كما سيأتي في متن الدراسة.
هذا وقد خصصت الفصل الأخير من هذه الدراسة للحديث عن المشاعر الإنسانية وفق ما تناولها علم النفس وذلك للبرهان على توافق المبادئ والأسس التي اعتمدتها في هذه الدراسة مع مبادئ علم النفس،سواء بمعرض الكشف عن النهج الذي اتبعه العربي في ابداع كلماته تعبيراً عن معانيه، أم بمعرض النهج الذي اتبعته في استشفاف تلك المعاني.
ثالثاً- أما أغرب ما جاء في هذه الدراسة، فهو تصنيف الحواس الخمس والمشاعر الإنسانية في هرم تبدأ قاعدته بالحاسة اللمسية،
أشد الحواس كثافة والصقها بمادة الأشياء، ثم تليها صعوداً على التوالي حواس (الذوق، فالشم، فالبصر، فالسمع، فالمشاعر الإنسانية) ولكل واحدة منها فئة معينة من الحروف.
فكانت معاني المصادر الجذور التي تبدأ أو تنتهي بكل فئة منها تلتزم بطبقتها الحسية، لا تتجاوزها صعوداً إلى الطبقات الأعلى، إلا نادراً وإن كان لها الحق (الشرعي) في الهبوط إلى الأدنى وذلك بحكم ولاية الأعلى مرتبة على الأدنى. وغالباً ما يتم الخروج على هذه القاعدة بشفاعة حرف مشارك ينتمي إلى الطبقة الأعلى، على غرار ما يتم في الأندية العصرية الراقية.
ثانياً- بعض الأضواء على الجديد في دراسة (الحرف العربي، والشخصية العربية):
بعد أن انتهيت من دراستي (خصائص الحروف) ثبت لي على واقع آلاف الأمثلة المضروبة أن العربي قد اعتمد خصائص الحروف ومعانيها في ألفاظه للتعبير عن معانيه، ولقد آخى في ذلك بصورة عامة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، مما يشير إلى فطرية العربية.
ولكن هذه الفطرية تفترض بداءة الحرف العربي وفجرية الإنسان الذي أبدعه. بمعنى أنهما قد نشآ وترعرعا واستوفيا شروط تكاملهما ونضجهما في بيئة محددة هي حصراً (الجزيرة العربية)، لم تغزهما فيها لغة ما، ولا شعب آخر، والعكس صحيح. وهذا يقتضي أن تكون الجزيرة العربية الأم هي الأسبق حضارياً وثقافياً من سائر المناطق المجاورة.
ولما كان العربي قد اعتمد في آلاف الأمثلة المضروبة الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) في الحروف العربية للتعبير عن معانيه، فلا بد أن تعود أصولها إلى مراحل حياتية متفاوتة في الرقي، قد أمضاها في جزيرته البكر حصراً.
فالهيجاني أقل تطوراً من الإيمائي، وهذا أقل تطوراً من الإيحائي، وهو أرقى وسائل التواصل اللغوي، مما لم يعد له نظير في أي لغة معاصرة أخرى، وهذا يعني أن الحروف العربية تنتمي بالضرورة إلى مراحل حياتية ثلاث متفاوتة في التطور والرقي.
ولكن ماذا عن طبيعة هذه المراحل؟ ومتى بدأت كل واحدة منها، ومتى انتهت. ثم ما هي الرابطة الفطرية الطبيعية بين كل مرحلة منها وبين خصائص الحروف التي ورثناها عنها؟ وأخيراً، ما هي طبيعة العلاقات الفطرية المتبادلة بين الحرف العربي والإنسان الذي أبدعه؟
لذلك واستكمالاً لدراستي العتيدة (خصائص الحروف)،
وحماية لها من نقد الشاكيّن الأبرياء، ومن تحامل المشككين بفطرية العربية وحروفها، كان لا بد لي من الإجابة عن تلك التساؤلات،
وغيرها بالعودة إلى المراجع المختصة.
ولكنّ علماء الآثار والتاريخ واللغات ومن إليهم،
قد أهملوا الجزيرة العربية،
لظاهرة تصحرها في تقصياتهم عن أصول الحضارة البكر،
سواء في استئناس النبات والحيوان، أو أصول اللغات والعبادات وما إليها، ما شذَّ عنهم فيما وصل إلى علمي سوى المؤرخ الكبير (شوينغرت) حيث يقول:
"إن الشعير والذرة الرفيعة والقمح وتأنيس الماشية والماعز والضأن وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد ما بين النهرين من أقدم العهود المدونة، لم توجد في حالتها الطبيعية في مصر، بل في بلاد آسيا الغربية وبخاصة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة (أي الجزيرة العربية).. ثم انتشرت منها في صورة مثلث ثقافي إلى ما بين النهرين (سومر وبابل) وإلى مصر". ويعلق (ديورنت) على ذلك في قصة الحضارة ج1 (ص42) بقوله:
"ولكن ما وصل إلى علمنا من تاريخ بلاد العرب القديمة حتى الآن ليبلغ من القلة حدّاً لا نستطيع معه إلا أن نقول: إن هذا مجرد فرض جائز الوقوع".
وللإجابة عن هذه التساؤلات الفائقة الأهمية والإحراج كان لا بد لي من الاستعانة بالمراجع (التاريخية والأثرية والاجتماعية واللغوية وسواها) ولا سيما ما يتعلق منها بأصول الحضارات الإنسانية في المناطق المجاورة للجزيرة العربية (مصر+ بلاد ما بين النهرين+ بلاد الشام أي (سورية+ الأردن + فلسطين) وقد خلصت منها إلى النتائج التالية:
1-اللغة العربية هي فطرية النشأة (موضوع الفصل الأول)
2-الإنسان العربي والحرف العربي قد تعايشا معاً في الجزيرة العربية خلال ثلاث مراحل حياتية هي: الغابية وقد بدأت مع بداية العصر الجليدي الأخير منذ الألف (100) ق.م واستمرت حتى نهايته في الألف (14-12) ق.م وقد ورثنا عنها يقيناً أصول أحرف (الهمزة -ا-و-ي) ثم تلتها المرحلة الزراعية واستمرت حتى الألف (9) ق.م وقد ورثنا عنها باحتمال شديد أصول أحرف (ف-ل -م- ث-ذ) ثم تلتها المرحلة الرعوية بعد استحكام الجفاف في الجزيرة العربية واستمرت حتى العصور الجاهلية وفجر الإسلام. وقد ورثنا عنها باحتمال شديد بقية الحروف. (موضوع الفصل الثاني).
وإنه لمن غرائب العربية المدهشة،
أن يحتفظ العربي بدلالات هذه الفئات الثلاث من الحروف العربية.
وقد عرضت أسباب ذلك في خاتمة دراستي (خصائص الحروف..) تحت عنوان "حول تداخل المراحل اللغوية".
3-الجزيرة العربية هي حتماً مهد الإنسان العربي وحضارته (موضوع الفصل الثالث).
4-أما الفصلان الأخيران (الرابع والخامس) فقد خصصتهما للكشف عن عوامل تكوين شخصيتي الإنسان العربي والحرف العربي:
(الحيوية والنفسية والاجتماعية) وكذلك عن دور الشعر العربي الأصيل والفروسية في خلق الروابط الفطرية المتبادلة بينهما.
يتبع >>