المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قُبــلة / قصة قصيرة



محمود النجار
11 - 7 - 2007, 07:38 PM
اليوم عيد .. وحدي مقرمدٌ في سماء غرفتي .. مسدولة ستائرها .. مضاءة بلون الأرجوان .. معطرة برائحة الحبق .. وصوت موسيقا طالعة من قصبةٍ سكراً .. عذبة المذاق تستهوي قصبة الروح أن تقيم على حب .. غرفة ناعسة ترقب الزائر الأول يسكب عليها شيئا من الحياة لتعطي الأصوات والألوان معناها .. نسيت العصفور .. عصفور الكناري على غير عادته لم يغنِّ اليوم .. حنجرته تصدر صوتا حزينا ، لم تشجه موسيقا القصب التي يرقص على إيقاعها كل يوم .. رأسه كـان غاطسا في صدره .. رقبتـه كانت قصيرة لا توحي بالرشاقة التي اعتدت أن أراه يتمتع بها .. كان ينظر إلي بإشفـاق ربمـا ..

أترقب كل شيء .. أراقب كل شيء .. أزيح الستارة قليلا ، أنظر من الشباك ،، ها هو شاب ، مفعما بالحيوية يمسك بيد فتاة حسناء ، يفتح لها باب السيارة ، يتودد لها في إنزالها منها .. يمد سائق الأجرة يده لإرجاع بقية المبلغ ؛ فيشير له الشاب أن ابقها لك .. ويمضيان عصفورين يطيران إلى فرح ..

أعود إلى زاويتي من جديد أسمع صوتا قرب باب الغرفة .. أنطلق مسرعا .. إنه الزائر الأول الذي أنتظره .. لقد كُسر طوق نـحسي ، هأنذا أتخلص من وحدتي .. أخرج من زرقة صدري .. أفتح الباب بسرعة فارس يمتطي صهوة ثانية .. لم أجد أحدا .. نظرت إلى أسفل .. هِرّة عملت تمزيقا في كيس القمامة ، ركلت الباب بقدمي ، وعدت إلى زاويتي .. لم أحفل بهرة جائعة ، ولا بقمامة تنتثر على باب غرفتي ..

طال انتظاري .. تناثر الملح على وجهي ..

جرس .. يا إلهي جرس يرن .. !

ركضت إلى الباب أسرع من ومضة هذه المرة .. إنه جرس .. لا شك أسمع صوت جرس ..

فتحت الباب .. الجرس لم يزل يرن .. لا أحد بالباب .. صوت الجرس مختلف هذه المرة .. يا إلهي إنه صـوت جرس الهاتف . أرجع مسرعا : ألو .. ألو .. ألو .. صمت .. الهاتف لم يزل مفتوحــا .. أظنها أنفاس أنثى .. ألو .. ألو .. ألو .. لا أحد يرد .. أطبق الصمت لحظة .. الهاتف لم يزل مفتوحا .. انتظرت دقيقة اثنتين .. هممت بإغلاق الهاتف ..

وقبل أن أعيد السماعة إلى مكانها .. ارتعد جسمي على وقع قُبلـة أصابت قلبي ومسام جلدي .. ألو .. ألو .. يغلق الهاتف .. !

أفقت من وجهي .. لملمت صدى غرفتي .. خلتني في مرج يموج بألوان الطيف ، فأستحيل حلما وردي الجنون .. إنها ليست قبلة عادية .. شهية كفردوس أعلى .. إنها قبلة أنثى .. قبلة سرية النضج .. علنية الثمرة .. لعل شفتيها ارتعشتا ؛ لقد كانت قبلة راعشة .. شفتا من هاتان يا إلهـــي ؟!

ماجت بي الغرفة ، ولم تهدأ.. من تراها صاحبة هذه القبلة ؟!

جرس يرن من جديد .. أصغيت جيدا هذه المرة .. إنه جرس الباب .. لم أسرع .. توجهت إلى الباب كورقة يعبث بها طفل .. فتحت الباب .. خاب أملي ..

ـ هذا أنت ؟!

ما الذي جاء بك ؟ كنت أحلم .. أطير .. أسبح في الفضاء .. لماذا أيقظتني ؟!

ـ جئت لأقول لك : كل عام وأنت مجنون ..

ـ وماذا أيضا ؟ كم تريد ؟

ـ لا أريد شيئا .. هيا اخرج معي بسرعة .

ـ لماذا ؟ ماذا هناك ؟

ـ رئيس التحرير يريدك .

ـ لماذا ؟ اليوم عيد ، ونـحن في إجازة .. !

لقد مات فلان .. !!

انتفض عصفور الكناري .. مد رقبته وعاد للغناء .. !

أما أنا ، فما زلت أحس بنشوة قبلة .. !


محمود النجار
الشارقة 22/ 6/ 1994

شمس الاصيل
14 - 7 - 2007, 04:42 PM
محمود النجار

استاذنا القدير


ننتظر جديدك دائما

قصة جميله

تسلم يمينك

عوني زنون أبوالسعيد
14 - 7 - 2007, 07:10 PM
قصة قصيرة قوية البنية رصينة اللغة
مختزلة المعاني
موغلة في الرمزية والرومانسية


‏محمود النجار




تفيض أدباً و إبداعاً أستاذنا الغالي
و على بوابات الشوق واللهفة والحب ننتظر جديدكـ
قبلاتي ومحبتي

عبد الرحيم محمود
15 - 7 - 2007, 05:27 PM
وضعتني في موقف محرج بيني وبين حدثي

فلم اتوقع مثل هذه النهايه

لانسان محاصر ولايريد ان يتخلص من هذا الحصار

على العكس وجدت به تلذذ محسوس غير ظاهر بهذا الحصار

وذلك الكناري لوحده قصة اخرى لايغني الا في المصائب

وجميل انها مصائب الغير

استحوذتني طوال قراءة القصه

فصفقت لك بالنهايه وانحنيت تحية لك



مودتي

ملاك الحب
15 - 7 - 2007, 10:48 PM
قصة رائعة جدا

يسلم قلمك اخي


فراشة المنتدى ملاكـ

ساحـ(القلوب)ــر
16 - 7 - 2007, 09:04 PM
يعطيك العافيه على القصه

محمود النجار
17 - 7 - 2007, 08:06 PM
محمود النجار
استاذنا القدير
ننتظر جديدك دائما
قصة جميله
تسلم يمينك

شمس الأصيل
أشكر لك قراءتك القصة ،
وتوقيعك عليها .
دومي طيبة ..


محمود

محمود النجار
17 - 7 - 2007, 08:11 PM
قصة قصيرة قوية البنية رصينة اللغة
مختزلة المعاني
موغلة في الرمزية والرومانسية


‏محمود النجار




تفيض أدباً و إبداعاً أستاذنا الغالي
و على بوابات الشوق واللهفة والحب ننتظر جديدكـ
قبلاتي ومحبتي



الأستاذ عوني
يكون النص جميلا حين تقرؤه العيون الجميلة ..
النص يبقى جثة هامدة ، حتى إذا مرت به عينا بصير استيقظ من رقدته .
أشكر لك مرورك وتعقيبك .

محمود

محمود النجار
17 - 7 - 2007, 08:16 PM
وضعتني في موقف محرج بيني وبين حدسي
فلم أتوقع مثل هذه النهاية
لإنسان محاصر ولايريد أن يتخلص من هذا الحصار
على العكس وجدت به تلذذا محسوسا غير ظاهر بهذا الحصار
وذلك الكناري وحده قصة أخرى ، لا يغني إلا في المصائب
وجميل أنها مصائب الغير
استحوذتني طوال قراءة القصة
فصفقت لك بالنهاية وانحنيت تحية لك .
مودتي

أخي الرائع / عبد الرحيم محمود
حقيقة ، أشكر لك قراءتك النبيلة للنص ، واهتمامك بتتبع مفاصله بشكل يشي بوعي فني .
ممتن لقراءتك الواعية ، وفهمك المميز .

محمود

علي هادي
14 - 5 - 2010, 12:00 AM
اخي الفاضل

روعة بل اكثر من الروعة نفسها

وردة