مشاهدة النسخة كاملة : رسائل نازك الملائكة الى عيسى الناعوري
عوني زنون أبوالسعيد
9 - 5 - 2007, 07:13 PM
رسائل نازك الملائكة الى عيسى الناعوري
رؤى - أخبار الأدب
الرسائل في الادب العربي قديمة، وعرفها المصريون القدماء، وفي العصر الجاهلي قالت متون الكتب ان عمرو بن هند ارسل رسالةالى عامله في البحرين، حملها المتلمس وطرفة بن العبد يأمره فيها بقتلهما، ثم بدأت الرسائل في العهد الاسلامي في الانتشار والتوسع.
ومن يقرأ تلك الرسائل يلحظ دقة اللغة والاسلوب. كما بين الجاحظ وقبله القران الكريم والكتب السماوية.
وفي العصر الحديث قرأنا رسائل مي زيادة التي كانت متبادلة بينها وبين ادباء عصرها، وبين كوليت خوري ونزار قباني، وبين غادة السمان وغسان كنفاني.
وكان هذه الرسائل بعيدة عن ! الاسفاف واللغة الرخيصة والمعيبة، فلم نلحظ بتلك الرسائل اية كلمة خارجة عن سياق الاحترام والادب، والحب الانساني، ولم نقرأ مثلا ان ان غادة اخبرت غسان انها انتظرته على الروشة!!!
وان كان هناك حب عنيف الا ان المرسل/ه لم يتنازلوا في خطابهم الى الخطاب الدوني، والتحسر على ما مضى من ايام/ ولم نلحظ في رسائل الادباء سرقة نص وتحويره ليتلاءم مع طبيعة الرسالة، كمال يقوم به ( صبيان النت هذه الايام)/ كتبنا ذات مرة في احتفال تأبين الصديق الراحل الشاعر الكبير محمد القيسي ان المقاهي في غيابه يصفر فيها الريح، ( النص محفوظ) بنجد من يسطو عليه جهارا نهارا ويحوره ويحوله الى رسالة خاصة هو مبدعها( المادة المسروقة منشورة على النت) ولمن يرغب سنرسلها له.
التعريف بالناعوري ونازك
نشرت الرسائل تحت باب( عيسى الناعوري واعلام عصره – رسائل لم تنشر 1948- 1985 ) سلط فيها جامع الرسائل الشاعر تيسير النجار على الرسائل التي تم تبادلها بين الناعوري ونازك الملائكة , بما يشبه التوثيق لمرحلة ادبية هامة/ ونازك الملائكة اديبة عراقية ولدت في بغداد في اب اغسطس 1923 وتخرجت من دار المعلمين في بغداد عام 1944 اصدرت ديوانها الاول ( عاشقة الليل) عام 1947 ، ثم درست الموسيقى والعزف على الة! العود من قسم الموسيقى العام 1949/ واصدرت ديوانها الثاني (شظايا ورماد) عام 1959/ ثم عملت محاضرة في الجامعات العراقية، اما كتابها الاشهر فهو(قضايا الشعر المعاصرة) الذي صدر العام 1962 / ثم كتابها عن شعر( محمود علي طه) عام 1965/ ثم اصدرت كتاب (التجزيئية في المجتمع العربي ) 1970، ثم مجموعتها الشعرية ( مأساة الحياة واغنية الانسان) 1970 ثم مجموعتها الشعرية (شجرة القمر) 1970، و(سيكيولوجية الشعر) 1990 ، و(الشمس التي وراء العتمة) 1997.
اما عيسى الناعوري ولد في بلدة ناعور قرب العاصمة الاردنية عمان عام 1918. واتم دراسته الثانوية في المدرسة الاكليركية في القدس وعمل مدرسا في فلسطين والاردن ، ثم مفتشا ثم موظفا في التربية وعمل امينا عاما لمجمع اللغة العربية الاردني منذ تأسيسه العام 1976 وحتى العام 1985 وقب اشهر من وفاته اذ توفي الناعوري يوم 3-10-1985 ، كان كثير السفر والتجوال، وحصل على بعثة من اليونسكو في ايطاليا , كتب للتلفزيون والاذاعة، واصدر ستون كتابا مطبوعا ما بين قصة ورواية وشعر ونقد وبحث ودراسة وسير وادب طفل واحداث وترجمة وكتب مدرسية.
كما اسلفنا كانت اللغةو الادبية المكثفة والاحترام من سمات الرسائل, يلغ عدد الرسائل المتبادلة بين الناعوري ونازك الملائكة 15 رسالة ، وكانت توقع دائما رسائلها بالمخلصة نازك الملائكة، هكذا كانت المخاطبات الثقافية والرسائل بين الادباء الذين يحترمون ابداعاتهم، لانهم فعلا اخلصوا للمشروع الابداعي الخاص بهم ولم تلههم المؤامرات ، ولم نقرأ في الرسائل ان نازك حاولت التنكر للناعوري عندما كان ينشر لها في مجلته بل كانت ترسل له ( الاخ الكريم الاستاذ عيسى الناعوري.
عوني زنون أبوالسعيد
9 - 5 - 2007, 07:19 PM
رسائل نازك الملائكة إلي عيسي الناعوري خلال الخمسينات
بالتعاون ما بين دار مجدلاوي للنشر والتوزيع في عمان واللجنة الوطنية العليا لعمان عاصمة ثقافية صدر كتاب الباحث والصحافي الأردني تيسير النجار (رسائل نازك الملائكة - رسائل مخطوطة إلي عيسي الناعوري) وهذه الرسائل لم يسبق لها أن نشرت بالرغم من مرور أكثر من نصف قرن علي مكوثها طي الأدراج كما يقول النجار، ويتابع في مقدمته مبينا أهمية هذا الجهد (تكشف العديد من المسائل من حياة الأديبة نازك الملائكة وتوثق انفعالاتها عبر فترة ماتت فيها أمها وجدها وعمها، كما تقدم وثيقة ذاتية وإنسانية وفكرية عن ريادة الملائكة للشعر الحر ففي رسالتها المؤرخة في 16/11/1953 تقول يوأنا أعلم أن بدر السياب بدأ يحاول في إلحاح منذ سنة 1950 أن يخبر كل إنسان أنه هو الذي بدأ الحركة وأنني أنا لست سوي تابعة ..، ولكن الزميل سامحه الله علي كل حال ينسي أن القصائد كثيرا ما تنشر في الصحف قبل جمعها في دواوين مطبوعة، وهو لا يعلم علي الإطلاق أن قصيدتي الحرة الوزن ( الكوليرا) المنشورة في (شظايا ورماد ) قد نشرت في عدد كانون الأول (ديسمبر) 1947 في بيروت في مجلة العروبة التي كان يصدرها الأستاذ محمد علي الحوماني ،وأنني كنت قبل ذلك بشهرين قد أرسلتها إلي أديب صديق من لبنان أستطلع رأيه في هذا الأسلوب الجديد الذي وفقت إليه وأنا أحاول في جهد نفسي منفعل التعبير عن إحساسي تجاه الآلاف من الموتي الذين قضي عليهم داء الكوليرا الذي تفشي في مصر آنذاك، وقد استلمت من الأديب المذكور رسالة ما زلت أحتفظ بها يخبرني فيها أنه عرض القصيدة علي عمر أبو ريشة ونقولا فياض وعبدالله العلايلي وغيرهم فانقسموا حولها في الرأي .. ويتابع معد الكتاب النجار مقدمته التوضيحية قائلا وفي هذه الفترة من المراسلات 14-9-1952وحتي 16 ـ 5 ـ 1954 كان الأديب الناعوري يصدر مجلته الشهرية (القلم الجديد) في عمان وصدر منها اثنا عشر عددا .....، وإن مضامين الرسائل توضح فيما بينهما بأنها محض أدبية وأهميتها لا تكمن في كونها بين أديبين كبيرين ولكنها بالقدر نفسه تشكل ثروة أدبية تتيح للدارسين والنقاد إعادة النظر في حياة هذين الأديبين وفي إنتاجهما الإبداعي من جهة ثانية إذ ليس من سبيل إلي إنكار ما تتضمنه الرسائل من كشف خصوصيات حياتية أو صراعات أدبية أو جوانب في التأليف ما زالت غامضة علي الباحثين والدارسين، ثم أنها تجعل قارئها يقف علي حقيقة الشخصيات الأدبية والأعلام الذين ورد ذكرهم ضمنا في هذه الرسائل كما أنها تجلي جوانب مجهولة من حياتهم، وبالقدر ذاته تكشف ملامح من الحياة السياسية والاجتماعية في إطارها التاريخي آنذاك، وهي كذلك اعترافات شخصية لا تحب الملائكة أن تري النور أو تصل إلي الأسماع والعيون وإلا ما الذي يدعو نازك أن ترجو الناعوري بأن لا يقدم علي نشر رسائلها لو لم تكن فيها تلك الخصوصية الحميمة التي تضن بها علي الآخرين وتجعلها في منأي عن الرأي العام، وكيف كان يمكن لنا أن نقف علي جوانب الخصومة الأدبية بين نازك و السياب فيما يتعلق بريادة الشعر الحر، ولعل المتأمل في طريقة الخطاب الذي يتصدر هذه الرسائل يدرك مدي التوفير والاحترام والمكانة المميزة التي كان يحظي بها الناعوري في نفس نازك، وهو ما يكشفه أيضا الزمان المتواصل في المكاتبة) الكتاب ضم صور هذه الرسائل وطباعة لها وعددها 15 رسالة جري تبادلها خلال الفترة من 1952 وحتي منتصف العام 1954، ومما يجدر ذكره هنا أن الشاعرة نازك الملائكة من مواليد بغداد العام 1923 وتخرجت من دار المعلمين العالية العام 1947 وانضمت إلي معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقي ـ العزف علي العود، وقد أصدرت ديوانها الأول (عاشقة الليل ) العام 1949 وفيما بعد أصدرت (شظايا ورماد )، ( شجرة القمر ) وغيرها إضافة إلي عدد من الكتب النقدية مثل (قضايا الشعر المعاصر) العام 1962، و( شعر علي محمود طه ) ( مأساة الحياة وأغنية الإنسان) 1970 وغيرها، وهي اليوم تعيش علي فراش المرض في القاهرة، أما الأديب الأردني عيسي الناعوري فهو من مواليد قرية ناعور قرب عمان العام 1918 وأتم دراسته الابتدائية في القرية، ثم تابع في المدرسة الأكليركية في القدس، وعمل في التدريس مدة 15 سنة في الأردن وفلسطين ،وقد كتب الرواية والقصة القصيرة والمقالة والشعر والنقد الأدبي كما ترجم عن الإيطالية والإنكليزية واليها وله نحو ستين كتابا مطبوعا، وترجمت أعماله إلي العديد من اللغات العالمية الحية، وقد عمل أمينا عاما لمجمع اللغة العربية الأردني منذ تأسيسه العام 1976 وحتي العام 1985تاريخ وفاته . من رسالة لها مؤرخة في 7 ـ 5 ـ 1953 أي قبل نصف قرن بالتمام نقرأ ( ... الجو عندنا حار هذه الأيام حرارة عالية لا تتيح كتابة الرسائل المترفة الطويلة، وبغداد تمر بفترة انفعال شديد نادر المثيل بسبب تتويج الملك العزيز، والحق أنني لم أشهد طيلة حياتي شعبا يحب ملكا إلي هذا الحد، وقد كان منظر الجماهير الهائلة مثيرا في بغداد يوم أقسم الملك اليمين، انه شيء تقصر اللغة عن وصفه وقد تضاءلت إلي جانبه مظاهر الزينة الفخمة التي كلفت الحكومة ثلاثة ملايين دينارا، فما قيمة المهرجانات إلي جانب هذا النهر الجارف من حب جماهير الشعب ؟ لقد وقفت أرقب الكتل المندفعة من الناس في افتتان لا حد له، انهم قوة هائلة هؤلاء الجماهير، ولو ألبسناهم أحذية وكسونا أجسامهم التي خشّنها البرد والحر وثقفناهم ..، ولكن دعنا من الأحلام المؤلمة التي لا فائدة منها ولنعد الي الحديث عن الأدب والشعر . لقد كان هذا خروجا علي سياق رسالة تكتبها شاعرة إلي صاحب مجلة ..أليس كذلك ؟ ولا أدري لماذا يخطر لي أن أرجوك ألا تنشر هذه الرسالة علي الرغم من أنك كنت مدركا دائما فلم تنشر رسالة مني . رسائلي علي كل حال فظيعة عادة بحيث لا يمكن نشرها وهذا هو الذي يحميني ..لك مودتي - المخلصة نازك الملائكة ) 2.
عوني زنون أبوالسعيد
9 - 5 - 2007, 07:22 PM
في رسائلها لمجايلها عيسى الناعوري:
نازك الملائكة تحسم مسألة ريادتها للشعر الحرّ
و كتبت هيا صالح
تكتسب رسائل الأدباء إلى بعضهم بعضاً أهمية توازي -وربما تفوق- أهمية نصوصهم الأدبية؛ فهي تحمل -من جهة- قيمة تاريخية تتمثل في أنها تكشف عن ملامح العصر أو الفترة التي كُتبت فيها، والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحاطت بكتابتها. وهي -من جهة أخرى- تُعْتَبر وثائق حياتية وشهادات على الذات تسلط الضوء على سيرة صاحبها، والعوامل التي شكّلت إبداعه، وتنقل آراءه في ما يجري حوله من أحداث ومتغيرات. وهذا ما نجده في رسائل الشاعرة العراقية نازك الملائكة التي بعثتها للأديب الأردني عيسى الناعوري، وخرجت إلى النور بعد مرور أكثر من نصف قرن على كتابتها، (وعددها خمس عشرة رسالة) ، في كتاب هو الأول ضمن سلسلة (عيسى الناعوري وأعلام عصره، رسائل مخطوطة لم تنشر 1948 – 1985)، من جمع وتوثيق الصحفي تيسير النجار.
وكما تشي الرسائل، يبدو أن الناعوري هو الذي بادر أوّلاً في الكتابة إلى نازك ومراسلتها، حين وجّه إليها الدعوة للمشاركة في مجلة (القلم الجديد) التي كان يُصدرها في عمّان، والتي توقّفت بعد اثني عشر عدداً، ما كان له بالغ الأثر في نفس نازك، خصوصاً وأنّ العدد الأخير منها تضمّن قصيدة من شعر والدتها التي رحلت عن الدنيا في الفترة نفسها التي توقّفت فيها المجلة. تقول نازك في رسالة بعثتها لعيسى بعد رسالة سابقة كتبتها ولم تبعثها: "إنني في هذه الرسالة الملغاة قد تناولت موضوع الصلة الخفية التي تبدو بين وفاة فقيدتنا الحبيبة ومجلة (القلم الجديد) التي توقفت، وختمت كلامي بعبارة (فكأن والدتي ومجلتها قد كانتا على ميعاد)" [ص32].
ولشعورها أو لمعرفتها المسبقة بأن هذه الرسائل ستُنْشَر في كتاب مطبوع في يوم ما، فقد سعت نازك إلى أن تكون رسائلها قطعاً أدبية، وبذلت جهداً كبيراً في اختيار كلماتها. وهي، فضلاً عن هذا كلّه، جعلت من الرسائل بمثابة البيانات التي تناقش فيها مسائل فكرية وثقافية راهنة -في حينه- وتطرح من خلالها آراءها في ما يشغل بالها من قضايا: "وإذا أردت أن تحتفظ برسالتي تلك وبهذه فافعل، فقد يُتاح لك نشرها بعد عشرين سنة، (إن كان الجمهور إذ ذاك سيهتم بشيء مثلهما). إن انعدام الزمن هو وحده الذي يجعل للرسائل الشخصية قيمة، وهذا هو السبب في أننا نقرأ اليوم باستمتاع رسائل فولتير وكيتس" [ص45].
وإذا ما تتبّعنا للخيط الذي يلظم الرسائل، نجد أن قضية "الريادة في الشعر الحر" (وهي قضية لا تزال خلافية حتى وقتنا الحاضر) تأتي في مقدمة القضايا الأدبية التي طرحتها الملائكة وتناولتها في رسائلها باستفاضة، هادفةً من وراء ذلك حسمَ أمر ريادتها في كتابة هذا الشكل الأدبي الذي أحدث ثورة في بنيان القصيدة العربية وشكلها. فاستندت نازك، لتقنع الآخرين بوجهة نظرها، إلى وقائع وأحداث وتواريخ محدّدة، مؤكّدةً -في غير مرّة- أنّ قصيدتها "الكوليرا" التي نشرتها في كانون الأول 1947 في مجلة (العروبة)، كانت أول قصيدة كُتبت في الشعر الحر.
ونازك بذلك، إنما كانت تحاول -وبشكلٍ أساسي- دحضَ ما يُنْسَب إلى الشاعر بدر شاكر السياب من أمر الريادة في هذا الموضوع، انطلاقاً من أنه نشر قصيدة من الشعر الحر في ديوانه الأول (أزهار ذابلة) الذي صدر قبل ديوان نازك (شظايا ورماد) الذي يتضمن قصيدة الكوليرا بسنتين كاملتين.
وفي ردّها على "ادّعاءات" السيّاب تقول نازك في رسالة بعثت بها إلى الناعوري بتاريخ 16/ 11/ 1953: "ولكن الزميل (تقصد السيّاب) سامحه الله على كل حال، ينسى أن القصائد كثيراً ما تُنشَر في الصحف قبل جمعها في دواوين مطبوعة. وهو لا يعلم على الإطلاق أن قصيدتي الحرة الوزن (الكوليرا) المنشورة في (شظايا ورماد) قد نُشرت في عدد كانون الأول 1947 في بيروت في مجلة (العروبة) التي كان يُصدرها الأستاذ محمد علي الحوماني، وأنني كنت قبل ذلك بشهرين قد أرسلتها إلى أديب صديق في لبنان أستطلع رأيه في هذا الأسلوب الجديد الذي وُفّقت إليه وأنا أحاول –في جهدٍ نفسيٍّ منفعل- التعبيرَ عن إحساسي تجاه الآلاف من الموتى الذين قضى عليهم داء الكوليرا الذي تفشّى في مصر آنذاك" [ص39].
وتضيف نازك مخاطبةً الناعوري: "وإذا علمتَ أيها الأخ، أن ديوان بدر شاكر السياب (أزهار ذابلة) قد صدر في النصف الثاني من كانون الأول 1947، وأنه أول أثر مطبوع له، أدركتَ ماذا عليك أن تسمّي دعواه هذه التي ليس في تاريخي الأدبي كلّه منذ سنة 1941 ما يؤيد إمكان حدوثها" [ص40].
وتؤسّس الملائكة، في إحدى رسائلها، للخطوط العريضة، والشروط التي يستند إليها هذا اللون الجديد من الشعر، من وجهة نظرها: "إنه شعر موزون جاء على أوزان العرب تماماً" [ص47]، وهو "يتلاعب بعدد التفاعيل، ولا يلتزم التقسيم الشطري" [ص51]، لكنه "يلتزم بالقافية" [ص52].
وتكشف نازك، أيضاً، عن موقف الناعوري من الشعر الحر، والذي تمثّل في رفضه له، وعدم الاعتراف به: "وأغلب الظن أن المقال سيرضيك.. أو دعني أقل (إلى حدٍّ ما)، فلا شيء مما يتعلّق بالشعر الحر يرضيك فيما يبدو، يا أخي!!" [ص47].
وتدين الملائكة، في عدد من رسائلها، الضغوط التي كانت تمارسها الرقابة على حرية النشر والتعبير عن الرأي: "ويؤسفني أن تعاني الصحافة ضغط الحكومات العربية. وما الذي كان في هذا العدد الذي منعته رقابتُنا؟ هذا يبدو مدهشاً. على أن (القلم الجديد) لم تكن الوحيدة التي مُنعت، فقد عانت هذا مجلات كثيرة منها (الثقافة) التي قُطعت عنا حتى توقّفها تقريباً" [ص20].
وتبثّ نازك، في ما كانت تكتبه للناعوري، لواعجها، وتُعبّر عن مشاعرها تجاه الأحداث والمناسبات الاجتماعية التي ألَمّت بها أو أثّرت عليها، كمرض أصابها، أو وفاة عزيز رحل دون رجعة، أو كارثة طبيعية كالفيضان الذي كاد يجرف منزلها، وغير ذلك مما كان سبباً في انقطاع رسائلها عن الناعوري. ولحرصها على العلاقة الإنسانية والأدبية التي تجمعها بالناعوري، فقد كانت دائماً تبدي الاعتذار والأسف لتأخرها بالكتابة إليه، موضحةً الظروف التي حالت دون تواصلها معه: "تحية جميلة.. أعتذر بعدها عن سكوتي الطويل الذي لم يكن منه بد، فقد انشغلت بالمتاعب والأحزان وبكارثة حلّت بنا في الشهر الماضي، وهي وفاة عمي الذي كان له تأثير عظيم في حياتنا، ومنزلة كبرى من نفسنا" [ص54].
وفي الوقت نفسه، كانت نازك ترى في الرسائل المرآةَ الصادقة، والوسيلة القادرة على نقل ما في عالَمها الجوّاني من اصطخابٍ وتأمّلات، والكشف عن رؤيتها الذاتية الخاصة للحياة. ونقل أحاسيسها وانفعالاتها في ما كان يعصف بها من أحداث قاسية، كانت تقابلها بابتسامة واثقة بغدٍ أجمل: "شكراً على تمنياتك لنا بعيد الأضحى الذي قضينا أيامه في حزن عميق يذهب أبعدَ ما تصل إليه الألفاظ. على أن من الجميل أن نشارك الناس ولو بابتسامة واحدة، ومن الإنسانية أن تقف جراحنا مبتسمة على الرغم من أنها تدمى" [ص35].
وإن كان ثمّة ما يمكن أن تؤشّر عليه الرسائل، فهو بالتأكيد، تلك العلاقة الإنسانية الراقية والنبيلة التي جمعت بين نازك والناعوري، وسموّ الأخلاق التي كانا يتحلّيان بها، واحترامهما بعضهما بعضاً، وسماع الواحد منهما رأيَ الآخر وتقديره، وعدم إقصائه أو نفيه حتى إن كان يخالف رأيه أو يناقضه، في إطار حوار يرتكز على المناقشة الصريحة والإقناع المنطقي. وهذا ما يتّضح جليّاً في الرسالة التي تناقش نازك فيها قضية الشعر الحر والمؤرخة في 1/ 12/ 1953: "أما كَوْنُ رأيك في الموضوع يخالف رأيي، فلعلّه أنفع لك ولي وللأدب عموماً. ماذا يقول الفيلسوف الفرنسي: (إن خير طريقة يرى فيها جماعة من الناس منظراً أن يقفوا ظهراً بظهر يحدّق كلٌّ إلى جهة من الجهات). إن هذا هو عينه ما يحدث في حالة اختلاف الآراء بيننا. فأنا أرى من نقطة وأنت ترى من نقطة غيرها" [ص43].
وكما نرى، فإنّه يمكن اعتداد رسائل نازك الملائكة إلى عيسى الناعوري، وثائق أدبية وتاريخية ترصد الأحوال والمتغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها المرحلة التي كُتبت فيها هذه الرسائل، ما يعني أنها -بالتأكيد- ستغدو مرجعاً لا غنى عنه، عند دراسة نازك أو الناعوري، أو المشهد الأدبي في حقبة الخمسينيات من القرن المنصرم.
بقي أن نقول إن الشاعرة نازك الملائكة وُلِدَت في بغداد (العراق)، العام 1923، وتخرجت في دار المعلمين العالية العام 1944. أصدرت ديوانها الأول (عاشقة الليل) العام 1947، ثم تخرجت في معهد الفنون الجميلة (قسم الموسيقى) بعد أن تعلمت العزف على آلة العود، العام 1949. صدر لها لاحقاً عدد من المجموعات الشعرية منها: شظايا ورماد 1959، مأساة الحياة وأغنية الإنسان (مطوّلة شعرية) 1970، شجرة القمر 1970. بالإضافة إلى كتب بحثية ونقدية من أبرزها: قضايا الشعر المعاصر 1962، شعر علي محمود طه 1965، سيكولوجية الشعر 1990.
أما الأديب عيسى الناعوري، فقد وُلد في قرية (ناعور) قرب عمّان (الأردن)، العام 1918 وتوفي العام 1985. أتم دراسته الابتدائية في قريته، ثم أكمل الدراسة الثانوية في المدرسة الإكليركية في القدس. تنقّل بين عدد من الأقطار العربية، والبلدان الأوروبية، واطّلع من خلال رحلاته على الحركات الأدبية العربية والغربية. أصدر مجلة "القلم الجديد" الشهرية في عمّان. له ما يقارب (60) كتاباً مطبوعاً، في القصة القصيرة، والرواية، والشعر، والدراسات، والتراجم، والسير، وأدب الأطفال، منها: الربيع الذابل 1939، طريق الشوك 1955، عائد إلى الميدان 1961، أخي الإنسان 1962، جراح جديدة 1967، ليلة في القطار 1974، في ربوع الأندلس 1978، دراسات في الأدب الإيطالي 1981، الرجال والرفض 1985.
عبد الرحيم محمود
12 - 5 - 2007, 12:23 AM
الشكر على الموضوع
http://www.3rb100.net/folder1/3rb100_3RwI6P3J7.gif
http://www.dubaieyes.net/gallery/data/media/25/t-w%20(17).gif (http://www.dubaieyes.net/gallery/data/media/25/t-w%20(17).gif)
مودتي
عوني زنون أبوالسعيد
12 - 5 - 2007, 09:04 AM
فن و ابداع هذا الصنف من الادب
نقرأ فيه الجزء المخفي الانساني والعاطفي من شخصية
الادباء و الشعراء
اشكرك على القراءة والتعليق اخي عبد الرحيم
شمس الاصيل
12 - 5 - 2007, 02:53 PM
الله يعطيك العافية
اختي رؤى
مجهود رائع كروعتك عيوني
تسلمي
الفـــارس
25 - 5 - 2007, 01:09 PM
بارك الله فيكي
مجهود رائع
ميريام
28 - 6 - 2007, 01:28 PM
مشكوووووووووورة رؤى على هذا الطرح الرائع
بارك الله فيكى
ورحم الله نازك الملائكه
تقبلى منى خالص تقديرى
ملاك الحب
2 - 7 - 2007, 03:20 PM
مشكووورة على الموضوع
يعطيك العافيه
فراشة المنتدى ملاكـ
ابو غسان
24 - 6 - 2011, 11:37 PM
أشكرك على المجهود
الرائع والنقل المميز
مع الود والتحية
لروحك الورد وأكثر
Powered by vBulletin® Version 4.1.8 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir