مشاهدة النسخة كاملة : كوابيس بيروت .. غادة السمان (مقتطفات للمطالعة)
الماسة العراقية
10 - 8 - 2008, 05:49 PM
إنها الحرب .... إنها المأساة ... إنها تتالي لمجموعة من الكوابيس ليس إلا
باختصار هذا هو كتاب " كوابيس بيروت " للمبدعة السورية " غادة السمان "
بيروت تعيش تحت الحصار الداخلي , بيروت تعيش تحت وطأة الكذبة الطائفية الكبرى التي زرعها كذاب كبير و جعل من أرض هذه المدينة الكبيرة حرباً كبيرة
الكاتبة غادة السمان تنقلنا عبر كتابها هذا إلى صميم الوجع البيروتي أيام الحرب الأهلية حيث حياة الرعب و اللاتنفس , فالخروج من البيت هو مخاطرة , و الوقوف على شرفة أو النظر عبر النافذة هو أمر يجب أن يحسب حسابه ألف مرة .
كتب مليء بالوجع اللبناني الذي هو في كثير من وجوهه وجع عربي , فغادة السمان عبر الكوابيس التي تعيشها في بيروت تنقل لنا واقعاً مريراً واقعاً يحمل في طياته مأساة هذه المدينة التي كان قدرها الدمار عبر حرب هي للأسف ( حرب أخوة )
بيروت التي كان كل ذنبها أنها مدينة الجمال ... مدينة الحياة الجميلة ....كل ذنبها أنها كانت مفتاح الشرق , فمدت إليها أكثر من يد هدفها سرقة هذا المفتاح الذهبي و أكثر من سكين هدفها اغتيال الجمال .
الكتاب طويل و لكن يغفر لطول الكتاب هذا الثراء الفاحش المتجلي في كل صفحة لا سيما في الصفحات الخمس والعشرين الأخيرة حيث قدمت غادة السمان في "مشاريعها الكابوسية" بعض أجمل وأقوى ما كتب في اللغة العربية خلال السنوات الأخيرة.
كتاب جميل لمبدعة كبيرة ....أنصحكم بقراءته .
و سأستعرض لكم تباعاً مجموعة من هذه الكوابيس.
يتبع
الماسة العراقية
10 - 8 - 2008, 05:50 PM
كابوس 2
حين غادرت سيارتي ذلك الصباح ، ودخلت إلى البيت سالمة - حتى إشعار آخر - لم أكن ادري أنها المرة الأخيرة التي سأغادر فيها بيتي بعد أعوام طويلة .. وأنني منذ اللحظة التي أغلقت الباب خلفي ، أغلقته أيضا بين وبين الحياة والأمن ..وصرت سجينة كابوس سيطول ويطول..
وأنني عدت وأخي إلى البيت لنلعب دور السجناء ..ولو علمنا لتزودنا بشيء من الطعام في درب العودة .. ولو علمنا ربما لما عدنا ..ولو .. ولو .. وزرعنا "لو" في حقول الندم ، فنبتت كلمة ياليت.
كابوس 3
لم نكن قد سمعنا الراديو بعد . فقط حينما عدت : تذكرت أنني للمرة الأولى منذ شهر غادرت البيت دون ان استمع الى إرشادات المذيع شريف ، او اغسل وجهي على الأقل ..
وحين انصت إليه ، كان الأوان قد فات . كان المسلحون يحتلون فندق "هوليدي ان" المواجه لبيتنا الصغير العتيق والذي يطل فوق أعلى طوابقنا (الثالث) . كما يشرف جبل من الاسمنت والحديد فوق كوخ لفلاح مسالم في قعر الوادي ...
بعدها فقط استيقظت وأدركت أنني كأعزل محكوم بالإقامة الجبرية وسط ساحة معركة ! ...فاتصلت بالبقال لأطلب مؤونة من الطعام . لا جواب . تلفنت لدكاكين الحي كلها . لا احد يرد . تلفنت للجيران ، فرد ابنهم امين مدهوشاً ، أين تعيشين ؟ الا تعرفين ما يدور حولك ؟
كابوس 4
أين أعيش ؟
ردني سؤاله إلى واقع مروع . أعيش في ساحة حرب ولا املك أي سلاح ولا اتقن استعمال أي شيء غير هذا النحيل الراكض على الورق بين أصابعي تاركاً سطوره المرتجفة كآثار دماء جريح يزحف فوق حقل مزروع بالقطن الأبيض .
أين أعيش ؟ يبدو أنني اسكن بيتاً من الشعر (بكسر الشين) . وسادتي محشوة بالأساطير ، وغطائي مجلدات فلسفية ، وكل ثوراتي وقتلاي تحدث في حقول الأبجدية وقذائف اللغة.
أين تعيشين؟ ودوى انفجار .. وشعرت بوخزة : لماذا لم أتعلم المقاتلة بالسلاح - لا بالقلم وحده - من اجل ما أؤمن به ...؟ كم هو خافت صوت صرير قلمي على الورق حين يدوي صوت انفجار ما ..وقررت : أن الوقت ليس وقتاً لتقريع الذات على عادة الأدباء الذين يقعون في أزمة ضمير كلما شب قتال ويشعرون بلا جدوى القلم ... المهم أن أعيش ، فالحياة هي وحدها الضمان لتصليح أي خطأ إذا اقتنعت فيما بعد أنني على خطأ..والوقت ليس وقت مراجعة ذاتية أو حوارات فلسفية .. كانت الانفجاريات تتلاحق ، وقررت أن أواجه الواقع الملموس حالياً وان احدد موقعي من ساحة الحرب بطريقة عسكرية ، وإحصائية !
يتبع
الماسة العراقية
10 - 8 - 2008, 05:52 PM
كابوس 6
هدأ الرصاص قليلاً..
اقتربت من النافذة ... كذلك فعلت الأم التي تقطن في الدور الثالث من البناء المقابل لبيتي . وكان البقال العجوز يضع لها بعض أرغفة الخبز في سلة مربوطة بحبل وقد وفقت هي خلف خشب النافذة وأدلت إليه بالحبل دون أن تخرج حتى يدها .. أما هو فقد احتمى بمدخل البناء.
كان الهدوء شاملاً ، وتخيلت ان المقاتلين يغسلون وجوههم ويبردون أسلحتهم .. وقررت أن أنادي البقال المغامر وأمارس الشيء ذاته .
وبدأت السيدة ترفع السلة المربوطة بالحبل ببطء شديد . وقررت : لابد أن يديها ترتعدان الآن ! ... ولكن السلة كانت ترتفع باستمرار وكان حبلها دقيقاً حتى بدت مثل سلة تصعد في الفضاء نحو الخائفين ، حاملة رغيف السلام .. لاحظت أن عيون بقية الجيران المختبئين خلف النوافذ كانت أيضا تتابع طيران سلة الخبز في الفضاء ، وأحسست أن قلوبنا جميعاً مثل قلب واحد يصلي من اجلها ..كأن السلة صارت طفلاً .. طفل المحبة والأمان والتواصل مع عالم البسطاء..
وظلت السلة تعلو حتى وصلت إلى حدود الطابق الثاني ، والصمت المتوتر ما زال يسود ...
وفجأة انطلقت رصاصة .
لا ادري هل سمعنا صوتها أولا أم شاهدنا السلة تهوي في الفراغ مثل رجل سقط من الشرفة .
وفهمنا جميعاً بومضة برق مدلول ما حدث : هنالك قناص ما أطلق رصاصة على الحبل الرفيع .
لقد عرض مهارته أمام أهل الحي جميعاً . لقد قال لنا جميعاً : انني قادر على إصابة أي هدف مهما كان دقيقاً ونحيلاً. قلوبكم كلها تحت مرماي . شرايينكم كلها استطيع ان اثقبها شرياناً شرياناً . استطيع أن أصوب داخل بؤبؤ عيونكم دون خطأ . استطيع أن أصوب رصاصتي إلى أي جزء يحلو لي من أجسادكم؟
وحين هوت السلة ، شعرت بان الحي كله تحول إلى قلب واحد يتنهد بغضة . وأدركنا أننا جميعاً سجناء ذلك الغول الغامض المختبئ في مكان ما والذي يتحكم بدورتنا الدموية والعقلية والنفسية لمجرد انه يمتلك بندقية ذات منظار تدرب عليها بعض الوقت .. ولتذهب إلى الجحيم كل الساعات التي قضيناها في الجامعات والمختبرات لنتعلم !
وحين سقطت السلة ، سقطت آمالنا معها وتكومت على الرصيف جثة تحتضر . حين سقطت السلة ، حزنا كما لو أن طفلاً سقط من على دولاب مدينة الملاهي وانطفأت الأضواء والضحكات كلها دفعة واحدة ..كان واضحاً اننا فهمنا جميعاً رسالة القناص . ومن ساعتها أغلق خشب نوافذ الحي كلها بإحكام ..ولم تفتح!
وداعاً أيها الشمس !.
يتبع
الماسة العراقية
10 - 8 - 2008, 05:53 PM
كابوس 10
هدأ الرصاص قليلاً...
لم يبق إلا الليل والصمت ... صمت غامض متوتر .. خيل إلي أنني اسمع اصواتاً خافتة..أصوات استغاثة ..ظننتني واهمة ، ثم تذكرت دكان بائع الحيوانات الأليفة المجاور لنا ...لعل صاحبها يعمل قناصاً مثلاً ، وهو مشغول عن رعايتها وإطعامها بصنع الدمار (أم تراه لا يستطيع الوصول إليها؟)
وتخيلتها داخل أقفاصها ..تشم رائحة البارود والنار ، وتلتقط كهارب الخطر ... لكنها عاجزة عن الهرب ، وعاجزة عن الدفاع عن نفسها ..أين صاحبها الذي اعتاش من الاتجار بهاو بيعها وشرائها؟..
ألم يسجنها باسم تأمين العيش (الكريم) لها؟ ..ولماذا يغيب عنها مع غياب الزبائن والصفقات وقدوم الخطر؟... أين صاحب دكان الحيوانات الأليفة؟ تراه لملم ثروته التي جمعها من بيعها وهرب بها إلى أوربا مع من هرب؟
أتذكره . في وجهه قسوة لا يخفيها تهذيبه البروتوكيلي مع الزبائن . مرة رافقت زميلة إلى دكانه . كانت ترغب في شراء قط سيامي تعرف مواصفاته جيداً: ازرق العينين. بني الأذنين . ابيض الجسد . بني الذيل . وعبثاً حاولت إقناعها بأنها بحاجة إلى إنجاب طفل بدلاً من الهرب إلى تبني قط . كانت ما تزال تعشق صديقها المتزوج الذي لن يطلق أم أولاده ولن يتزوجها . كان يغدق عليها النقود كتعويض (عطل وضرر) عن شبابها المهدور ، وكانت فيما يبدو راضية بالصفقة مع حبيبها الثري ، وقد قررت تتويج قصة الحب بتبني قط ، ما دام إنجابه غير ممكن .
دخلنا إلى الدكان ..الجزء الخاص بالغرباء-والقادمين من الخارج لإتمام صفقاتهم-نظيف وجميل ومرتب كأنك في دكان سويسري ، وفيه كل ملاهي عصرنا الاستهلاكي كما في شارع الحمراء وطريق المطار وصالة الترانزيت والروشة والكازينو مثلاً ...وقفت صديقتي في هذا القسم النظيف العصري المفروش (بالستينلس ستيل) و (الموكيت) أما أنا ، فتجاوزت أسوار الدكان السياحية إلى الداخل ..وكان صوت صديقتي يتناهى إلي وهي تعرض طلبها : أريد قطاً سيامياً - ابن عيلة - ازرق العينين اسود الشاربين نبي الذنب ابيض الجسد ..وكان صاحب الدكان يرد: كل طلباتك موجودة. والأسعار متهاودة..سأحضر لك ثلاثة قطط تختارين منها بنفسك ..قالت : اترك اختيار القط لذوقك ..ورن الهاتف وانشغل في حوار -صفقة حول كلاب للصيد وكنت أتسلل إلى ماوراء السور الديكور الذي يحجب حقيقة وضع بضاعته ..
خلف السور ، كانت الأقفاص المختلفة الأحجام والأشكال مرصوصة ومتلاصقة كما في مقابر الفقراء ...الشمس لا تطالها ولا الرياح ولا الندى ولا السماء الزرقاء ..وداخل الأقفاص كانت هناك مجموعة كائنات حية تشبه البشر في تنوعها : كلاب مختلفة الأنواع ..قطط رمادية وبلدية وشامية ..أرانب بيضاء جمر العيون ..فئران بيض . فئران ملونة ..اسماك ملونة صغيرة تسبح في "الاكواريوم" المضيء كأنها فراشات مائية ..عصافير مكسورة الخاطر والجناح ..بلبل وحسون وببغاء وغيرها ...حيوانات من مختلف الألوان والأشكال والأمزجة يجمعها القفص ، والسجن ، والبؤس ..كانت متعبة ، فلا القطط تموء تماماً ولا الكلاب تعوي جيداً ولا العصافير تغني ..وتسائلت : تراه يضع دواء مخدراً في أوعية الماء الخاصة بها ؟ أم انه لا يطعمها بما فيه الكفاية لتكون قوية فتثور وتضرب رأسها بالقفص وتعض يد السجان والزبون ، البائع والشاري ؟
كانت عيناي قد الفتا الظلمة النسبية بالداخل ، ورغم موسيقى الجرك العالية التي حرص صاحب الدكان على وضعها في (الجناح السياحي) من دكانه ، فقد استطعت ان اسمع الصوت الموحد الحزين لشعب الحيوانات الأليفة في الأقفاص ... كان يشبه صوتاً قادماً للمرضى والجرحى والمتعبين ، لكنه صوت تهديدي شرس الوعيد ... كان من الواضح أن البائع يطعمها بما فيه الكفاية لتبقى على قيد الحياة فقط ، كي يظل قادراً على بيعها ، يسقيها مياهاً نصف ملوثة ، ويخرجها إلى النور حينما تكاد تحتضر ، وهمه الوحيد ابقاؤها حية كي لا تموت ويخسر تجارته . ولكن ، أية تجارة؟ هذا موضوع آخر لا يهمه . علاقتها مع الشمس والغابات والبحار والليل والقمر وأفراح المواسم والحرية ، كل هذه أمور لا تعنيه مطلقاً..
وفجأة وجدته خلفي . جاء ليحمل لصديقتي الحيوان المطلوب . فتح احد الأقفاص . اخرج منها قطاً حشر حشراً في مجال حيوي ضيق مع سبعة قطط أخرى من نوعه ، لاحظت أن بعضها جريح ، ولعلها في غمرة ضيقها بسجنها وبؤسها وسوء وضعها ، تقتتل فيما بينها ، ويعض بعضها بعضها ، وصاحب الدكان يرحب دونما شك بهذه الظاهرة حيث يعض البؤساء كل منهم صاحبه ، بدلاً من ان يهجموا جميعاً عليه هو مرة واحدة..هو العدو الحقيقي...
اخرج القط من القفص وأغلقه بعناية . التقت نظرتنا . كان من الواضح انه فهم أنني افهم ما يدور وان ذلك لم يعجبه ابداً . قال بصلف : ممنوع دخول الزبائن إلى المخزن
!
قلت : لست زبونة . أنا من الفريق الآخر ...
وتمت الصفقة بين رفيقتي المدحورة عاطفياً المتلهية بهمومها الشخصية عن حقيقة ما يدور ..ودفعت ثمن القط ، وخرجت بعد أن زودها البائع باسم طبيب بيطري من المفروض أن تذهب اليه فوراً لتلقيح القط وقص اظافره! البائع اولاً ، ثم البيطري ، وربما بعده الصيدلي . وبعده لا ادري ماذا من حلقة مافيا المنتفعين .. وحين خرجت صديقتي بالقط لاحظت أن (راعي) الدكان تنهد الصعداء . كان سعيداً بخلاصه من فم إضافي يجب إطعامه. لم اشعر بأية عاطفة تربط بين صاحب الدكان وشعبه من الحيوانات الأليفة .. انه يخرجها من أقفاصها ويعيدها إليها دون أن يرف له قلب ! ...وحتى في السجون ، ثمة علاقة إنسانية تنشأ بين السجان وسجينه (وكلاهما من طبقة مسحوقة واحدة ) ، أما صاحب الدكان ، فلم الحظ ان بينه وبين "رعيته" لمسة حنان واحدة ..لا جسر بينهما غير المصالح ...
وهو قادر على ترويضها جميعاً ، خانعها وشرسها ، بالتجويع والسجن والإذلال وشروط العيش الرديء بحيث لا تقوم لها قائمة في وجه طغيانه ولا مبالاته ...
وذهبنا إلى عيادة الطبيب البيطري وكانت فخمة ونظيفة وخاصة بطبقة القطط المرفهة .. ولا ادري لماذا تذكرت مشهد امرأة كانت تضع طفلها تحت خيمة في عكار وقد تمسكت بغصن شجرة وهي تصرخ دون طبيب أو معين أو قطعة قطن واحدة ..كنت قد ذهبت يومها لكتابة تحقيق صحفي عن مجاهل عكار ، وشاهدت يومها كيف يولد الأطفال ليتعمدوا بالتراب فوراً ... فقد وضعت طفلها الذي تلقته منها ارض الحقل وامتزج دمه بالأشواك ، ثم أمسكت بحجر وقطعت به حبل الخلاص ، بينما وقفت أنا مذهولة أمام وجهها المتجلد الصامد الشبيه بالصخرة التي كنت قد تحجرت قربها !
ودخلنا بالقط إلى عيادة الطبيب، وبمساعدة الممرضة وصديقتي تم الإمساك بالقط وقص اظافره ، وكان هو يصرخ بما تبقى له من قوة مناضلاً للابقاء على سلاحه الطبيعي بينما المجهول يحيط به من كل جانب ...
وبعد عملية قص الاظافر ، جاء الطبيب بإبرة غرسها في فخذ القط ، وتذكرت انا بهلع ان طفل الفلاحة العكارية قد يكون قد مات الآن لأنه لم يجد من يلقحه ...وبعد ذلك قرر الطبيب ان من الضروري إعطاء القطة جرعات محدودة من الفاليوم كي لا تبحث عن قط تمارس معه ما تمارس ، وتحمل ، لأنها ما زالت صغيرة السن!.. والحمل خطر على صحتها العزيزة .
وهنا جنت رفيقتي . قطة لا قط ؟ كانت تريد قطاً ذكراً . وصاحب الدكان باعها الأخ القط على انه ذكر لا أنثى . تلقت النبأ بحزن شديد كامرأة أنجبت طفلتها لسابعة وقد حلف زوجها بالطلاق في حال عدم إنجابها لذكر!
ثم قبلت ما هو "مكتوب عليها" وبدأت تشتم البائع الغشاش بينما البيطري يعطي جرعات فاليوم للقطة ، ثم بدأت تشتم الطبيب البيطري حين طالبتها الممرضة بالفاتورة.
__________________
يتبع
الماسة العراقية
10 - 8 - 2008, 05:54 PM
من كابوس 13
تمددت على الأريكة في الصالون ، وكان الظلام دامساً وجميع الأنوار مطفئة ... تعلقت نظراتي بشقوق النوافذ المحكمة الإغلاق المفتوحة الزجاج . كنت قد اغلقت خشبها وتركت النوافذ الزجاجية مفتوحة . هكذا قرأت في كتاب بوليسي انه من الأفضل في حال الانفجارات ترك زجاج الغرف مفتوحاً كي لا يحوله الضغط إلى سكاكين تتناثر في كل مكان وتنغرس في جسد الضحية . وارتعدت لهذا الخاطر . ظللت أتأمل شقوق النوافذ ، (والقمريات) أي النوافذ الصغيرة المستديرة الملاصقة للسقف والتي لا خشب يغطيها وتوجد في أكثر البيوت الدمشقية والبيروتية القديمة . كان الغرض الأساسي منها إدخال مزيد من النور نهاراً إلى الغرف الشاهقة الجدران، والسماح بدخول ضوء القمر إليها ليلاً ...
أما الآن ، فقد بدت لي القمريات المزينة بالزجاج الملون مثل أسلحة فتاكة ...مثل عشرات الخناجر التي لا ادري متى يطلقها الانفجار من عقالها ..
هكذا تمددت وحيدة في قلب الظلام ، وخلف القمريات كان المنظر مذهلاً . فقد كانت الصواريخ والقنابل المتفجرة في الجو تضيء الليل كالبرق ، وتلمع خلف القمريات مثل عاصفة برقية رعدية جهنمية لا تهدأ . أحسست بخوف بالغ . ولكنني رغم كل شيء لم أتمالك نفسي من الإعجاب بجمال المشهد بينما القمريات بزجاجها الملون تسطع فجأة وتنطفئ ثم تسطع بتسارع "سيكاديلك" ساحر الألوان.
وقررت أنني مثل رجل يهوي إلى قاع شلالات نياجارا بينما هو ما يزال مسحوراً بجمال المشهد ... أو مثل شخص يسقط من الطابق الخمسين ويعجب بزهور الشرفات التي يمر بها في دربه إلى الموت.
كابوس 16
لم يطل السكون..بدأت الطلقات المتقطعة بإيقاعها الخفيف ايذاناً بدخول العزف الأكثر شراسة وعنفاً..
مع الانفجار الكبير الأول لملمت نفسي من موضعي على الأريكة حيث قضيت الليلة السابقة..
حاولت السيطرة على أعصابي لقضاء يوم عادي قدر الإمكان كي لا أصاب بالجنون! ..كان ذلك مستحيلاً. كنت فيما مضى ابدأ يومي بمطالعة الصحف ، ولم أجدها طبعاً خلف الباب ..(لا يمكن لهم توزيعها على البيوت بالمصفحات مثلاً! وحتى لو ارتدى باعة الصحف ثياباً واقية من الرصاص لما استطاعوا الوصول إلى بابي حيث مركز القتال)
ورغم معرفتي الأكيدة بان القطط نفسها لا تجرؤ على التجول في شارعنا ، لكني تلفنت إلى دكاكين البقالة المجاورة ...وطبعاً لم يرد احد. اقتربت من النافذة وشققتها قليلاً . كان المشهد مروعاً. كانت النوافذ كلها مغلقة . كأن الحي فرغ تماماً من سكانه . كأنهم تسللوا جميعاً هاربين تحت جنح الظلام .
وحين يهدا الرصاص ، يسود سكون متوتر مخيف ، سكون كابوسي لا يصدق ، كالسكون داخل التوابيت المغلقة منذ قرون ، سكون يجعلك تحن إلى سماع أي صوت ،حتى ولو كان طلقة رصاصة . قررت الاستماع إلى الراديو ، وهو أداة لا أتعامل معها عادة إلا مؤخراً وللاستماع إلى المذيع شريف فقط ، الذي يخاطبنا بصدق مباشر دونما حذلقات خطابية سمجة ..فاخفض صوت المذياع . بحيث لا أميز الغناء أو الموسيقى أو الثرثرة ، ولكني اعرف نبرة صوت شريف، وحين اسمعها ارفع صوته ، وحين ينتهي الكلام أعود إلى حشو القطن في فم المذياع ..وهكذا..
اليوم ، لشدة وحشتي ، ادرت زر الراديو ، وكان المذياع يقول: قضت العاصمة ليلة هادئة ما عدا طلقات متقطعة في منطقة القنطاري وحول فندق "الهوليدي ان".
وصرخت به : ألا تخجل من هذه الكذبة؟
ولم يرد علي وإنما تابع قراءة نشرة الأخبار وانتقل فوراً للحديث بإسهاب عن الحرب الأهلية في ...البرتغال.
صرخت به : ولكني لا ألومك .. أنت مجرد حنجرة ، وهم يحشونها بالمعلومات الكاذبة ... أنت مجرد أداة للجريمة.
لم يرد المذيع علي وإنما تابع قراءة الأخبار عن انغولا.
وصرخت به : انت المسدس، وهم اليد والطلقة ..وحينما تقع جريمة ، يجب سجن القاتل لا المسدس.
ولم يرد المذيع علي وانما بدأ يتحدث بإسهاب عن حالة الطقس.
وبدأت الانفجارات تتوالى ، وتتعالى متلاحقة ونهض أخي مذعوراً يبحث عني.
وقررت : نشرة الأخبار الحقيقية هي ما نسمعه من الريح ، لا من الراديو.
__________________
يتبع
الماسة العراقية
10 - 8 - 2008, 05:55 PM
كابوس 23
ألا يتعب الرجال ؟
ألا تستريح أصابعهم المشدودة على الزناد؟ فترات الهدوء لا تكاد تذكر . وقررت : لابد أن استبدال المقاتلين يتم خلال لحظات الصمت المتوتر العابرة.
الآن عاد ذلك الصمت المتوتر المروع .أرهفت السمع . سمعت صراخ بعض الرجال ، لكنني لم استطع تمييز كلامهم ، فقط أصوات نداءات سريعة وحادة كصراخ الخطر لدى طيور الغابة.
كانت مأساتي أن بيتي يقع في منتصف الطريق تماماً بين المتقاتلين، تماماً في الوسط . تذكرت الذي قال "خير الأمور الوسط" وترحمت عليه . لو كان يسكن بيتنا ، لقال شيئاً آخر ربما. كنت اعرف أن المقاتلين في الشوارع خلفنا ، لابد أنهم يتصلون بالناس ، وربما يتقاسمون أرغفة (المناقيش) معاً . أما موقع بيتنا في الوسط تماماً على تلة مكشوفة من كل الجهات ومحاطة بحدائق برية الأعشاب ، كل ذلك جعل الاقتراب منا أمرا مستحيلاً للطرفين. وحتى للطرف الثالث من الغربان الذين احترفوا سرقة البيوت المنكوبة بالحرب.
كنا كسكان وادي الجذام ، لا احد يجرؤ على الاقتراب منا ، حتى اللصوص !! وحدها القذائف تجرؤ على زيارتنا وقرع أبوابنا وجدراننا.
__________________
يتبع
الماسة العراقية
10 - 8 - 2008, 05:56 PM
كابوس 35
كانت أبواب مغلقة في داخلي تتفتح باباً تلو الآخر ، ووجدتني أحدق في الأشياء فأرى إلى ابعد منها .
في الممشى أمامي على طول الجدار مكتبة تمتد من الأرض الى السقف . ليس الممشى آمناً بقدر ما كنت أظن . ففي حال انفجار داخل البيت قد تنهار الكتب فوقي وتقتلني . أما البقية الباقية من الجدار فيغطيها ملصق (بوستر) فيه صورة خضراء كثيفة الأشجار . وكان بوسعي أن أخطو إلى داخل اللوحة ، هاربة إلى الغابة الأوربية من جحيم عالمي ، وكان بوسعي أن أتسلق الأشجار والتحف بالضباب وأنام قليلاً. لكنني لم افعل . لقد علمتني الحياة أن الهرب من انتمائي الحقيقي لا يجدي . أنا ابنة هذه الأرض ، ابنة هذه المنطقة العربية المضطربة حتى الغليان . أنا ابنة هذه الحرب ، هذا قدري. تعلقت عيني بالرف الذي يضم كتبي وعشرات من الكتب التي ترجمتها . ووجدتني اهمس : وأنا أيضا قد شاركت في صنع هذه الحرب. صحيح أنني لم احمل سلاحاً قط ، صحيح أنني مذعورة كأي جرذ في دكان بائع الحيوانات الأليفة ، ولكن كانت سطوري تحمل دائماً صرخة من اجل التبديل، صرخة من اجل مسح البشاعة عن وجه هذا الوطن وغسله بالعدالة والفرح والحرية والمساواة . وكل ما يفعله المقاتلون هو أنهم ينفذون ذلك على طريقتهم . إنها حروفي وقد خرجت من داخل الكتب لتتقمص بشراً ، يحملون السلاح ويقاتلون. أكنت حقاً أريد ثورة بدون دم ؟ اجل ، مثل كل الفنانين أنا متناقضة ، أريد الثورة ولا أريد الدم . أريد الطوفان ولا أريد الغرقى.
ها قد عدت إلى معزوفة تأنيب الذات .
ولكن هذه مجرد كوابيس لا ثورة .
كل الثورات تولد هكذا معمدة بالدم . حتى ولادة طفل لا تتم إلا معمدة بالدم.
ولكن عدداً كبيراً من الأبرياء والعزل يموت .
لا احد بريء في مجتمع مجرم.
ما زالت انفجارات القنابل تتعالى ، ما زلت جالسة في الدهليز احتمي بجدرانه شبه المتلاصقة كرحم حجري . لم اعد مذعورة كجرذ. الكتب تحدق بي من رفوفها. وأنا أحدق بالكتب ، ولا احد يملك للآخر شيئاً.. الكتب أغلفة فارغة والكلمات هربت من الصفحات لتصير رجالاً مقاتلين . أتناول كتاباً من تلك التي ترجمتها . افتحه . أجده كما حدست ، صفحات بيضاء . إن الحروف خرجت إلى الشوارع لتمارس حياتها الخاصة. صارت مقاتلين يحولون الأفكار إلى سلوك . ما الذي يخيفني؟
ما زالت انفجارات مضيئة تتلاحق في أعماقي وأبواب مغلقة في روحي تنفتح باباً تلو الآخر. ما زالت الأصوات تتعالى في داخلي ، وتتابع نقاشها داخل ذلك الصندوق الصغير المقفل جيداً المدعو دماغي .تتلاحق الصرخات ويخيل إلى أن جدران الدهليز ورفوف المكتبة تردد أصداءها .
ولكن عدداً كبيراً من الأبرياء والعزل يموت .
لا احد بريء في مجتمع مجرم.
-والواقفون على الحياد؟
-لا حياد في مجتمع بلا عدالة . لا حياد في مدينة العرى والفيزون . مدينة الجوع والتخمة . المحايدون هم المجرمون الأوائل . الأكثرية الصامتة هي الأكثرية المجرمة ، إنها ترى الظلم وتعانيه ، لكنها تؤثر السلامة الرخيصة على الكفاح الخطر النبيل .
-بعض الناس غير مؤهلين نفسياً لرؤية الدم
. -حينما يحدقون جيداً في جرحهم الداخلي ودمهم النازف، لابد وان يتعلموا رؤية عدوهم ينزف تحت ضرباتهم هم.
-من ضربك على خدك الأيمن ادر له الخد الأيسر.
-بل العين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم .
-ولكن، ما ذنب الأكثرية الصامتة الآمنة المسالمة .
-ذنبها الصمت والمسالمة والعيش في وهم الأمن . كل عملية حياد هي مشاركة في عملية قتل يقوم بها ظالم ما ضد مظلوم ما. الأكثرية الصامتة هي الأكثرية المجرمة . إنها تشكل إغراء لا يقاوم لممارسة الظلم عليها . إنها هي التي تثير غريزة الشر في نفوس الذئاب البشرية. المسالمة هي تحريض على القتل . وتلك جريمة . المسالمة هي شروع في الانتحار ، وتلك أيضا جريمة.
-ولكنني لم أكن على الحياد. إنني منحازة لطرف ضد آخر. إنني منحازة للشمس والعدالة والحرية والفرح والمساواة. وقد قضيت عمري اخدم هذه القضايا بالسلاح الوحيد الذي أتقن استعماله .
-كان عليك ان تتقني استعمال أسلحة أخرى من اجل يوم كهذا .
-ولكن قلماً جيداً خير من رصاصة طائشة .
-ولكن ما جدوى القلم في دوامة النار الآن؟
-انتظر ريثما يصمت الرصاص فيعود للقلم صوته .
-تعنين ان تجلسي في هذا الممشى المعتم كالجزذان .
وحينما تنتهي الحرب تتابعين دورك السخيف : التصفيق أو التصفير من خلف طاولة مكتبك. وحينما يدوي الانفجار تنزلين للاختباء تحت الطاولة.
-ولكن ما جدوى أن يقتل الأدباء في الحرب مادامت طبيعة أكثرهم لا تؤهلهم ليكونوا مقاتلين جيدين . بايرون كان شاعراً عظيماً ومقاتلاً فاشلاً. وقد مات في الحرب الأهلية باليونان بعد أن كبد (فريقه) لا الفريق العدو خسائر كثيرة. لو عاش وكتب من اجل المثل التي يؤمن بها لأفاد واستفاد بدلاً من أن يتعفن بعد ساعة من موته وتنطفئ يده التي هي مصباحه. من واجب الفنان أن يبقى على قيد الحياة كي يستمر في أداء رسالته : الكتابة!
-ولماذا تتمسكين بهذا المثال ؟ ماذا عن غيره من الفنانين المقاتلين؟
-همنغواي كان مقاتلاً سيئاً أيضا. لقد استفاد أدبه من تجربة المعركة ، أما فريقه فلابد وانه دفع الثمن باهظاً من سوء استخدامه للسلاح ولفنون القتال. ولعل المرة الوحيدة التي أجاد فيها همنغواي استعمال سلاحه كانت لحظة انتحاره !
-ستجدين الآن عشرات الأمثلة لتبرير نفورك الفكري من مشهد الدم ، ومن العنف الجسدي.
-لا أريد أن اسقط فريسة شعور بالذنب لأنني لا أقاتل . اعرف عشرات من المثقفين الفرنسيين الذين داهمهم هذا الشعور أيام الحرب الأهلية في اسبانيا وتطوعوا للقتال وكانت النتيجة أنهم كانوا عبئاً على الثوار، وإحداهن (كانت شاعرة كبيرة) لم تكن تصلح في ميدان الحرب حتى لطبخ الطعام للجنود . إن جر الفنان إلى القتال هو كجر ماري كوري من مختبرها إلى المطبخ بحجة أن البلاد تعاني نقصاً في الطباخين!
-إذن ترين أن مهمة الفنان هي أن يصب البنزين ويشعل النار ثم ينسحب من المدينة هارباً .
-تقريباً! هذا صحيح على نحو ما . مهمته أن يخلق الثورة لا أن يمارسها . لقد أعلن الرئيس جمال عبد الناصر أن كتاب "عودة الروح" لتوفيق الحكيم كان من العوامل الهامة التي ساهمت في تفجير ثورته والضباط الأحرار، وإشعال شرارتها. الفنان شرارة الثورة ونبوءتها .
-ووقودها!
-إن موته كجرذ لا يفيد أحدا . ولكن ما يحدث عادة هو أن الفنان نوع فريد من الثوار . انه يصنع الثورات ويجد نفسه بطريقة ما وقوداً لها لا محالة . انه يشعلها وهو يعرف انه أول من سيحترق بنارها . وحتى إذا لم يقتل الفنان أثناء الثورة فانه سيفقد أدوات عمله : مكتبته ومراجعه وكتبه وأرشيفه وسلامه النفسي الداخلي النسبي الذي سيمزقه تماماً التشرد الجسدي ، هذا بالإضافة إلى تشرده الروحي المستمر.
-ولماذا لا يقاتل الفنان حين تشب الحرب كأي فرد آخر في المجتمع؟ هنالك مقاتلون جيدون ومقاتلون سيئون ، فلماذا لا يكون مقاتلاً سيئاً ؟ إن ذلك سيحجبه على الأقل من الموت وحيداً ، ومن عذاب الأصوات المتناقضة في داخله .
-لان تركيبة الفنان النفسية التي تجعل منه فناناً جيداً هي نفسها التي تحول بينه وبين أن يكون مقاتلاً جيداً . لا استطيع أن اقتل أي إنسان أو أعذبه . سأفكر بأنه كان ذات يوم طفلاً بريئاً. سأفكر بأنه لم يصنع من نفسه الوحش الذي هو أمامي وإنما هي عوامل كثيرة خارجة عن إرادته ساهمت في صنع ذلك الوغد أمامي. سأفكر أيضا بأمه ، بحبيبته ، سأعجز عن تعذيبه ، سأتذكر كيف قد يبدو وجهه وهو يضحك وهو يصلي. سأحس بأنه كوكب قائم بذاته ، وان قتله مجزرة كونية.
أصوات ، أصوات ، أصوات ، تتفجر داخل راسي وتتناقش بصوت عال ومع كل صوت اشعر بان امرأة جديدة خرجت من داخلي، ولم اعد امرأة واحدة في الدهليز ، بل تناسلت وتكاثرت وازدحم بنا الدهليز . ودوى انفجار رهيب وكنت واثقة انه داخل بيتي في مكان ما . وعدت امرأة وحيدة . وحيدة في الدهليز على الخط الفاصل بين الموت والحياة، أواجه مكتبتي الكبيرة ، والمح عبارة "الثورة" في أكثر عناوينها . وصرخ صوت في داخلي: هذا كابوس لا ثورة. هذه "كوابيس سادية" لا "حرب تحريرية."
ورد صوت آخر : كل الثورات في التاريخ كانت تبدو من الداخل هكذا . المهم في الثورة هو الجيل الذي سيحصدها . لابد لكل ثورة من جيل ضحية.
سمعت جيدا صوت سقوط جدار ما ، اخمد انفجار الأصوات في رأسي . ركضت . للوهلة الأولى ، بدا لي دخاناً كثيفاً يتصاعد من غرفة جدتي. لم أكن ادري أنني استطيع أن أكون شجاعة. دونما وعي حملت (طفاية الحريق) الصغيرة وسارعت إلى الغرفة . كان السقف محفوراً والجدار مقابل للنافذة. في البداية ظننت قذيفة ما سقطت على السطح، وركضت نحو المطبخ أتسلق السلم الخشبي إلى السطح ففوجئت بأن القرميد الذي يغطي بيتنا سليم ولا ثقب فيه . عدت إلى الغرفة. كانت سحب الغبار قد استقرت على الأرض والأثاث. وحين حدقت جيداً اكتشفت أن شيئاً ما قد اخترق زجاج النافذة وثقبه دون أن يكسره مصطدماً بالسقف ومرتداً إلى الجدار وان ما توهمته دخاناً كان مجرد غبار تساقط من السقف والجدار المشروخين . وبحثت على الأرض فوجدت ثلاث قطع معدنية ما تزال ساخنة ، واحدة منها مدببة ، وكانت بصورة عامة صغيرة وأذهلني أنها قادرة على إحداث هذا الخراب كله.
حينئذ فقط لاحظت أن ركبتي ترتجفان كأنهما فُصلتا تماماً عن جسدي ورغباتي . وركعت على الأرض ودفنت وجهي بين يدي وبدأت ابكي.
__________________
يتبع
الماسة العراقية
10 - 8 - 2008, 05:58 PM
كابوس 60
ما زلت انتظر الغروب لازور جيراني ، مخلوقات بائع الحيوانات الأليفة ، أتابع قراءة الصحف العتيقة المكدسة في بيتنا . وتبدو لي التسلية الوحيدة الممكنة وفي الوقت ذاته تبدو لي تعذيباً . اقرأ واقرأ . من أول يوم سجنت فيه وانأ أعيد قرائتها. أراها بعين جديدة. كل خبر صار له مغزى جديد ودلالة مختلفة .
قرأت الإعلان التالي : من مسلماني وسمير الى أهلهم في منطقة النبطية. نحن بخير فاطمئنوا !!
غمرني رعب لا حدود له . إنها النهاية . لا اثر للحضارة بعد اليوم حولنا . الهاتف اختراع تم بعد العصر الحجري ونحن عدنا إلى العصر الحجري.
ولعلي اقرأ الصحف القديمة وأتمسح بكتبي كي أؤكد لنفسي أنني أعيش في هذا العصر المفروض انه عصر الفضاء. ربما كان هنالك مركبة فضائية تنطلق في هذه اللحظة من الأرض إلى كوكب ما لاكتشافه ومع ذلك ما يزال في كوكبنا من يحيا عذابات العصر الحجري! الصحف وحدها تجعلني اصدق لدقائق أنني ما زلت في عصري نفسه ولم تختل عجلة الزمن ببيروت وتعيدها فجأة آلاف السنين إلى الوراء. أية مأساة أن نعيش في وطن يصبح فيه بقاؤنا على قيد الحياة خبراً يستحق الإعلان عنه ؟ لو توقفت الصحف عن الصدور-كما سيحدث إذا تابعوا تدميرها - كيف سيتصل حسن وسمير ومحمد بأسرهم ؟ وكيف سيوصلون نبأ نجاتهم من الوحوش إلى أهلهم في الطرف الثاني من الغابة؟ أبالدخان على طريقة الهنود الحمر ؟ بقرع الطبول؟ بالحمام الزاجل؟
اقرأ: جاءنا مايلي : علي فادي يوسف من عرمتي وهو غير علي يوسف الذي عثر عليه مذبوحاً بأيدي (....) ، أعجبتني صيغة الإعلان . إذا نجوت فسأنشر إعلانا أقول فيه: أعلن أنني أنا لست غير التي وجدت مذبوحة في مراحل مختلفة من حياتها والتي توفيت عدة مرات وقامت من رمادها ، وأعلن أنني ما زلت على قيد الحياة وقادرة على أن اذبح مرات عديدة أيضا في المستقبل! هاهي الشمس وقد بدأت تلملم عباءتها الذهبية وعما قريب تلقي الطبيعة رداء الليل الأسود . حان وقت زيارتي لدكان بائع الحيوانات الأليفة .
انه الليل.
ليل المتفجرات والرعب. ليل الأرواح الهائمة الغاضبة ، التي صارت صرخاتها مكتوبة بلغة الحديد والنار على وجه السماء.
وأنا أتسلل خارجة من بيتي . اهبط درجات السلم. الحظ بأسي أنني احني قامتي ، ليس فقط عند النوافذ بل على طول السلم. حتى حينما أتحرك داخل البيت صرت احني قامتي . صحيح أن تجربة الرصاصة (البلياردو) علمتني أن الانخفاض تحت مستوى النوافذ لا يجدي مع الأسلحة الحديثة ، لكنني رغم كل شيء صرت احني هامتي إلى ما تحت مستوى النوافذ .
كأنني انحني لا للرصاص وإنما لمنطق الرصاص. كم هو مذل أن يتحرك الإنسان أياما وأياما وقد احني قامته كالأحدب. حتى ولو عاد السلام إلى هذه المدينة ، فانه سيجدنا قد نسينا المشي منتصبين ، وصارت مشيتنا اقرب إلى مشية القردة .
انه الليل . ليل الوحشية والموت المختبئ حتى تحت أظافرك . انه ليل الدمار. وأنا وصلت إلى الحديقة وانعطفت إلى خلف المنزل.
في البداية أخافني العراء. وأخافني أن اسمع صوت الرصاص في العراء للمرة الأولى ، طوال الأيام السابقة كنت اسمع صوت الرصاص وأنا محتمية بالجدران أو بالأثاث أو ملتصقة بأي شيء . أما الآن وأنا أقف في الحديقة تحت السماء بجسدي الهش دونما أي نوع من الدروع والمظلات واسمع مطر الرصاص ، تعتريني رجفة مخيفة .
صوت الرصاص في العراء شيء مختلف. انه الموت وقد خلع قناعه وتقدم منك . انك أنت تلك النملة في مملكة الليل الشاسعة . ركضت إلى اقرب شجرة -وكانت نخلة، والتصقت بجذعها . دفنت نفسي في صدرها العاري وخيل إليّ أنني اسمع دقات قلبها ، اسمع النسغ يركض في عروقها ، اسمع الخوف يدق طبوله داخل خشبها . ازداد التصاقاً بها. نصير شجرتين مذعورتين . نصير حياتين مذعورتين . ولكنها ستظل مكانها حتى تصيبها قنبلة أو لا تصيبها . إنها لا تستطيع مثلي أن تطلق ساقيها للريح. أحسست بشيء من العزاء لأنني أنثى لا شجرة ولأنني استطيع أن اركض.
آه صوت الرصاص في العراء وأنا وحيدة. في البداية أخافني إلى ابعد مدى . كانت كل رصاصة تستقر في جسدي أنا شخصياً وكل قذيفة تنسفني أنا شخصياً . ثم قررت: الرصاصة التي ستصيبني لن اسمع صوتها.
والقنبلة التي ستطيح بي لن ترعبني لأنني سأكون ممزقة قبل أن أجد وقتاً للرعب. فلم الخوف إذا؟ كل ما اسمعه لا يمكن أن يؤذيني مادام كل ما سيؤذيني لا يمكن ان اسمعه . أمدني هذا الخاطر ببعض القوة ، لكنني على الرغم مني ظللت ارتجف كلما دوى انفجار. سرت في الظلام باتجاه الجدار الخلفي لدكان بائع الحيوانات الأليفة. كنت اعرف جيداً مكان الأشجار والنباتات في الحديقةـ لكنني تعثرت أكثر من مرة رغم إن الظلام لم يكن دامساً تماماً. رفعت رأسي إلى السماء. لا قمر. هنالك فقط بقايا مصابيح الشارع التي ما زال أكثرها يضيء. أصل إلى النافذة. ضيقة وعلى مستوى الأرض من ناحية الحديقة، لكنها قد تكون مرتفعة جداً بالنسبة لأرض المخزن. فكيف اهبط منها؟ ربما كان علي أن آتي معي بحبل. لكنني لم أتسلق حبلاً من قبل. ترى هل الأمر سهل كما في الأفلام؟ كل ما يحدث لي هذه الأيام سبق لي أن شاهدته في الأفلام واكتشفت كم الحياة المعاشة تختلف عن تلك المغامرات التي تزيف الحياة على الشاشة. قد يكون تحت النافذة كرسي اهبط عليها. أو صندوق. أو احد أقفاص الحيوانات. ولكن لماذا استبق الأشياء؟ فلنحل المشكلة خطوة خطوة. المهم أولا أن افتح النافذة قبل ان أفكر بكيفية الهبوط منها.
تحسستها في الظلام. شعرت أنها مكسوة بالأوساخ وبطين جاف. وان بعض الحشرات أو الديدان الصغيرة تركض فوقها مذعورة لوقع أصابعي. كانت النافذة مغطاة بشريط من (المنخل) داخل إطار من الخشب. ترى هل خلفه قضبان ؟ سأعود إلى البيت لأحضر مقصاً وأقص به (شريط المنخل) الحديدي الذي يبدو من ملمسه المتعقر أن الصدأ قد أكله . أهز الإطار بيدي فيذهلني كم هو مخلخل، ويذهلني أن النافذة كلها قد خرجت في يدي. وخلفها لم تكن هنالك أية قضبان . أي سجن هو هذا؟ ولماذا لا يحتاط صاحب الدكان خوفاً من هرب رعاياه وعصيانهم؟ أم أن السجن ليس قفصاً فحسب بل هو أولا رعايا أذلاء، ورعاياه من الببغاوات والقطط والفئران والكلاب والحساسين والطواويس لا يستحقون عناء كبيراً لسجنهم والاتجار بهم؟
مددت رأسي داخل المخزن عبر النافذة. كان الظلام دامساً ورائحة كريهة تفوح. والصمت التام مخيماً على المكان. تسائلت : هربوا جميعاً؟ أم ماتوا جميعاً؟ أم تراهم مثل باقي أهل الحي يقبعون في الظلام في مخابئهم مذعورين صامتين حائرين، خائري القوى؟؟ بعد قليل الفت عيناي الظلمة ، ولم اعد أشم الرائحة الكريهة كثيراً. لاحظت إن سقف المخزن ليس مرتفعاً بقدر ما كنت أتصور، وأنني استطيع أن أدلي بجسدي من النافذة ثم اقفز على الأرض بسهولة. ولماذا السقف المرتفع ، وهل تهم صاحب الدكان الشروط المعيشية الصحية الجيدة لحيواناته ، أم أن كل ما يعنيه هو أن يبقيهم على قيد الحياة كي يتابع اتجاره بهم ؟
انه الليل
وأنا قد قفزت إلى داخل الدكان. قفزتي أثارت همهمات واصواتاً غريبة . إذن لم يموتوا ولم يهربوا ، ولكنهم مثل بقية أهل الحي تماماً في حالة ذعر وخوف. هم يحسون بوجود جسم غريب داخل المكان ، ويحاولون عبر قلقهم وخوفهم الغريزي تحديد كنهه. هل هو حيوان من فصيلتهم (صديق) أم من فصيلة أخرى (عدو) ؟ وما نتيجة دخوله إلى سجنهم؟ لعل كل حيوان منهم يفكر في، أنا ذلك الكائن (الغريب) عن السيادة ، أي عن سيادته هو عليها وهي الآن بحكم (ببغائية) ما حفظته تعلن بان دخولي إلى الدكان تحد للسيادة(!). ولكن ، أية سيادة هذه؟ أية سيادة لمن يسكن قفصه ، ويقضي وجوده سلعة تباع وتشتري لأصحاب النزوات ولأثرياء من أي مكان جاءوا؟ أية سيادة لمن حياته سجن بلا نهاية؟
وصحيح أن بعضها الذي يعرض في الواجهة الخارجية يعيش في ظروف نموذجية تلفت أنظار الزبائن، وتجعل الحيوانات في المزارع الأخرى المجاورة تشعر بالغيرة من ترف تلك القاطنة في شروط عصرية نموذجيةـ ولكن الأكثرية الساحقة من مخلوقات بائع الحيوانات الأليفة تعيش هنا خلف جدار التنك المرتفع الذي لونه رجل الديكور ، ورسم عليه مناظر طبيعية بديعة لشاطئ ساحر تعلوه الغابات المزروعة بالأرز والقمم المتوجة بالثلوج ! أية سيادة هي هذه؟! كانت الببغاوات أول من واجه دخولي بشكل عدائي. كانت أصواتها غاضبة ومتحدية في البداية، ثم صارت خافتة. إنها بحكم طبيعتها الببغائية لا تملك إلا أن تكرر الاسطوانة التي حفظها إياها سيدها، لكنها أيضاً بحكم بؤسها وإرهاقها لا تملك إلا أن تصمت أو على الأقل تكف عن تكرارها بحماس . ببغاء واحد ظل يصيح : مرحباً ياضيف. انا بحبك . اشتريني.
ويقول بعدها على التوالي: اطلع ياغريب . وكان الببغاء يكرر العبارتين كما لو كانتا وجهين لعملة واحدة.
ووسط هذا الليل المرعب وجدت صوت الببغاوات مضحكاً .وانفجرت اضحك بصوت عال. فانا لست من (جماعة الزبائن) أصحاب الثراء ولا أجد سبباً يدعوا لاعتباري (الغريب) غير المرغوب فيه. أليس بؤسنا واحداً؟ خوفنا واحداً؟ قلقنا وحيرتنا ومخاوفنا وبالتالي مصيرنا واحداً؟
سكتت الببغاوات. لم تبق عير همهمة جماعية كبقايا صوت مظاهرة مقهورة أمام هراوات رجال الشرطة. مزيج عجيب من مواء وعواء و"هسيس". اجل لم تكن العصافير تغرد او تزقزق بل كان صوتها أشبه بغمغمات محتضر. كان الصوت رهيباً مخيفاً مليئاً بالهول. بل كان كالصوت البعيد القادم من قبيلة من الجرحى والمحتضرين الذين ادمتهم الحرب وحرقت أطراف ثيابهم وأهدابهم وأقدامهم.
وحينما عادت الانفجارات شعرت ببعض الراحة..فصوت العذاب الحيواني اشد إيلاما لقلبي حتى من صوت الرصاص المصهور في فوهات البنادق .
هدأ الرصاص. عادت الهمهمات . وسمعت نفسي أقول لهم بصوت عال: شعبي الكريم! (سمعت صوتي وخفت منه وخيل إلي أنني بدأت أصاب بمس من الجنون). ولكنني تابعت: ياشعبي الكريم. بلاغ رقم واحد. جئت احمل لكم الخلاص . وردت علي الحيوانات بارتفاع همهمتها التي كانت تحمل كثيرا من الخوف. صرخت بهم: صفقوا لي، وانفجرت ابكي. شعرت أنني ممثل صغير بائس مهزوم يمثل وحيداً على مسرح بائس مهزوم مثله.
كانت عيناي قد الفتا الظلام النسبي تماماً . تذكرت أنني هنا لأحضر لهم الطعام والماء ولأتفقد حالهم ، لا لأصاب بجنون العظمة وانصب نفسي أميرة على مملكة البائسين. الأسياد لا ينقصونهم ولكن ينقصهم الماء والغذاء وكل شيء أخر ما عدا الزعماء.
فوجئت بالطعام في أقفاصهم وبالماء أيضا. لم يكن قد نقص ولا زاد. كان في الأقفاص ما فيه الكفاية ليعيشوا أياما. ترى هل غامر صاحب الدكان وجاء لإطعامهم؟ اشك في ذلك. كانت نوعية الطعام سيئة، والماء أيضاً كان ملوثاً ، ولكنه كان موجوداً على كل حال.
ودوى انفجار. وعلى ضوء التماع الصاروخ الذي أضاء كالبرق لوهلة، شاهدت كل شيء في نظرة واحدة شاملة انطبعت في ذاكرتي كوشم من جمر والى الابد. شاهدت ان بعض الحيوانات جريح، كأنها تقضي نصف وقتها في الذعر ، والنصف الآخر في الشجار فيما بينها. هذا السجن المروع البؤس يشحنها بعدوانية تحتاج إلى تفريغ، والتفريغ يحدث للأسف عن طريق الاقتتال فيما بينها بدلاً من الهجوم الموحد على صاحب الدكان، سجانها. وشاهدت احد الطواويس فارشاً ذيله، وخيل إليّ انه يتباهى على ما تبقى من حيوانات، وان الكلاب الكبيرة (تتمرجل) على الكلاب الصغيرة ، والقط الكبير يفرض(الخوة) على القط الصغير، خيل إلي أنهم مشغولون بسفاسف فروقهم البيولوجية دون أن يلحظوا أنهم يشتركون في شيء واحد : هو أنهم جميعاً عبيد وسجناء. آه الحمقى، ألا يرون حقيقة الأمر؟ بلى. ربما كانوا يرون ذلك، فقد لاحظت في عيونهم جميعاً نظرة واحدة. نظرة دامعة مليئة بالذل والانكسار والذعر ولمسة من الغضب القلق.
أتجول بين مخلوقات دكان بائع الحيوانات الأليفة وضوء الشارع يرتجف مع كل انفجار، والليل الحزين يسيل من أقفاص الحيوانات السجينة المكسورة النظرات. أتجول بينها مثل ملك أسطوري مجنون في قرية خرافية جميع سكانها من الجرحى والمشوهين والبؤساء ، وهو اشد الجميع بؤساً.
أعاود مخاطبتهم : ياشعبي الكريم . قررنا منحكم أثمن ما في الوجود . الحرية.
وكأن صوتي يقلقهم أكثر مما يرعبني )يرعبني أن أكون مشرفة حقاً على الجنون). وخلف كل جملة اصرخ بها ، تعلو همهماتهم الموحدة ، العواء المتعب للكلاب ، عواء اقرب إلى المواء، ومواء القطط الشبيه بالأنين، وصوت العصافير الذي لا يشبه الزقزقة ، بل هو اقرب إلى أصوات شخير شيوخ محتضرين ، وشهقات الأرانب ونعيب الفئران الأقرب إلى صوت البوم منه إلى صوت العصافير . وامتلأت الماً لحال تلك المخلوقات السجينة البائسة وقررت : سوف أطلق سراحها . سوف امنحها الحرية والفرح. وغداً حين يأتي صاحب الدكان الذي يعتاش من بيعها ، لن يجدها . سأحررها من البؤس الذي تحياه .
لحظات وافتح أبواب الأقفاص كلها ، لحظات واسمع خفق أجنحة العصافير وهي تطير عبر النافذة وفوق الأشجار إلى البحر الذي لابد وأنها تفتقده في سجنها المعدني ، وتهرب من هذه المدينة المجنونة إلى الغابات ، لحظات وافتح باب سجن كلاب الصيد لتنطلق مجنونة تشم رائحة الليل النقي هاربة من جحيم الأسر ، لحظات وتخرج القطط وهي تموء كما لو كانت تزغرد ، وقد تمشي على قائمتين بدلاً من أربع لشدة الفرح، لحظات وتنطلق الفئران البيض وتتسلق الأغصان وتنام ملتفة بأوراق الأشجار ، لحظات وتتحول كآبة هذا السجن إلى مهرجان حين تمسه يد الحرية، ولكن بمن ابدأ أو أي الأقفاص افتح أولا؟ خشيت أن افتح قفص الكلاب قبل القطط ، فتطارد الكلاب القطط وتؤذيها . كان من الممكن أيضا إطلاق الطيور قبل الكلاب والقطط معاً لئلا تنشأ معركة جوية أرضية بينها.
قررت أن تتم عملية (تحرير) مخلوقات بائع الحيوانات الأليفة على الوجه التالي : إطلاق سراح الطيور أولا ثم الفئران . فالطواويس . فالقطط . فالكلاب . كان لابد من (التخطيط المرحلي) للعملية ، وقد فوجئت بذلك ، وإلا لخططت له طوال النهار. يدي ترتعد وأنا افتح أقفاص الطيور كلها من حساسين وبلابل وببغاوات . شيء رائع أن نصنع الحرية . كان الباب صدئاً ، لكنه لم يكن محكم الإغلاق . صرير حاد صدر عن مزلاجه ، وبدا لي ان الطيور أجفلت قليلاً كأنما أخافها صوته . فتحت الباب على مصراعيه ، وفوجئت بأنها لم تتجه إليه لتطير هاربة صوب الحرية والليل والرياح والسماوات ودروب المجرة ، وإنما سارت تلقائياً نحو المكان المعد لطعامها كما لو كانت عمياء أو منومة مغناطسياً . لقد اعتادت ان يتم فتح باب السجن لمجرد لإطعامها ، ولعلها تظن انه أعيد إغلاقه . فتحت أبواب أقفاص الطيور ، وهالني أن عصفور منها لم يطر. كأنها نسيت الحرية . كأن خيوطاً لا مرئية تربطها بجدران سجنها . جلست أراقبها مذهولة . لم تعد المتفجرات ترعبني . لم تعد أصوات الرصاص تخيفني. مشهد الطيور القابعة في سجنها رغم الباب المفتوح ملأني بذهول وخوف لم اعرف لهما مثيلاً طوال حياتي . دائماً تخيلت الطائر جائعاً للحرية، يقضي لياليه وهو يضرب جدران القفص بجناحيه وبابه برأسه . دوماً تخيلت أنني ما أكاد افتح الباب للعصافير حتى تنطلق فوراً طائرة نحو شمس الحرية. ولكن ، في هذا للبل الذليل الطويل، تبدت لي صورة مروعة للطبيعة (الحيوانية). تقدمت منها ، وحملت في يدي بطائر ، وأحسست بجسده ينبض داخل يدي دافئاً وربما خائفاً ، بل خيل إلي أنني أحس بضربات قلبه ، حملته وقذفت به نحو النافذة . فرد جناحيه قليلاً، قليلاً جداً بما فيه الكفاية ليكون سقوطه على الأرض متوازناً واقل إيلاما . واستوى واقفاً على قدميه وعاد فمشى باتجاه قفصه وطار بجناحين مضطربين ليستقر في داخله ، ثم مشى إلى داخله واختبأ بين بقية زملائه السجناء. صعقني المشهد . فانطلقت كالمجنونة افتح أبواب الأقفاص جميعاً ، واصرخ بها جميعاً . فكانت تهرب من موقع الباب وتمعن هرباً إلى ابعد بقعة داخل السجن وبعضهم يحتمي ببعض . كأن الحرية غول قابع بانتظارها . كأنها نسيت كل شيء عن الطبيعة والسماء والركض والتحليق والسباحة ، نسيت كل شيء عن الحرية والفرح وتحضير رزقها ومتع الصيد في دروب الفصول الأربعة ، مكتفية بنصيب يقيم اودها بينما هي مختبئة داخل أوكارها مذعورة من الرصاص راضيه بهذا السجن الخامل مسلمة أمرها إلى الأقدار. والى سيدها صاحب الدكان . ذكرتني بحال أهل حينا ، حيث يهدأ القتال في أوائل كل شهر، فيذهب كل واحد لقبض راتبه أو نصف راتبه أو ربعه كما يشاء له رب عمله ، ويعود بعدها راكضاً إلى بيته ، القفص ، حاملاً ما استطاع تخزينه من طعام ، قابعاً في عاصفة الريح والنار والجموح مكتفياً من حياته باحط أنواع الوجود البيولوجي.
كانت أبواب سجون دكان بائع الحيوانات الأليفة كلها مفتوحة ، ولم يهرب احد عبر النافذة . بعض القطط مد برأسه من باب السجن دون أن يُخرج جسده منها . كلب خرج وتجول قليلاً في ارض الدكان - السجن- ثم عاد إلى القفص المعد له بالذات . لم يفكر حتى بالدخول إلى قفص آخر على الأقل . شعرت بان المشهد يثير جنوني . فتركت الدكان وانطلقت هاربة . تسلقت النافذة ، وخرجت منها كما دخلت ، واعدت إطارها إلى مكانه ، ولم احكم إقفالها بحيث تستطيع الحيوانات الخروج منها فيما لو حاولت أو رغبت حقاً بذلك . في الخارج كان الليل بانتظاري ، بارداً وكئيباً ، والرصاص لا يهدأ.
ركضت إلى النخلة ، ودفنت وجههي في جذعها الرطب وفاحت في انفي رائحة الأرض . وبكيت طويلاً طويلاً وقد ألصقت صدري بصدرها . وخيل إلى أنها لم تعد خشباً ، وان جذعها رق لي ، وهززت اليّ بجذع النخلة ، وخيل إليّ أن شيئاً رطباً نقياً يتساقط على ، وشعرت ببعض السلام يغمر روحي الممزقة.
__________________
انتهى
اتمنى ان يكون النقل مفيد
الماسة العراقية
محمد السقار
10 - 8 - 2008, 07:37 PM
الماسة العراقية
http://www.ashefaa.com/picup/uploads/d5bbc763a6.jpg
الف وردة لروحك على هذا
الجهد المميز
اشكر احساسك الراقي
مودتي وتقديري
http://www.ashefaa.com/picup/uploads/d5bbc763a6.jpg
مازن الطباع
10 - 8 - 2008, 07:50 PM
الماسة العراقية
الف شكر على هذا السرد الرائع
بقات ورد لعيونك
تحياااتي
Powered by vBulletin® Version 4.1.8 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir