عادل الفتلاوي
29 - 8 - 2008, 11:27 AM
هذيانات أولى على نص محمد السقار(بحر النور)
إن المتأمل في نصوص الأديب الشاعر محمد السقار يجد ان إنطلاقته الشعرية
نابعة من تجربته الشخصية ومنها تستمد كلماته قوتها ورونقها، فشاعرنا
في بحثه عن المتنفس الذي يريد الفرار إليه لا يجد إلا هذه المساحة البيضاء
ليلقي في أحضانها بجراحه، وأكثر ما يغلف نصوص السقار هي موضوعة الحب
المتسامي بكل تداعياته من عذاب نفسي تجاه حبيبته وما يترتب عليه من هجر
وفراق وبعد أمل وضياع وجراح لذلك نضع السقار كواحد من الشعراء العذريين
والرومانسيين الذين أرتبط حبهم بالعفة إرتباطاً محكماً حيث ان تجربته الذاتية
أمتدت لأكثر من ثلاثين عاماً حولها شعراً يفيض عذوبة فهو مؤرخ لهذا الحب
العظيم، وإذا علمنا إنه فنان تشكيلي لا نستغرب حينما نرى أنه يرسم القصيدة
كاللوحة غاية في الأناقة والجمال فهو يعي كل كلمة جاءت في نصوصه
لأنه -كما قلنا- تستمد كلماته قوتها من صميم تجربة حقيقية، إذن فهو من
الشعراء الذين يغمسون أصابعهم في قلوبهم ليكتبوا على خط المغيب قصائد حبهم.
كثير من قصائد السقار استوقفتني ولا يزال ديوان(همسات لبغدادية) بين يدي أبحر
فوق أمواجه كل مساء غير إن النص الذي أجد فيه ان السقار تفوق على نفسه
كشاعر لكثافة صوره وموسيقاه هو نص(بحر النور) الذي جاء نصاً شعرياً متكاملاً
من حيث البناء وزخم الصور إلى حدٍ بعيد ولا أغالي إن قلت بأنه كتبه وقلبه يئن
تحت وطأة الكلمة.
قرأنا في البديع بأن أهم ما في القصيدة هو حسن المطلع لنجد إن في النص
ما يجعلنا نتوقف قليلاً مع العنوان ومدخل القصيدة
(في بحر النور بقايا عشق) بداية لنبحث جغرافياً عن مكان هذا البحر حيث
سنجده في خارطة السقار على صدره تماما فهو قلبه وإشارته هنا إلى القلب
بأنه بحر النور يعطينا أكثر من لمحة فالنور إشارة إلى الصفاء والصدق والوضوح
والطهر والسعة لذلك حمل قلبه كل هذه الصفات، غير إن هذا البحر قد أحتوى
على بقايا عشق لحب قديم تآكلته السنين فلم يبق منه إلا فتات من الذكرى
لا زال هذا القلب الكبير يحتفظ بها. (
ومشوار عراء مكتوب
وبقايا شاعر
أضواه رماد النور
وشموس تمشي وغروب) ولا زال الشاعر يمشي في طريقه القاحل العاري
من محطات الاستراحة والسكون فقد كتب له القدر ان يسير فيه مرغماً
يحمل بين جنبيه بقايا شاعر فقد تحول إلى جرح أكبر وقلب أكثر وجعاً قد
أنهكه ذاك الشعر الذي وصفه برماد النور(
أجوب مطارات العشق
بقميص من نرجس
وظلال حروف جائعة
في زمن منهوب) البحث قائم والسفر مستمر فلا زال يرتاد مطارات العشق
يحط عليها كطائر متعب بحثاً عن ذلك الحب الكبير في محاولة علّه يعود من جديد،
فهو يحن له ويتذكره ولا يريد التحليق في غيره تلك السماء الجميلة ويرفض
الهجرة عنها وعلى كتفيه قميص النرجس حيث يرمز إلى التفرد بهذا الحب
وجميل هو وصف الذات بـ(قميص النرجس)، وراح يكتب مذكرات رحلته بحروف
جائعة إلى النطق فهو شاعر آثر ان لا يصمت وسيبقى يبوح بما يعتري قلبه
من مواجع برغم هذا الزمن المنهوب الذي يرفض مثاليات الحب الأسمى
(
في بحر النور عيوني
وجنازة وجد في الميناء
إنطفأ الريح
من خلف الجوع
ولا مطر ينزف من رئتي
مازال الخوف يعشعش في الكلمات
ويسجد للأحلام) صور جميلة ومكثفة وصف الشاعر هنا عيونه بأنها
في بحر النور(قلبه) فالشاعر هنا يسير ودليله القلب بعواطفه وأشواقه
وليس العقل والمنطق، وفي إحدى محطات سفره يجد ان وجده قد استحال
جنازة تقبع في الميناء فقد توقفت الريح وعاد الشراع بلا رفيف ولا شهوة
للسفر وربما مرّ الشاعر هنا بأزمة أذكت فيه جراح العشق وغدا قلبه
يباباً واستسقى رئتيه كي تجرد عليه بقليل من مطر الروح ولكن..
لا رجاء، فلا زال خوفه يعشعش في كلماته الرقيقة من وحشة الطريق
الطويل ويسجد لأحلام هي أقرب للنوال من المضي في دروب المخاطر (
في بحر النور ضياع
يسكن في الأحداق
يتساقط دمع النسوة
يغرس سكينا في الأعناق
ملئ بالهمس وبالنشوة
تكتب لليل وتهذي بالأشواق) وككل بحار الدنيا الشاقة فإن بحر قلبه يعيش
ضياعاً مستمراً فهو ساكن الأحداق ليثقل هذه الجفون عن مهمة اليقظة،
ولأجل هذا الضنى تتساقط دموع النسوة شفقة عليه ورأفة لحجم هذا العذاب
الذي يعانيه، وربما أشار إلى النسوة هنا بالقصائد فهذه الدموع تزرع كالسكاكين
في أعماقه، يصحبها همس وتساؤل واستدراك وشكوى لطريق طال وطال ملئه
النشوة للكتابة في هذا الليل الجارح الجريح حرّ الهذيان بالأشواق المتلاطمة
في داخله(
في بحر الغيلة أسباب
كوخ خشبي يرجف عند النهر
مازال قتيلاً يتنهد
خلف حدود الدهر
يستنشق رائحة المحبوب
يلفحه الموت وراء ظنون الأيام)
أرى في هذا المقطع قطب الرحى الذي تدور حوله كل صور القصيدة فهو مقطع
مؤثر مشحون بالصور الجميلة فكما وصف قلبه ببحر النور أتى المقابل بالضد
منه فبحر الغيلة الذي يزرع في طريقه أنواع العثرات وبذور التعب والأشواك
لأسباب يعرف الشاعر وحده تعددها، ووصف الانتظار هنا بالكوخ الخشبي رمز
البساطة والتواضع وكذلك الضعف وقلة الحيلة يرجف عند النهر وحيداً
وما زال قتيل لحظاته المرّة يتنهد خلف اللازمان يستجدي رائحة المحبوب
بين ألواحه القديمة المهترئة علّه يجد شيئاً من الذكرى احتفظت بها زواية
ما لينسى بها ساعة ليله الطويل ورغم كل ذلك فهذا الكوخ يعرفه ويعرف
ذلك الحب الذي تتوجه العفة والعذرية، رغم ريح الموت التي تلفحه قادمة
من وراء ظنون الأيام (
في بحر النور دموع
تهوى الأبحار على شفتي
تتحدى الإعصار
وتكتب جرحي في لحن رجوع
وتقول كلاماً وكلاما
تشربني حباً وغراما
تشعل نزفي)
تصوير لحالة الحزن الطاغي التي يمر بها الشاعر وهذا التواصل المرير مع الآلام
فدموعه تهوى الأبحار على شفتيه فهي في مسيل غزير رغم ذلك فهي دموع
محببة إليه وليست دموع إنكسار وهزيمة بل دموع ذكرى وحب وحنين فهي
تتحدى إعصار الأيام تكتب جرحه لحن عودة إلى أيام خلت تشربه حباً وغراما
وتشعل له نزف حبه ضياءا
(تكتبني شعراً.. همساً... ودموع
تشعل الأحرف بيديها كشموع
فتسجد في حضرتها الأرواح
وتعزف جوقات الشحاذين)
يستمر الشاعر في وصف اللحظات الجميلة التي يتمنى الرجوع إليها لتكتبه
الحبيبة شعراً وهمساً ودموع وتقرأ قصيدته بجمال يضاف إلى جمال حروفه
كي تتقد كالشموع بين أناملها الجميلة تسجد في حضرة جمالها كل أرواح
القصائد العاشقة التي كتبت من أجل عينيها لتكون آخر الكلمات بإنسيابية
دافئة (
من أسرف في الأشعار إليك
ستكون قصائده مسخاً مترهلاً
وجراحاً تكبر في التعذيب
من رتق النجوى عشقاً
تفطر في الصد غيوماً
بأوردة الدنيا
والشمس وأجنحة النرجس)
إن المتأمل في نصوص الأديب الشاعر محمد السقار يجد ان إنطلاقته الشعرية
نابعة من تجربته الشخصية ومنها تستمد كلماته قوتها ورونقها، فشاعرنا
في بحثه عن المتنفس الذي يريد الفرار إليه لا يجد إلا هذه المساحة البيضاء
ليلقي في أحضانها بجراحه، وأكثر ما يغلف نصوص السقار هي موضوعة الحب
المتسامي بكل تداعياته من عذاب نفسي تجاه حبيبته وما يترتب عليه من هجر
وفراق وبعد أمل وضياع وجراح لذلك نضع السقار كواحد من الشعراء العذريين
والرومانسيين الذين أرتبط حبهم بالعفة إرتباطاً محكماً حيث ان تجربته الذاتية
أمتدت لأكثر من ثلاثين عاماً حولها شعراً يفيض عذوبة فهو مؤرخ لهذا الحب
العظيم، وإذا علمنا إنه فنان تشكيلي لا نستغرب حينما نرى أنه يرسم القصيدة
كاللوحة غاية في الأناقة والجمال فهو يعي كل كلمة جاءت في نصوصه
لأنه -كما قلنا- تستمد كلماته قوتها من صميم تجربة حقيقية، إذن فهو من
الشعراء الذين يغمسون أصابعهم في قلوبهم ليكتبوا على خط المغيب قصائد حبهم.
كثير من قصائد السقار استوقفتني ولا يزال ديوان(همسات لبغدادية) بين يدي أبحر
فوق أمواجه كل مساء غير إن النص الذي أجد فيه ان السقار تفوق على نفسه
كشاعر لكثافة صوره وموسيقاه هو نص(بحر النور) الذي جاء نصاً شعرياً متكاملاً
من حيث البناء وزخم الصور إلى حدٍ بعيد ولا أغالي إن قلت بأنه كتبه وقلبه يئن
تحت وطأة الكلمة.
قرأنا في البديع بأن أهم ما في القصيدة هو حسن المطلع لنجد إن في النص
ما يجعلنا نتوقف قليلاً مع العنوان ومدخل القصيدة
(في بحر النور بقايا عشق) بداية لنبحث جغرافياً عن مكان هذا البحر حيث
سنجده في خارطة السقار على صدره تماما فهو قلبه وإشارته هنا إلى القلب
بأنه بحر النور يعطينا أكثر من لمحة فالنور إشارة إلى الصفاء والصدق والوضوح
والطهر والسعة لذلك حمل قلبه كل هذه الصفات، غير إن هذا البحر قد أحتوى
على بقايا عشق لحب قديم تآكلته السنين فلم يبق منه إلا فتات من الذكرى
لا زال هذا القلب الكبير يحتفظ بها. (
ومشوار عراء مكتوب
وبقايا شاعر
أضواه رماد النور
وشموس تمشي وغروب) ولا زال الشاعر يمشي في طريقه القاحل العاري
من محطات الاستراحة والسكون فقد كتب له القدر ان يسير فيه مرغماً
يحمل بين جنبيه بقايا شاعر فقد تحول إلى جرح أكبر وقلب أكثر وجعاً قد
أنهكه ذاك الشعر الذي وصفه برماد النور(
أجوب مطارات العشق
بقميص من نرجس
وظلال حروف جائعة
في زمن منهوب) البحث قائم والسفر مستمر فلا زال يرتاد مطارات العشق
يحط عليها كطائر متعب بحثاً عن ذلك الحب الكبير في محاولة علّه يعود من جديد،
فهو يحن له ويتذكره ولا يريد التحليق في غيره تلك السماء الجميلة ويرفض
الهجرة عنها وعلى كتفيه قميص النرجس حيث يرمز إلى التفرد بهذا الحب
وجميل هو وصف الذات بـ(قميص النرجس)، وراح يكتب مذكرات رحلته بحروف
جائعة إلى النطق فهو شاعر آثر ان لا يصمت وسيبقى يبوح بما يعتري قلبه
من مواجع برغم هذا الزمن المنهوب الذي يرفض مثاليات الحب الأسمى
(
في بحر النور عيوني
وجنازة وجد في الميناء
إنطفأ الريح
من خلف الجوع
ولا مطر ينزف من رئتي
مازال الخوف يعشعش في الكلمات
ويسجد للأحلام) صور جميلة ومكثفة وصف الشاعر هنا عيونه بأنها
في بحر النور(قلبه) فالشاعر هنا يسير ودليله القلب بعواطفه وأشواقه
وليس العقل والمنطق، وفي إحدى محطات سفره يجد ان وجده قد استحال
جنازة تقبع في الميناء فقد توقفت الريح وعاد الشراع بلا رفيف ولا شهوة
للسفر وربما مرّ الشاعر هنا بأزمة أذكت فيه جراح العشق وغدا قلبه
يباباً واستسقى رئتيه كي تجرد عليه بقليل من مطر الروح ولكن..
لا رجاء، فلا زال خوفه يعشعش في كلماته الرقيقة من وحشة الطريق
الطويل ويسجد لأحلام هي أقرب للنوال من المضي في دروب المخاطر (
في بحر النور ضياع
يسكن في الأحداق
يتساقط دمع النسوة
يغرس سكينا في الأعناق
ملئ بالهمس وبالنشوة
تكتب لليل وتهذي بالأشواق) وككل بحار الدنيا الشاقة فإن بحر قلبه يعيش
ضياعاً مستمراً فهو ساكن الأحداق ليثقل هذه الجفون عن مهمة اليقظة،
ولأجل هذا الضنى تتساقط دموع النسوة شفقة عليه ورأفة لحجم هذا العذاب
الذي يعانيه، وربما أشار إلى النسوة هنا بالقصائد فهذه الدموع تزرع كالسكاكين
في أعماقه، يصحبها همس وتساؤل واستدراك وشكوى لطريق طال وطال ملئه
النشوة للكتابة في هذا الليل الجارح الجريح حرّ الهذيان بالأشواق المتلاطمة
في داخله(
في بحر الغيلة أسباب
كوخ خشبي يرجف عند النهر
مازال قتيلاً يتنهد
خلف حدود الدهر
يستنشق رائحة المحبوب
يلفحه الموت وراء ظنون الأيام)
أرى في هذا المقطع قطب الرحى الذي تدور حوله كل صور القصيدة فهو مقطع
مؤثر مشحون بالصور الجميلة فكما وصف قلبه ببحر النور أتى المقابل بالضد
منه فبحر الغيلة الذي يزرع في طريقه أنواع العثرات وبذور التعب والأشواك
لأسباب يعرف الشاعر وحده تعددها، ووصف الانتظار هنا بالكوخ الخشبي رمز
البساطة والتواضع وكذلك الضعف وقلة الحيلة يرجف عند النهر وحيداً
وما زال قتيل لحظاته المرّة يتنهد خلف اللازمان يستجدي رائحة المحبوب
بين ألواحه القديمة المهترئة علّه يجد شيئاً من الذكرى احتفظت بها زواية
ما لينسى بها ساعة ليله الطويل ورغم كل ذلك فهذا الكوخ يعرفه ويعرف
ذلك الحب الذي تتوجه العفة والعذرية، رغم ريح الموت التي تلفحه قادمة
من وراء ظنون الأيام (
في بحر النور دموع
تهوى الأبحار على شفتي
تتحدى الإعصار
وتكتب جرحي في لحن رجوع
وتقول كلاماً وكلاما
تشربني حباً وغراما
تشعل نزفي)
تصوير لحالة الحزن الطاغي التي يمر بها الشاعر وهذا التواصل المرير مع الآلام
فدموعه تهوى الأبحار على شفتيه فهي في مسيل غزير رغم ذلك فهي دموع
محببة إليه وليست دموع إنكسار وهزيمة بل دموع ذكرى وحب وحنين فهي
تتحدى إعصار الأيام تكتب جرحه لحن عودة إلى أيام خلت تشربه حباً وغراما
وتشعل له نزف حبه ضياءا
(تكتبني شعراً.. همساً... ودموع
تشعل الأحرف بيديها كشموع
فتسجد في حضرتها الأرواح
وتعزف جوقات الشحاذين)
يستمر الشاعر في وصف اللحظات الجميلة التي يتمنى الرجوع إليها لتكتبه
الحبيبة شعراً وهمساً ودموع وتقرأ قصيدته بجمال يضاف إلى جمال حروفه
كي تتقد كالشموع بين أناملها الجميلة تسجد في حضرة جمالها كل أرواح
القصائد العاشقة التي كتبت من أجل عينيها لتكون آخر الكلمات بإنسيابية
دافئة (
من أسرف في الأشعار إليك
ستكون قصائده مسخاً مترهلاً
وجراحاً تكبر في التعذيب
من رتق النجوى عشقاً
تفطر في الصد غيوماً
بأوردة الدنيا
والشمس وأجنحة النرجس)