بيسان عكاوي
8 - 9 - 2008, 06:23 PM
آمال والكينون الرقمي
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_66892_amalL.jpg
البصمات لا تتشابه
في يد آمال قلب صغير يحرك نبضاته على شاشة الحاسوب منتجا الرقص والغناء والحب والعطر والحزن.
"الصورة سليلة الحنين"
ريجيس دوبريه في كتابه "حياة الصورة وموتها"
الحياة لوحة تشكيلية ترانا في كل لحظة وتستفزنا لمحاكاتها ورؤيتها ومدّها بحركتنا ومشاعرنا كي تشعر بالألفة في دنياها المجهولة لدينا والمعروفة والمحسوسة بين أرواح الفن الخالقة والمخلوقة. نحن نرسم اللوحة واللوحة قبل أن نرسمها تكون هي قد رسمتنا. فنحن نراها على الحائط وهي ترانا في الروح.
ستتعدد مواد التعبير في الحياة وتتنوع وتتطور في كل لحظة وتركض مع البيئة لتلازمها وتستمد منها ألوانها ومواضيعها ومع التقدم التقني الذي شهده العالم خاصة منذ عشرين سنة في مجال الحاسب الآلي وانتشاره في كل بقاع الأرض كان لزاما أن يطل علينا الفن الرقمي.
هذا الفن الذي سأعتبر فنانيه في ليبيا على الأقل لا آباء لهم بل هم أنجبوا أبناء كبارا سنطالعهم حتما في توجه الفنانين العرب والليبيين المخضرمين حثيثا إلى (الديجتل آرت) في محاولة التجديد في فنهم وتشكيلهم التقليدي المعروف المستنفذ الأغراض. كما حدث للكتاب الذين لم يتقبلوا الحاسوب والإنترنت في البداية لكنهم الآن فتحوا مواقعَ ومدونات وأدمنوا النت حتى صار من وجبتهم اليومية.
وفن التشكيل بواسطة الحاسوب نقل هذه الآلة الإلكترونية والكهربائية نقلة نوعية فحولها من آلة إحصاء وتحليل إلى آلة من الممكن جدا أن تصنع فنا جميلا مقنعا ومتماشيا مع روح العصر ذات الرتم (الإيقاع) السريع وذلك بواسطة مبرمجين مجانين موهوبين أزاحوا الرقم بعيدا ومنحوا لخيالهم شيئا من المعنى والطراوة والحلم فاستطاعوا نتيجة إخلاصهم وحبهم للفن عصر مخيلتهم وحرقها إبداعيا لأجل إنتاج الكثير من برامج التشكيل المختلفة التي نحمّلها الآن إلى حواسيبنا ونستخدمها في فننا هذا.
في الإبداع التشكيلي بواسطة الحاسوب سنجد أمامنا خيارات لا تحصى: مزج ألوان .. هزّها .. ترقيصها .. دلقها .. إظلامها .. تشويهها .. هندستها .. تهليمها .. تضبيبها .. مسخها .. إلخ من حركات الخيال التي يبعثها لجسد الفارة لتحدث ارتعاشاتها العذبة على براح الشاشة.
سنجد أيضا أنواعا كثيرة من الفرش والأقلام والمكاشط والمجرفات والإبر والريش والخطوط والنقط والشرطات وغيرها. سنجد أمامنا موادَّ جاهزة نظيفة لا رائحة فيها. وما على الفنان إلا أن يمارس لعبته أو يقترف خيانته في إبداع كائنه الفني ونفخ الروح فيه وإسباغ رائحته المميزة عليه.
الرسم بالحاسوب يحتاج إلى بصر طبيعي حاد لن تجلبه أي نظارة مهما تدسمت سماكتها وحشيت بالبللور ويحتاج إلى يد فنانة ماهرة حساسة، وبالطبع إلى ثقافة حديثة وخيال واسع لا حد له. فعندما تشغل جهاز الحاسوب وتمسك بالفارة أو القلم الإلكتروني ستدخل إلى معركة غير متكافئة. فكل ما تبدعه سوف ينسب إلى برنامج المبرمج الذي أبدع هذا النظام المشتغل عليه إذا أنت فشلت في خدش الكهرباء وجرح الإلكترون بجرح الفن الإنساني النازف حتى من الجماد. نستطيع القول إنه خلق حياة حية في حياة جامدة نعرف قوانينها ونجهل أسرارها العميقة.
آمال فرج العيادي بدأت ممارسة التشكيل بواسطة الحاسوب في بداية عام 2004. كنا في مدينة شحات نسكن غرفة صغيرة في بيت الشباب وبتشجيع مني قلت لها ارسمي بالحاسوب. هذا برنامج الرسام سهل. واستهوتها اللعبة. ومكثت تجلس إلى هذا الجهاز الذي لم تدرسه وتعلمته هكذا بالممارسة اليومية. جلست ساعات طويلة ترسم لوحات كثيرة تجاوزت الألف. وفي كل مرة تكتشف شيئا جديدا. وكانت محاولاتها الأولى مشجعة فواصلت هذا العمل، واستخدمت أكثر من برنامج معروف. وانتشرت لوحاتها على أغلفة الكتب وعلى شبكة النت. ونالت إعجاب عدة فنانين ليبيين وعرب وأدباء معروفين أرسلناها لهم خاصة في تونس والمغرب وسوريا والعراق.
وصار لدى آمال العايدي صراع كبير بين الكتابة السردية والفن التشكيلي، بل بعض قصصها تحولت إلى صور ومشهديات. وها هي الآن ستقيم معرضها الشخصي الأول لتقدم فنها أو جانبا من فنها إلى عشاق التشكيل ومتذوقيه لعلها تسهم في رفع الذائقة وتغذيتها بلون جديد قد يكون غير معترف به أيضا.
لقد عرفتُ أن آمال فنانة تشكيلية من طريقة ترتيبها للسرير وأواني المطبخ والكتب وكل شيء في البيت. الوحيد الذي عجزت أن ترتبه فهو أنا. تترك الأشياء فوضى وبعد قليل تجد الأشياء مرتبة بطريقة جميلة. لا ترمي أي شيء يكسر أو يتمزق في القمامة. لكنها تشكله وتصنع منه شيئا فنيا.
في يد آمال العايدي حرفية عالية ومهارة، بل قد يكون دماغها قريبا جدا من يدها التي تحركها في أي مكان فتحيله إلى لوحة تستطيع أن تراها في أوضاعها جميعها. تستطيع أن تعرضها على جهاتها الأربعة، ومع كل جهة سترى لوحة جديدة. فكل لوحة ترسمها هي أربع لوحات ملموسة من غير اللوحات التي لا تحصى المتشكلة في وجدان المتلقي وهو يرى.
في يد آمال قلب صغير. يحرك نبضاته على شاشة الحاسوب. منتجا الرقص والغناء والحب والبالونات والحلوى والعطر وأيضا الحزن الذي هو من أملاح الفرحة وبهاراتها.
أكثر لوحات آمال تشتغل على الكائن، رمز الحياة. فنرى هذا الكائن في تجلياته العديدة. نراه في شكله الفيتروفي بأطرافه الأربعة ورأسه وحركاته. لكن هذا الإنسان لا تتركه في شكله المألوف. فسريعا بعد أن تؤسسه بالخطوط تجرده من كينونته الوهمية، لتمنحه كينونة تثق في خلودها وتألقها، كينونة فنية، خلقها القلب، وربطها به بحبل من أحاسيس دافئة ليست منقرضة في زمننا هذا، هي موجودة تبعثها العيون للوحات، واللوحات للعيون.
كل من يشاهد لوحة لآمال سوف يبدع لوحته الخاصة ليضع بصمته في جدارية هذا العالم، البصمات لا تتشابه، مثل الفن الحقيقي الأصيل.
محمد الأصفر ـ ليبيا
ميدل ايست
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_66892_amalL.jpg
البصمات لا تتشابه
في يد آمال قلب صغير يحرك نبضاته على شاشة الحاسوب منتجا الرقص والغناء والحب والعطر والحزن.
"الصورة سليلة الحنين"
ريجيس دوبريه في كتابه "حياة الصورة وموتها"
الحياة لوحة تشكيلية ترانا في كل لحظة وتستفزنا لمحاكاتها ورؤيتها ومدّها بحركتنا ومشاعرنا كي تشعر بالألفة في دنياها المجهولة لدينا والمعروفة والمحسوسة بين أرواح الفن الخالقة والمخلوقة. نحن نرسم اللوحة واللوحة قبل أن نرسمها تكون هي قد رسمتنا. فنحن نراها على الحائط وهي ترانا في الروح.
ستتعدد مواد التعبير في الحياة وتتنوع وتتطور في كل لحظة وتركض مع البيئة لتلازمها وتستمد منها ألوانها ومواضيعها ومع التقدم التقني الذي شهده العالم خاصة منذ عشرين سنة في مجال الحاسب الآلي وانتشاره في كل بقاع الأرض كان لزاما أن يطل علينا الفن الرقمي.
هذا الفن الذي سأعتبر فنانيه في ليبيا على الأقل لا آباء لهم بل هم أنجبوا أبناء كبارا سنطالعهم حتما في توجه الفنانين العرب والليبيين المخضرمين حثيثا إلى (الديجتل آرت) في محاولة التجديد في فنهم وتشكيلهم التقليدي المعروف المستنفذ الأغراض. كما حدث للكتاب الذين لم يتقبلوا الحاسوب والإنترنت في البداية لكنهم الآن فتحوا مواقعَ ومدونات وأدمنوا النت حتى صار من وجبتهم اليومية.
وفن التشكيل بواسطة الحاسوب نقل هذه الآلة الإلكترونية والكهربائية نقلة نوعية فحولها من آلة إحصاء وتحليل إلى آلة من الممكن جدا أن تصنع فنا جميلا مقنعا ومتماشيا مع روح العصر ذات الرتم (الإيقاع) السريع وذلك بواسطة مبرمجين مجانين موهوبين أزاحوا الرقم بعيدا ومنحوا لخيالهم شيئا من المعنى والطراوة والحلم فاستطاعوا نتيجة إخلاصهم وحبهم للفن عصر مخيلتهم وحرقها إبداعيا لأجل إنتاج الكثير من برامج التشكيل المختلفة التي نحمّلها الآن إلى حواسيبنا ونستخدمها في فننا هذا.
في الإبداع التشكيلي بواسطة الحاسوب سنجد أمامنا خيارات لا تحصى: مزج ألوان .. هزّها .. ترقيصها .. دلقها .. إظلامها .. تشويهها .. هندستها .. تهليمها .. تضبيبها .. مسخها .. إلخ من حركات الخيال التي يبعثها لجسد الفارة لتحدث ارتعاشاتها العذبة على براح الشاشة.
سنجد أيضا أنواعا كثيرة من الفرش والأقلام والمكاشط والمجرفات والإبر والريش والخطوط والنقط والشرطات وغيرها. سنجد أمامنا موادَّ جاهزة نظيفة لا رائحة فيها. وما على الفنان إلا أن يمارس لعبته أو يقترف خيانته في إبداع كائنه الفني ونفخ الروح فيه وإسباغ رائحته المميزة عليه.
الرسم بالحاسوب يحتاج إلى بصر طبيعي حاد لن تجلبه أي نظارة مهما تدسمت سماكتها وحشيت بالبللور ويحتاج إلى يد فنانة ماهرة حساسة، وبالطبع إلى ثقافة حديثة وخيال واسع لا حد له. فعندما تشغل جهاز الحاسوب وتمسك بالفارة أو القلم الإلكتروني ستدخل إلى معركة غير متكافئة. فكل ما تبدعه سوف ينسب إلى برنامج المبرمج الذي أبدع هذا النظام المشتغل عليه إذا أنت فشلت في خدش الكهرباء وجرح الإلكترون بجرح الفن الإنساني النازف حتى من الجماد. نستطيع القول إنه خلق حياة حية في حياة جامدة نعرف قوانينها ونجهل أسرارها العميقة.
آمال فرج العيادي بدأت ممارسة التشكيل بواسطة الحاسوب في بداية عام 2004. كنا في مدينة شحات نسكن غرفة صغيرة في بيت الشباب وبتشجيع مني قلت لها ارسمي بالحاسوب. هذا برنامج الرسام سهل. واستهوتها اللعبة. ومكثت تجلس إلى هذا الجهاز الذي لم تدرسه وتعلمته هكذا بالممارسة اليومية. جلست ساعات طويلة ترسم لوحات كثيرة تجاوزت الألف. وفي كل مرة تكتشف شيئا جديدا. وكانت محاولاتها الأولى مشجعة فواصلت هذا العمل، واستخدمت أكثر من برنامج معروف. وانتشرت لوحاتها على أغلفة الكتب وعلى شبكة النت. ونالت إعجاب عدة فنانين ليبيين وعرب وأدباء معروفين أرسلناها لهم خاصة في تونس والمغرب وسوريا والعراق.
وصار لدى آمال العايدي صراع كبير بين الكتابة السردية والفن التشكيلي، بل بعض قصصها تحولت إلى صور ومشهديات. وها هي الآن ستقيم معرضها الشخصي الأول لتقدم فنها أو جانبا من فنها إلى عشاق التشكيل ومتذوقيه لعلها تسهم في رفع الذائقة وتغذيتها بلون جديد قد يكون غير معترف به أيضا.
لقد عرفتُ أن آمال فنانة تشكيلية من طريقة ترتيبها للسرير وأواني المطبخ والكتب وكل شيء في البيت. الوحيد الذي عجزت أن ترتبه فهو أنا. تترك الأشياء فوضى وبعد قليل تجد الأشياء مرتبة بطريقة جميلة. لا ترمي أي شيء يكسر أو يتمزق في القمامة. لكنها تشكله وتصنع منه شيئا فنيا.
في يد آمال العايدي حرفية عالية ومهارة، بل قد يكون دماغها قريبا جدا من يدها التي تحركها في أي مكان فتحيله إلى لوحة تستطيع أن تراها في أوضاعها جميعها. تستطيع أن تعرضها على جهاتها الأربعة، ومع كل جهة سترى لوحة جديدة. فكل لوحة ترسمها هي أربع لوحات ملموسة من غير اللوحات التي لا تحصى المتشكلة في وجدان المتلقي وهو يرى.
في يد آمال قلب صغير. يحرك نبضاته على شاشة الحاسوب. منتجا الرقص والغناء والحب والبالونات والحلوى والعطر وأيضا الحزن الذي هو من أملاح الفرحة وبهاراتها.
أكثر لوحات آمال تشتغل على الكائن، رمز الحياة. فنرى هذا الكائن في تجلياته العديدة. نراه في شكله الفيتروفي بأطرافه الأربعة ورأسه وحركاته. لكن هذا الإنسان لا تتركه في شكله المألوف. فسريعا بعد أن تؤسسه بالخطوط تجرده من كينونته الوهمية، لتمنحه كينونة تثق في خلودها وتألقها، كينونة فنية، خلقها القلب، وربطها به بحبل من أحاسيس دافئة ليست منقرضة في زمننا هذا، هي موجودة تبعثها العيون للوحات، واللوحات للعيون.
كل من يشاهد لوحة لآمال سوف يبدع لوحته الخاصة ليضع بصمته في جدارية هذا العالم، البصمات لا تتشابه، مثل الفن الحقيقي الأصيل.
محمد الأصفر ـ ليبيا
ميدل ايست