المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نكبة فلسطين في الفكر العَربي



عوني زنون أبوالسعيد
4 - 5 - 2007, 10:36 AM
نكبة فلسطين في الفكر العَربي
عبد القادر ياسين
وقعت النكبة الفلسطينية، وقوع الصاعقة، على الوطن العربي، فهزته بعنف، من أقصاه إلى أقصاه. هنا طفقت مختلف القوى السياسية العربية، والمفكرون العرب يبحثون، حثيثاً، عن العوامل التي حفت بتلك النكبة، وأسهمت في صنعها. وكان طبيعياً أن تتباين الآراء، وأحياناً تتعارض؛ بقدر ما بين تلك القوى من تباينات وتعارضات، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن المفكرين أيضاً.
ملامح الفكر العربي:
جاءت نكبة فلسطين، بينما العرب يعانون، ولا يزالون، من أزمة هوية، يرتكبون كلما هموا بتعريف أنفسهم؛ بينما تفصل أقوالهم عن أفعالهم هوّة سحيقة، فضلاً عن البون الشاسع بين الفكر وبين التطبيق، مما عمق عدم اليقين عند العرب. وتتجلى أزمة الهوية العربية فيما يلي:
1- مأكل العرب، ومشربهم، وملبسهم يفد من الغرب الاستعماري، الذي يناصبونه العداء.
2- ولع العرب باستيراد التكنولوجيا، مقابل إهمالهم العلم، مما حال دون بحثهم عن العلاقة بين الظواهر، وعمق اتكالية العرب، وخلق أجهزة ثقافة وإعلام متعارضة في مدارها، محافظة، بعيدة عن العقلانية في مناهجها.
3- بالتداعي، كان ضعف الإحساس بالانتماء، وهشاشة الرابطة بين الدولة والمواطن.
4- فضلاً عن تكريس أزمة الثقة بين الحاكم والمحكوم.
تاريخياً، بدأ التمايز الطبقي داخل الولايات العربية الخاضعة للحكم العثماني، مع ظهور الأعيان، في القرن السابع عشر، حيث تركزت القوتين الاقتصادية، والسياسية، في أيديهم، على مدى القرنين التاليين، الأمر الذي تعزز مع ازدياد التغلغل الغربي في تلك الولايات، فعجل في تقويض المفهوم التقليدي للتنظيمات الاجتماعية القائمة على أن "الإسلام دين ودولة". مما فاقم أزمة الهوية، والمشاركة، ونسق القيم، وما إلى ذلك. وتجلى هذا كله في تمرد النبلاء الحاكمين، وفي ظهور الجمعيات السرية منها والعلنية، في بلاد الشام، مع نهايات الحكم العثماني. وقد عمت حكومة الانقلابيين (1908) الحديثة، في استنابول – المكونة من إداريين، وعسكريين، ومفكرين- إلى تركيز القوة بين يديها، للمحافظة على نمط الحكم التقليدي القديم. فيما عمد ملاّك الأراضي، التجار والموظفون، إلى تثقيف العامة، والاستقواء بهم في مواجهة الحكام، هنا استجد تناقض مؤداه أن النبلاء الذين قوضوا النظام الاجتماعي القديم، هو الذين أفسحوا المجال للأفكار الحديثة.
يلاحظ هنا بأن الفكر العربي ظل يخضع – شأن المجتمعات العربية – لعمليات تغيير مستمرة، لكن هذه العمليات ظلت على خضوعها لقوى خارجية. أما أزمة ذلك الفكر فكمنت في عجزة عن التوفيق بين الأصالة والحداثة.
الفكر الديني والنكبة:

شهد مدرج الجامعة السورية، بدمشق، مساء 23/7/1951، محاضرة ألقاها وكيل ندوة العلماء بالهند، أبو الحسن علي الحسني الندوي، بحضور رئيس المجلس النيابي السوري، آنذاك، الدكتور معروف الدوالبي، وعميد الجامعة السورية، الدكتور قسطنطين زريق، وأساتذة الجامعة، وطلابها، وعلماء دمشق، ووجهائها، وشبابها.
في هذه المحاضرة ألقى الندوي، حزمة كاشفة من الأضواء على أسباب النكبة الفلسطينية، فبيّن "أن التبعة العظمى يقع معظمها على عاتق زعماء العرب، وقادتهم، أولئك الذين لم يؤدوا الأمانة، التي إئتمنتهم شعوبهم عليها، بل خانوا العهد، وخفروا الذمة، ولعبوا بمقدرات شعوبهم، واستخفوا بحقوقهم، وفوق ذلك لم تؤاخذهم ضمائرهم على فعلتهم، بل استمروا يراوغون، ويداورون، ويبيعون، ويشترون، كأن شيئاً لم يقع". لكن الندوي لم يبرئ الشعوب العربية والإسلامية في التقصير الذي حدث، "ومسؤوليتها في هذه النازلة الفادحة، وما أظهرته قبلها، وأثناءها، وبعدها، من الإهمال، والتقاعس، والأنانية، وعدم المسؤولية، وقلة التضحية في شيء من مالها، وروحها، وفكرها، فبرهنت عن تأخر، وانهزام، وعن روح الآثرة، والتمسك بتوافه الحياة، فخسرت الكرامة والحياة". ويلخص رجل الدين الهندي أسباب النكبة الفلسطينية في ثلاثة وجوه:
1- ضعف الدافع النفسي والباعث الداخلي إلى الاستماتة، والتفاني في سبيل العقيدة والمبدأ.
2- طغيان العقل على العاطفة، والحذر من المغامرة، واقتحام المخاطر.
3- فقدان الشخصية المركزية، التي تملك القضية عليها مشاعرها،وتفكيرها،وتصبح همها الشاغل، وتستولي عليها، استيلاءً كاملاً".
على أن أخاً مسلماً أدلى بشهادة مميزة، بعد أن قاتل في صفوف المتطوعين من الإخوان المسلمين، الذين جاءوا من مصر، سنة 1948، ونشر شهادته في مايو/ أيار 1950، وفيها أعاد الهزيمة إلى فساد الأنظمة العربية، وظغيانها، وغفلتها، ووقوع الجنود وأهليهم تحت نير القهر الاجتماعي، وفقدان الجيوش العربية الثقة في قيادتها السياسية، بعد أن أسلمت أعنتها للمستعمر الغاصب، وصدّعت الجيوش الجبهة الداخلية، وشلّت القوى الشعبية، مما سوّغ الشك المتبادل بين الحاكم وشعبه. وزاد في ضعف الجيوش العربية، وروحها المعنوية، ودربتها، واستعدادها. وتعزّز هذا كله، مع قبول التيارات السياسية العربية للهدنات المتلاحقة، ومع الموجة العارمة من التحلل والتعهير داخل الجيش، باسم الترفيه. إلى ذلك تأت الجيوش العربية بنفسها عن أبناء الشعب الفلسطيني، بدل أن تستعين بهم، وهم العارفون بأرضهم، ناهيك عن استعار الخلافات العربية – العربية، التي عبرت عن نفسها في خطط عسكرية متعارضة، وفي ثغرات تسلل العدو منها.
لا يتوقف المجاهد الإخواني عند الدروس المستفادة، حيث يرى من الواجب "أن نضع أعيننا على دروس الماضي، وأخطائه، وأن نجعل من الجولة الأولى مزرعة للتجارب العسكرية".
هنا ينتقل المؤلف إلى ضرورة التصدي للكيان المعادي، وذلك "أن بقاء إسرائيل خطر يهدد الأقطار المجاورة لها، وأن دفاعنا عن فلسطين يعتبر في الوقت نفسه، دفاعاً عن مصر، وسوريا، والأردن والحجاز". مضيفاً: "لذا يلح الشريف على ضرورة إصلاح الحكم في العالم العربي؛ وضرب حصار اقتصادي من حول إسرائيل؛ وشن حرب عصابات؛ وتكوين المحارب الحقيقي بالتربية الإسلامية، فالإنسان العنصر الحاسم في الحروب، وليس السلاح، مما يحتم على الأمة العربية الإسلامية أن تنظم نفسها، وتكيّف أوضاعها السياسية والاجتماعية والعسكرية، بحرب طويلة الأمد. ويشدد المجاهد نفسه على ضرورة مواجهتنا للصهيونية، المتكئة على الدين اليهودي، بأمة إسلامية متماسكة. هذا كله بعد المعرفة الجيدة بالعدو، حتى تتهيأ لصراع طويل شاق، "بين حضارتين واقعتين، لا بد أن تسحق إحداهما الأخرى، صراع لا مجال فيه لأنصاف الحلول، أو التسويات المبتورة. "وينتهي المؤلف إلى الدعوى لبناء قواتنا العسكرية، واستيراد الأسلحة من أي مكان، وإقامة المصانع الحربية في بلادنا، مما يتطلب حكام أقوياء مخلصين، ومواطنين يرفلون في حياة حرة كريمة، ويتسلحون بالعقيدة السليمة.
الفكر القومي والنكبة:

اعتبرت مختلف الفصائل القومية العربية فلسطين قضية عربية، من مسؤولية الأمة العربية،لذا كان طبيعياً أن ترى الفصائل في الوحدة العربية الطريق لتحرير فلسطين، وإن اختلفت تلك الفصائل في ما بينها في الآلية، والهدف، وبالتالي في التكتيكات. فالبعث والقوميون العرب مع تحرير كامل التراب الفلسطيني، بينما اضطر عبد الناصر إلى تمويه الهدف نفسه، بالإعراب عن استعداده للسلام، من وقت لآخر. وأغلب الظن أن هذا الفارق جاء بسبب ترؤس جمال عبد الناصر لدولة، بينما "البعث" و "القوميون العرب" ظلا حزبين، دون تمكن أي منهما من القفز إلى السلطة، في أي قطر عربي، حتى ربيع 1963، حين تمكن "البعث" في كل من العراق وسوريا من تسلم السلطة في قطريهما، على التوالي.
البعث: كان التهاب قضية فلسطين وراء تحوّل "البعث" من جماعة إلى حزب، في إبريل/نيسان 1947. ولطالما ربط "البعث" بين الفساد الداخلي، السوري والعربي، وبين العجز عن القيام بمواجهة عربية جادة ضد الخطر الصهيوني في فلسطين، الذي يتعدى هذا القطر إلى بقية الأقطار العربية.
لذا كان طبيعياً أن يكثف "حزب البعث" نشاطه الدعائي، بالبيانات وبمقالات قادته، التي نددت – منذ صدور قرار تقسيم فلسطين وما بعد – يتخاذل الحكومات العربية، وعجزها إزاء القضية الفلسطينية، الأمر الذي تجلى في إهمال تعبئة القوى الشعبية العربية في هذا الصدد، وركون الدول العربية إلى أساليب المفاوضات، والتهاون العقيمة، وتوسع الحكام العرب في الخطب الرنانة، على حساب الاستعدادات الجدية لمواجهة الخطر الصهيوني، فضلاً عن غياب الحريات الديمقراطية عن الأقطار العربية، والافتقار إلى سلامة التفكير، والعمل المنظم، وروح الاستمرار، وإهمال ضرورة التلويح بإلحاق الضرر بمصالح الغرب في الوطن العربي، خاصة البترول، وعدم تسليح الشعب الفلسطيني لتعطيل مشاركته في القتال، وتجاهل قرار جامعة الدول العربية بمقاطعة البضائع الصهيونية، وبتعثر العرب، ودأبهم على الانتظار، وخنق وتبديد إمكانات الشعب العربي، واعتماد المعارك الدفاعية، وتخلخل الجبهات الداخلية العربية. فيما المستوطنون اليهود منظمين، على أحدث قواعد العلم، يؤمنون بالعمل الجماعي، والديمقراطية، مقابل شعب ينتظر رحمة أسياده، ليتغذى، وأوامر زعمائه، ليعمل، وألاعيب حكامه ليلهو.
في 26/1/1948، اتخذت قيادة "البعث" قرارها القاضي بانخراط جميع أعضاء الحزب في سلك المقاتلين في فلسطين. وأرسل الحزب فعلاً، أول كتيبة مسلحة إلى الحدود مع فلسطين، يعودها أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب البعث، في الوقت الذي تشكل فيه مكتب مركزي في الحزب، حمل اسم "مكتب فلسطين الدائم".
هذا كله جعل كاتباً تقدمياُ مصرياً يرى أن "البعث" ، خاصة في السنوات بين 1945 و 1948، قد عالج قضية فلسطين "بشكل أكثر استنارة، وأكثر عصرية، ووعياً قومياً من كثير من القوى العربية، حزبية، وغير حزبية".
ومن استقراء جملة المقالات التي كتبها قادة بعثيون، يتضح أنهم أعادوا تلك النكبة إلى افتقاد الأقطار العربية الحكم الشعبي، ووقوعها تحت نير الحكم الإقطاعي، الذي قيّد الشعب، وساعد الصهيونية والاستعمار. بذا يكون "البعث" حمّل الإقطاع العربي الحاكم مسؤولية النكبة، حيث وقف في وجه زحف الشباب العربي إلى حدود فلسطين. والإقطاع، والطبقة التي هادنت اليهود، يوم أتوا إلى فلسطين، وهي الطبقة المسخّرة للاستعمار، حامي الصهيونية ومنشؤها. وهي طبقة مهادنة للاستعمار، مناوئة للشعب، ولم تلغ هذه الطبقة امتيازات الاستعماريين والصهيونيين، "بل كانت أداة مجرمة في أيديهم، تُضرم المعارك، متى شاءوا، وتوقفها متى أرادوا". بذا نجح "البعث" في توظيف النكبة دليلاً للشعب على أن الحرية التي ينشدها لن تكون إلا بالتحرير من مستغليه، وأن الوحدة العربية لن تتحقق إلا بالقضاء على الحكام من تلك الطبقة. وربط الحزب مصالح الاستعمار بامتيازات الطبقة الإقطاعية، المتواطئة معه، والتي تستثمر الشعب، وتحول بينه وبين التحرير، عبر تحليل موضوعي، واقعي، عقلاني. لذا نجد "البعث" وقد كف عن مناشدة المستعمر بالرجوع عن عيه، وأعلن الحزب أن لا سبيل إلى التحرير غير الوحدة العربية الشاملة، ذات المضمون الاجتماعي المتقدم (الاشتراكية)، وبأن الكفاح المسلح، وإزالة طبقة الإقطاعيين المستبدين، وإحلال حكم شعبي محلها، هو سبيل الخلاص.وبعد عقد ونصف من النكبة، أعادها منظِّر "البعث" إلى تخاذل الحكومات، وتآمر المصالح الاستعمارية والإقطاعية على مصير الشعب العربي".
القوميون العرب:

على المنوال نفسه نسجت "حركة القوميين العرب"، فرأت في الوحدة الطريق إلى تحرير فلسطين، ربما لأن الفلسطينيين قاموا بقسط غير هيّن في تأسيس "الحركة"، سنة 1951، فقد أدخلوا "الثأر" إلى شعاراتها "وحدة، تحرير، ثأر، دم، حديد، نار"! وأن عادت "الحركة" وتخلصت من غضبها، وأسقطت هذه الشعارات من حسابها. ولأن "الحركة" ركزت على الوحدة، دون إضفاء طابع اجتماعي على هذه الوحدة، نرى "الحركة" تؤيد أية وحدة بين قطرين عربيين أو أكثر، بغض النظر عن الطبيعة الاجتماعية للأنظمة التي تتوحد.
اعتبرت "الحركة" كتاب أبيها الروحي، المفكر السوري المعروف بميوله القومية، قسطنطين زريق "معنى النكبة" مرجعها الأساسي في صدد نكبة فلسطين. وكان زريق أصدر كتابه ذاك، في أغسطس/ آب 1948، وقد أكد زريق في مقدمة كتابه بأن هزيمة العرب في فلسطين ليست "بالنكسة البسيطة، أو بالشر الهيّن العابر، وإنما هي نكبة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ومحنة من أشد ما ابتُلي به العرب في تاريخهم الطويل، على ما فيه من محن ومآسٍ".
يعيد زريق النكبة إلى أسباب قريبة وأخرى بعيدة. يحصر الأسباب القريبة في ضعف الإحساس بالخطر، وبالتالي عدم تعبئة كل موارد الأمة لمواجهته، وعدم الاكتراث بعنصر الدعاية، فضلاً عن عدم إشراك الشعوب في النضال. المعالجة المفروضة قريبة وبعيدة، أيضاً. تقوم أولاهما على خمسة أركان، تقوية الإحساس بالخطر، وشحذ إرادة الكفاح، والتعبئة المادية في مبادئ العمل كلها، وتحقيق أكبر قسط من التوحيد الممكن بين الدول العربية، وإشراك القوى الشعبية في النضال، واستعداد العرب للمساومة والتضحية ببعض المصالح لدرء الخطر الأكبر.
أما المعالجة البعيدة، فسبيلها "تبدل أساسي في الوضع العربي، وانقلاب تام في أساليب تفكيرنا، وعملنا، وحياتنا بكاملها"، يكفل قيام كيان عربي متقدم، قادر على أن يدرأ الخطر الصهيوني، بل أي خطر أجنبي ويتغلب عليه، ويتيح للشعوب العربية أسباب البقاء، والكرامة، والازدهار. وأهم مقومات هذا الكيان العربي المنشود، الاتحاد والتقدم الصحيح، الذي يتجلى في "أن تصبح، بالفعل والروح، لا بالاسم والجسم فقط، قسماً من العالم الذي نعيش تجاربه في نظم العيش والفكر، ونتكلم لغته، وتتصل بأصوله، ونضم مقدراتنا إلى مقدراته". مما يتطلب مجموعة من الخطوات، في مقدمتها اقتباس الآلة، واستخدامها في استثمار مواردنا على أوسع نطاق ممكن، وفصل الدولة عن التنظيم الديني، فصلاً مطلقاً، وتدريب العقل، وتنظيمه، بالإقبال على العلوم الوضعية والتجريبية والابتعاد، ما أمكن، عن الخيال المخدّر، والرومانطيقية المائعة وفتح الصدور واسعاً لاكتساب خير ما حققته الحضارات الإنسانية، من قيم عقلية وروحية، أثبتت صحتها الاختبار الإنساني الجاهد لبناء الحضارة. أي أن زريق يحث على الأخذ بالتحديث، والعلمانية، والاستفادة من تجارب الإنسانية الناجحة. إن زريق –باختصار- مع الحل الحضاري.
أما ضمان اتخاذ الخطى فيقوم، من جهة، على الإصلاح التطوري في مختلف مناحي الحياة القومية، وهو، بطبيعته، طويل المدى، بطئ الأثر، ومن جهة أخرى، كان على مبادرة القادة والصَنَعة، الذين يدفعون الإصلاح، دفعاً، شرط أن يكونوا في أنفسهم تقدميين، بأصح المعاني التقدمية، وأعمقها، ذلك أ، "الحل الأساسي لقضية فلسطين العربية كلها، سيبقى حلماً وإمكانية، ما لم تتحقق، أولاً، في نفوس الفئة المناضلة من أبناء الأمة".
ومع مرور الوقت توفر لحركة القوميين العرب منظّريها الخصوصيين. مما دفع إثنان من قادة "الحركة" إلى إنجاز مؤلَف عن الصهيونية، ضمناه ما اعتبراه أسباباً لنكبة فلسطين.
ولا يرى هذا القائدان القوميان الخطوط الأساسية للنكبة "في مجرد إعلان دولة الغزاة، إنما النكبة الحقيقية في هذا الضعف، والتفسخ، والهوان، الذي صارت إليه حال الأمة العربية". ويرى هذان القائدان في النكبة "حادثة تاريخية بالغة الخطورة، إن دلت على شيء فعلى سوء أوضاعنا القومية، وفسادها، التي تتمثل بتجزئة الوطن الواحد، وبتسليط الاستعمار وأعوانه، وبضعف واقعنا الاجتماعي، وتفسخه، وسيطرة المناهج الرجعية على الفرد العربي، وبكلمة ضعف الوعي، بوجه عام". لذا ظهرت لنا "الهزيمة أمراً طبيعياً، ونتيجة غير غريبة لواقع فاسد مهترئ".
ويرى القائدان نفساهما بأنه "كان ممكناً تجنب الهزيمة العسكرية، وكسب المعركة، حربياُ، والمحافظة على عروبة فلسطين، وتدمير العدو، وسحق قواه، لو أخلص بعض الحكام، آنذاك، وملكوا قليلاً من الجرأة، والإقدام، مع شيء من بعد النظر، وسعة الحيلة، ولو أقدم بعض العسكريين العرب على اتخاذ خطوات عملية، لفرض مطلبهم الأساسي طيلة المعركة، ألا وهو؛ وحدة القيادة في العمليات. على أن القائدين لا يكتفيان بضعفنا وبتعاون قوى الاستعمار ضدنا، سبباً للنكبة، فثمة قوة تنظيم اليهود في فلسطين وخارجها"، الذي استطاع الإفادة من سوء وضعنا، واستغلال مواقف الدول الكبرى، واستثمار قواه، وإمكانياته الخاصة، إلى أبعد حد ممكن". وللتدليل على أن هزيمة العدو الصهيوني كانت ممكنة، يؤكد القائدان القوميان "على حقائق أساسية، يهمنا فيها طابعها القومي، أولاً وأخيراً".

- خيانة بعض الحكام العرب، وتآمره، وإهمال بعضهم الآخر، وضيق أفق بعضهم، حين ظن أن "المعركة مع اليهود هي نزهة عادية".

- لم يسمح للجيوش العربية أن تقاتل، بحرية.

- أكدت المعارك التي نشبت جسارة الجندي العربي، برغم افتقاده السلاح، والتدريب والخبرة.

- نسج الصهاينة أساطير عسكرية عن انتصاراتهم، أكدها الغرب، مقابل تجاهل الحكام العرب، آنذاك المعلومات التي تؤكد ميل ميزان القوى العسكري لصالح الطرف الصهيوني.

- قبلت الحكومات العربية هدنة مؤقتة، فيما جيوشها تحقق تقدماً ملحوظاً، مما ساعد العدو على تعزيز تسليحه، وتحصيناته، وقلب ميزان القوى العسكرية لصالحه. فيما افتقرت الجيوش العربية، إلى القيادة الموحدة، ولم تنفذ تلك الجيوش المهام الموكلة إليها، ولم تتسم بالمرونة في خططها العسكرية، ولم تغتنم فرصة الهدنة لتعزيز أوضاعها القتالية، الأمر الذي استفحل بعد أن أغدق الغرب على إسرائيل الأسلحة والأعتدة، ومنعها عن العرب. وحين انتهت الهدنة انقض "جيش الدفاع الإسرائيلي" على الجيوش العربية، معززاً بتفوقه في الكم والكيف، وانفرد بكل جيش عربي على حدة، مما وفر له النصر، والتقدم على كل جبهات القتال.

- اعتمد الصهاينة أداء سياسياً ناجحاً في شتى المجالات.

يؤكد كتاب القائدين القوميين بأن العدو "لن يتحطم كيانه بحصارنا الاقتصادي، والعدو أقوى من أن تهده مشاكله الداخلية، ومجتمعه يمتلك من عناصر التساند، والتعاطف، والتجاذب، أضعاف ما تحدثه من ضعف عناصر الخلاف، والتباعد والتنابذ [وهو] لا يمكن أن يقف متفرجاً ينتظرنا نكمل استعدادنا لسحقه، فالعمل العدواني لا بد منه، بعد أن تحقق لنا أول نصر عظيم". ويطالب المؤلفان بالمحافظة على المستوى الرائع من التصميم والثبات، واليقظة، والوعي، وبتجنيد الكفاءات وكل الإمكانات للمعركة الآتية. ويؤكد الكاتبان بأن اندثار العدو الصهيوني لن "يتحقق بغير الكتائب العربية، تقتحم عليه قلاعه، ومستعمراته، لتبيده فيها، أو يرحل عنها"، على غرار ما حدث للصليبيين.
عبد الناصر:

لم يبتعد جمال عبد الناصر كثيراً عن "البعث" و "القوميين العرب"، بصدد القضية الفلسطينية، وإن وصل عبد الناصر إلى التطابق مع هاتين الحركتين القوميتين، مع مرور الوقت.
لقد دخل عبد الناصر حب فلسطين، سنة 1948، وهو ساخط على نظام الحكم الفاسد في بلاده، وزادت الهزيمة العسكرية التي حاقت بالجيش المصري هذا الضابط الشاب سخطاً على سخط تجاه نظام الحكم في بلاده.

كمدرس للتكتيك العسكري في الكلية الحربية المصرية، غدا من السهل على عبد الناصر أن يكتشف "بأن القتال في فلسطين… تحتمه الدفاع عن النفس.. إنني أدافع عن بيتي وعن أولادي.. وكنت مؤمناً أن الذي يحدث لفلسطين، كان يمكن أن يحدث- وما زال احتمال حدوثه قائماً – لأي بلد في هذه المنطقة، ما دام مستسلماً للعوامل والعناصر والقوى التي تحكم الآن".
في حرب فلسطين، وفوق أرضها، التقط عبد الناصر أول خيط في تكوينه العربي القومي، في بروفيل تجلى له، فاعتبره بمثابة "درس عجيب". لاحظ الزعيم المصري بأن شعوب العرب دخلت فلسطين "جميعاً، بدرجة واحدة من الحماسة"، مما جعل عبد الناصر يستنتج بأن تلك "الشعوب جميعاً تتشارك في شعورها، وفي تقديرها لحدود سلامتها". وتأكد للضابط الشاب تلك الوحدة، حين خرجت من حرب فلسطين "هذه الشعوب بنفس المرارة والخيبة"؛ حيث تعرضت تلك الشعوب "جميعاً، كل منها في بلاده.. لنفس العوامل، وحكمتها نفس القوى التي ساقتها إلى الهزيمة، ونكست رأسها بالذل والعار".
وفي موضع آخر من الوثيقة نفسها، يؤكد عبد الناصر وحدة الوطن العربي "ما دامت المنطقة واحدة، ومستقبلها واحد، والعدو واحداً، مهما يحاول أن يضع على وجهه من أقنعة مختلفة". مما جعل الضابط الشاب يتساءل في استنكار: "فلماذا تشتت جهودنا"؟! وبعد سنة من تجربة ثورة 23 يوليو/ تموز 1952، ازداد عبد الناصر "إيماناً بهذا الكفاح الواحد، وضرورته".
ما أن تدهور وضع الجيوش العربية في فلسطين، وبضمنها الجيش المصري، ووقع عبد الناصر في حصار داخل قرية عراق المنشية، حتى اتضحت الصورة "أمام بصيرتي [ذلك] أن الظروف السياسية المحيطة بالعاصمة، التي نتلقى منها الأوامر، تحيطها بحصار، وتلحق بها عجزاً أكثر من الذي تصنعه بنا، نحن القابعين في منطقة الفالوجة". ولا يقتصر الأمر على الجيش المصري، فثمة ملمح قومي آخر، حيث "قوات إخواننا، في السلاح، وفي الوطن الكبير، وفي المصلحة المشتركة، وفي الدافع الذي جعلنا نهرول إلى أرض فلسطين كلها هي أيضاً محاصرة، بفعل الظروف التي كانت تحيط بها، والتي كانت تحيط بحكومتها". مؤكداً بأنها "جميعاً تبدو كقطع شطرنج، لا قوة لها، ولا إرادة، إلا بقدر ما تحركها أيدي اللاعبين". أما الشعوب، فبدت، في مؤخرة الخطوط، "ضحية مؤامرة محبوكة، أخفت عنها عمداً، ما يجري، وضللتها، حتى عن وجودها نفسه".
يضع عبد الناصر الاستعمار على رأس قوى الأعداء، "حتى إسرائيل نفسها، لم تكن إلا أثراً من آثار الاستعمار، فلولا أن فلسطين وقعت تحت الانتداب البريطاني، لما استطاعت الصهيونية أن تجد العون على تحقيق فكرة الوطن القومي في فلسطين، ولظلت هذه الفكرة خيالاً مجنوناً، ليس له أي أمل في الواقع".
من خبرته الذاتية، يكتشف عبد الناصر، بأن العقبة أمام وحدة العرب تتمثل في الشك، حيث أن بذوره "قد بذرها في نفوسنا ذلك العدو الواحد نفسه، لكي يحول بيننا وبين الكفاح الواحد".
بعد تسع سنوات من صدور "فلسفة الثورة"، أكد عبد الناصر بأن "الوحدة العربية كانت عاملاً مساعداً، وكانت بالنسبة ل "بن جوريون "البلاء الأكبر .
توقع الضابط المصري المتقد حماساً بأن "كفاحنا الواحد يمكن أن يعود علينا وعلى شعوبنا بكل الذي نريده لها، ونتمناه". لكن الضابط نفسه يكتشف بأن "الكارثة الكبرى أننا لا ندرك مدى قوتنا". وحتى لا يخطئ أحد في فهم المقصود بعامل "القوة"، نرى عبد الناصر يشدد على أن القوة ليست "أن نصرخ بصوت عالٍ، إنما القوة أن تتصرف إيجابياً، بكل ما تملك من مقومات". ويضع هذا القائد العربي يده على "ثلاثة مصادر بارزة" للقوة العربية، "أول هذه المصادر أننا مجموعة من الشعوب المتجاورة المترابطة، بكل رباط مادي ومعنوي، يمكن أن يربط مجموعة من الشعوب، وأن لشعوبنا خصائص، ومقومات، وحضارة انبعثت في جوها الأديان السماوية المقدسة الثلاثة، ولا يمكن – قط- إغفالها في محالة بناء عالم مستقر، يسوده السلام". أما المصدر الثاني لقوة العرب فإنه الموقع الاستراتيجي، فيما الثالث البترول، "عصب الحضارة المدنية".
في 13/12/1953 ، ألقى عبد الناصر خطاباً، في "نادي فلسطين" بالإسكندرية، أضاء فيه ما اعتبره "السبب الأول والسبب الأساسي لكارثة فلسطين"، ويرى أنه "نتيجة للطمأنينة التي نزلت على نفوسنا، بعد الخطب المنمقة، والاجتماعات الحاشدة".
في 28/2/1955 شنت الكتيبة 101 الإسرائيلية، بقيادة أرييل شارون، غارة عسكرية على مدينة غزة، راح ضحيتها زهاء أربعين شهيداً مصرياً وفلسطينياً، فاندلعت انتفاضة شعبية، صباح اليوم التالي، من أقصى قطاع غزة إلى أقصاه، على مدى ثلاثة أيام متصلة، ولم تتوقف، إلا بعد أن استجاب عبد الناصر- عبر حاكم مدينة غزة العسكري، آنذاك، البكباشي سعد حمزة- لكل مطالب المنتفضين. وقد أرغمت "الغارة"، و "الانتفاضة" عبد الناصر على التوقف، والتأمل، وإعادة النظر في أمر الكيان الصهيوني، ومدى خطره، ومدى عمق العلاقة بينه وبين الإمبريالية الأمريكية، ويمكن اعتبار "الغارة" و "الانتفاضة" نقطة الانعطاف الرئيسية في مسيرة عبد الناصر السياسية، إذ تذكر الرئيس المصري كيف رفضت الإدارة الأمريكية تسليح مصر، فيما أغدقت على إسرائيل، أسلحة وعتاداً حربياً، مما جعل عبد الناصر يتأكد من متانة العلاقة الإسرائيلية- الأمريكية، الأمر الذي دعاه أن يأخذ الخطر الإسرائيلي مأخذ الجد، ويقطع الرجاء في الإدارة الأمريكية، ويتجه ببصره صوب "المعسكر الاشتراكي" ، الذي استجاب، سريعاً، إلى طلب الزعيم المصري للسلاح. كما بادر عبد الناصر، في الشهر التالي للغارة الإسرائيلية، فشكل وحدات فدائية فلسطينية، أو كل أمر قيادتها للبكباشي المصري (المقدم) مصطفى حافظ. وضربت تلك الوحدات إسرائيل، في العمق، وأنزلت بها خسائر فادحة، في الأرواح والماديات، بما يفوق مجموع ما خسرته إسرائيل في حروب 1948؛ 1956؛ 1967 مجتمعة.
كأن "الغارة" و "الانتفاضة" التي تلتها نكأت جرحاً قديماً لدى عبد الناصر من آثار حرب 1948 في فلسطين. لذا نجده يلقي خطاباً، في الكلية الحربية بالقاهرة، يوم 3/3/1955، أعاد فيه الهزيمة العسكرية العربية في فلسطين (1948) إلى الهدنة التي قبلت بها الدول العربية، بينما استغلها الصهاينة في تعزيز مواقعهم، والتحكم من خطواتهم.
بعد قرابة تسع سنوات، كأن عبد الناصر تذكر :"إحنا كنا بنتسلح من عند الإنجليز، ومنعوا عنا الأسلحة".
ولطالما أعادت التراجعات الحاسمة اللاحقة عبد الناصر إلى هزيمة 1948، من جديد، لذا نجده في خطابه الشهير، الذي ألقاه في أعضاء المجلس التشريعي بقطاع غزة، في 25/7/1962، يستعيد بعض أسباب تلك الهزيمة: "..وربما كانت الجيوش العربية دخلت لتنفيذ التقسيم، وهذا هو السبب في أن الجيش المصري كان يسير على الساحل، حتى اسدود، لينفذ الخطة الموجودة للتقسيم". ما جعل عبد الناصر يقرر بأن "سبب النكبة في عام 1984 هم العرب، أكثر من اليهود والذي يدعون، الآن، أمام العالم أنهم حاربوا، وكسبوا معركة 1948". ويزيد عبد الناصر الأمر وضوحاً، فيقرر: "وفي 1948 ضاعت منا مواقع، بدون قتال". يزيد عبد الناصر تحليله عمقاً: "وقد ذهبت معركة 1948 هباء. ولم تحارب إسرائيل في هذه المعركة، وإنما الذي حارب فيها هو الاستعمار، ولم نكن في معركة 1948 أحراراً، ولم تكن إرادتنا ملكنا". قبل أن ينتقل الزعيم المصري إلى الأسلحة: "وقد دخلنا حرب سنة 1948، ولم تكن لدينا دبابة واحدة، ولم يكن لدى اليهود، أيضاً، دبابات. ولكن بعد فترة استطاع اليهود الحصول على الدبابات، وعلى قاذفات لهب، وحصلوا على أسلحة من الدول الغربية، ونحن كانت ذخيرتنا تنقص، باستمرار، ولا نستطيع أن نستعيض عنها، وقد ضحك اليهود علينا بالخديعة. واليهود ليسوا إسرائيل فحسب، وإنما هم إسرائيل ومن وراء إسرائيل". ثم يلقي عبد الناصر الضوء على عنصر الاستعداد للقتال، فيقول: "والقائد الذي على غير استعداد، وحاول إيهام الناس أنه مستعد، والقائد الذي لا يثق في النصر، ويحاول أن يوهم الناس بأن النصر قريب منهم، وقريب المنال، يكون خائناً في حق عن "تغيير الموقف"، عشية حرب 1948، قال عبد الناصر: "فلو حسبنا في عام 1947، لما حدث لنا ما حدث منها، سمة 1948. ولكن أحداً لم يحسب حساباً لشيء. ففي مصر قرروا الحرب، قبلها بأسبوع أو عشرة أيام، ولم يكن هناك ذخيرة معدّة، ولا خطوط إمدادات. وكنت أذهب إلى غزة لأشتري للجنود جبنة وزيتون بنفسي، لأنه لم تكن لدينا تعيينات طوارئ". ما جعل عبد الناصر يتمنى لو أن الجيش المصري لم يدخل حرب 1948، أصلاً، وتركت الحكومة المصرية الشعب الفلسطيني، بعد أن تمده بالسلاح والذخيرة، ليقاتل.
قبل ذلك بعشرين يوماً، كان عبد الناصر تحدث أمام "المؤتمر الوطني للقوى الشعبية"، بشأن الجزائر، فاختصر سبب هزيمة 1948 في قوله: "لأننا دخلنا المعركة بدون أن نستعد. وقال البعض إنها نزهة". وفي الخطاب الذي ألقاه عبد الناصر في الوحدة السادس (22/2/1964)، أشار إلى مؤشر مهم لمدى التحيّز البريطاني للصهيونية في فلسطين، الأمر الذي أسهم بدور كبير في تقوية المستوطنين اليهود، وإضعاف المواطنين العرب الفلسطينيين، ثم غادرت قوات الانتداب البريطانية فلسطين، في 14 أيار/مايو 1948، حيث "وصل ثلث السكان يهود، مسلحين، وثلثي السكان عرب، مجردين".
اليسار العربي والنكبة:
انطلاقاً من موافقتها على التقسيم، فإن الأحزاب الشيوعية العربية، لم تحبذ الدخول في حرب 1948 الفلسطينية، ورأت في الهزيمة التي حاقت بالجيوش العربية نتيجة متوقعة.
"حدتو"، الاسم المختصر للتنظيم الماركسي المصري الأكبر والأكثر تأثيراً في الحياة السياسية المصرية، على مدى الأربعينيات والخمسينيات، رأت بأن حرب فلسطين (1948) ستتخذ "وسيلة أمام الهيئات الدولية، لتبرير بقاء القوات البريطانية في فلسطين، وفتح الباب لدخول قوات أمريكية في أرض فلسطين الشقيقة". فضلاً عن أن هذه الحرب قد اتخذت طريقاً لتحقيق المؤامرات الاستعمارية، التي عجز الاستعمار عن تحقيقها، بالطرق العادية".
لاحقاً، أعاد قائد شيوعي لبناني مرموق تأييد الأحزاب الشيوعية العربية تقسيم فلسطين إلى طبيعة تعامل هذه الأحزاب مع القضية الفلسطينية، وإلى التآمر الاستعماري – الصهيوني على فلسطين، عبر نظرة ضيقة، مما حال دون أن يلتقط الحزب الشيوعي اللبناني، مثلاً، الأبعاد الحقيقية، السياسية والقومية، التي يمكن أن يؤدي إليها، على المدى البعيد، نجاح المؤامرة على فلسطين، بإنشاء كيان غريب، مصطنع على أرضها".
أما الحزب الشيوعي اللبناني نفسه، فأعاد الأمر إلى نظرته –حبنذاك- إلى القضية الفلسطينية "من زاوية المساعي الاستعمارية المحمومة، لإبقاء فلسطين في حالة التبعية، واستغلال القضية الفلسطينية لتثبيت مواقع الاستعمار في الشرق العربي، لربطه بالمشاريع العدوانية.. وأدى أبرز تواطؤ بعض الحكام العرب، ومسايرة البعض الآخر للدول الاستعمارية، والاستعداد للعمل لتنفيذ مشاريعها، إلى انعكاسات قوية في سياسة الحزب، ونشاطه، مضادة للمشاريع الاستعمارية، بوصفها الخطر الأكبر والداهم.. [و] ما كان له أن يحجب الوجه الآخر للقضية الفلسطينية، الوجه القومي.".
لذا نجد هذا الحزب يصدر بياناً، في يوليو/تموز 1948، يؤكد فيه أن الحرب ليست إلا مؤامرة هائلة هدفها، أولاً، منع قيام الدولة العربية المستقلة، في القسم العربي من فلسطين".
رغم موقف الحزب الشيوعي اللبناني المتحفظ من دخول الجيوش العربية حرب 1948 الفلسطينية، فإن شيوعياً لبنانياً هاله حجم النكبة الفلسطينية، فأعادها إلى أسباب، ضمنّها في كتاب أصدره، والنكبة لا تزال في ميعة الصبا. يقول هذا الكاتب الشيوعي اللبناني في هذا الصدد؛ "لقد خضنا معركة فلسطين إرتجالاً لقد كانت أهدافنا نوايانا متباينة، لا بل متباعدة، بينما كان للخصم هدف واحد.. جهودنا غير متناسقة.. [بينما] جهود الخصم موحدة ومتراصة. لقد استهنا بقوة عدونا، فاستكنا إلى التفاؤل، وكانت الحكومات تعمد إلى إخفاء الحقائق عن الناس، مخافة أن تكشف الحقيقة، عن النقص في أعمال الحكومات. لقد تقاعسنا عن تهيئة الإمدادات والأعتدة، والإسعافات الصحية والطبية". ولا يحمّل الكاتب الشيوعي اللبناني الجيوش مسؤولية الهزيمة في تلك الحرب، إذ "من ينكر اندفاع جيوشنا، في بدء المعركة، وضربها الخناق على (إسرائيل) وقواته، يوم وصلت جحافلنا، على أبواب عاصمته، وكادت تشطر قوات العدو إلى شطرين، ثم هبط الوحي، فسكب الماء البارد على منظمي المعركة، وعقدت الهدنة الأولى – إجابة لرغبات، لا تمت إلى مصلحتنا بصلة ما".
يرى الكاتب نفسه أن قبولنا بالهدنة الأولى كان "إقراراً بالفكرة التقسيمية [ذلك] أن وسطاء الهدنة ينظرون إلى الطرفين المتنازعين نظرة متساوية". إلى ذلك أن وسطاء الهدنة ينظرون إلى الطرفين المتنازعين نظرة متساوية". إلى ذلك فإن "الهدنة الأولى كانت فشلاً سياسياً عربياً وضع الذين قبلوا بها، ورضخوا لإحكامها، موضع الشبهة. عشرة أيام تخلص فيها الصهيونيون من ضغط الجيوش العربية المتحمسة، وراحوا يعدون عدتهم لاستئناف القتال، بجهود جبارة، تساعدهم فيها جهود مناصريهم من الدول، بينما انصرفت السياسة العربية إلى عقد المؤتمرات، ومتابعة الاجتماعات، والمباحثات..".
ويصل الكاتب اللبناني إلى أن سياسة العرب "لم تكن قوية.. ما دامت مستمدة من مطامع مختلفة ومتباينة".
يتوج هذا الكاتب أطروحته بالتأكيد على أن "أصل كل البلايا والكوارث، التي تتخبط فيها دنيا العرب: الجهل هو في رأس الأسباب.. ليست الوطنية حماساً وتعصباً وحسب، إنما هي وعي، وتقدير لقيمتها، ومقوماتها.. السبب الثاني.. تغلغل الحس الديني في حياتنا، متمكنة من كياناتنا، وسيطرته على مشاعرنا، وتفكيرنا، فلا نستطيع أن نأتي عملاً قومياً، أو اجتماعياُ، أو ثقافياً، إلا وكان للدين دخل فيه.. [حيث] يعد شعوراً دينياً صرفاً، بل أصبح تعصباً، متغلغلاً بعقائد غيبية.. والسبب الثالث للكارثة عدم الاستقرار الداخلي في الدول العربية، واستهتار الحكومات والشعوب بالأنظمة والمثل العليا.. [فضلاً عن] فقدان الثقة بين الشعب وأولياءه.. [و] انعدام التعاون المخلص بين الحكومات العربية، بعضها مع بعض، وهو ما يقود، حتماً إلى انعدام التعاون بين الشعوب"
إلا أن الكاتب نفسه لا يرى في نكبة فلسطين نهاية المطاف، أو "المعركة الفاصلة.. التي تغلق علينا أبواب الرجاء". على أن هذا الكاتب يشترط لتجاوز النكبة "إذا جندنا قوتنا كلها، في نضال طويل وشاق، وإذا أقلعنا عن سياسة الارتجال والاستهتار [ذلك] أن كارثة فلسطين ليست هي، الوحيدة التي تهدد الكيان العربي". وينبهنا الكاتب نفسه إلى "أن النجاح لن يكون قريباً، فأسباب هذه الكارثة وغيرها، ليست مما يسهل إزالتها.. هي أسباب تراكمت مع الزمن، وعمل في تركيزها الاستعمار، وأحاطتها نظمنا الاجتماعية البالية بكل عناية". ويعزو الكاتب اللبناني الشيوعي هذه الأسباب المتراكمة، فيحصرها في؛ الإقطاعية؛ والهوس الديني والروحاني؛ والجهل "لتغذي به رجعية، تشد بنا إلى الوراء"؛ "والتقاليد، التي يأبى سوادنا الأعظم أن تمس قدسيتها؛ والفروض التي تفرضها على مجتمعنا، وعلى أجهزتنا السياسية، والإدارية، والاقتصادية، جماعات جشعة، وطبقات مسيطرة". ولا يرى هذا المفكر الشيوعي آلية للخروج مما نحن فيه سوى مشروع نهضوي عربي، يتكئ على الديمقراطية، والوحدة العربية. لذا نجده في البند الأول يدعو رجال الفكر العرب إلى "الخروج من عزلتهم، ودخولهم المعترك السياسي". ويشدد الكاتب على "أن يسبق النضال السياسي الحزبي، نضال اجتماعي؛ إذ ما الفائدة من تكتل حزبي معين، تتباين فيه نظريات الأفراد في الأمور الاجتماعية، والنظم الاقتصادية، والمفاهيم الدينية، والعقائدية"؟ ويحذر كاتبنا من ظاهرة تأليه الحكام في الوطن العربي. ويضع شروطاً لنجاح الأحزاب السياسية، أولها "أن تسمو قيمة المواطن الفرد في عيني نفسه، أولاً، وفي عيون الآخرين، ثانياً. والشرط الثاني للنجاح، هو عدم التقليد. يرى الكاتب عينه "أن العالم العربي بحاجة ماسة إلى مدرسة أخلاقية، اجتماعية؛ إنه بحاجة إلى مجهود تعاوني، إلى تكتل حزبي إنشائي [و] لتنوير الرأي العام العربي". وحين ينتقل هذا الكاتب إلى الوحدة السياسية العربية، فإنه يشترط أن تقوم "على وحدة ثقافية، اجتماعية، واقتصادية، ومعيشية. وإذا لم يسبقها وحدة في المفاهيم العمرانية، وفي وجهة نظر الشعوب العربية، للقيم الروحية والإنسانية، وفي تفهمها للمثل العليا، وفي استعدادها لقبول التطور الفكري والروحي، بقيت خيالاً، يدغدغ الحالمين – وينكر على الحالمين سعيهم دخول البيوت من أبوابها". يعود الكاتب إلى الأحزاب السياسية المرتجاه، فيقول: "أحزاب منبثقة من العامة.. علمانية بحتة.. مُثلها التقدمية واحدة.. أحزاب انقلابية ثائرة على الظلم.. لا تلين أمام الإرهاب.. لتخلق في العالم العربي مجتمعاً متناسقاً، متضامناً بروح نضال مشترك".


مرور خمسين سنة على النكبة، عاد كريم مروة وأدلى بدلوه، كمفكر شيوعي لبناني متميز، فأعاد أسباب هذه النكبة إلى ثلاثة مسائل:
الأولى: هي أن المشروع الوطني الفلسطيني كان، منذ البدء، محكوماً بمشروع نقيض، هو المشروع الصهيوني، الذي تواطأت في العمل لدعمه، معظم دول العالم؛ من السلطنة العثمانية قديماً، حتى الدول الاستعمارية، التي احتلت مكانها في المنطقة. وهذا المشروع لا ينحصر، فقط، بالبحث عن وطن لليهود. فوطن اليهود كان، منذ القدم، المكان الذي يعيشون فيه. وحيث يعيشون، ويعملون، يصبحون متميزين. المشروع الصهيوني هو، في الأساس، مشروع استعماري. وأغراضه أغراض استعمارية. أما فلسطين فلم تكن إلا ذريعة؛
"الثانية: هي أن المشروع الوطني الفلسطيني كان، على الدوام، حاضراً بين فلسطينيته وبين عروبته. وكان الخطأ الملازم للقوى الوطنية الفلسطينية هو توزعها بين اتجاهين: اتجاه يدعو للقرار الوطني الفلسطيني المستقل.. واتجاه يدعو لجعل القرار الوطني الفلسطيني قراراً عربياً، بالكامل. وهذه الحيرة، وهذا التردد، والنزاع الذي تولّد، داخل المشروع الوطني الفلسطيني، بين هذين الاتجاهين، أدت كلها إلى إضعافه، بصورة دائمة، رغم ما كانت تكتسبه القضية الفلسطينية، بذاتها، كقضية عادلة، من احتضان عربي دولي.
"الثالثة: هي أن الحكومات العربية كلها ليست، على الدوام، وفي كل الظروف، دور الحاضن للقضية الفلسطينية، بالمعني الإيجابي والسلبي معاً. ولكن هذا الاحتضان لم يكن –في المحصلة- في صالح المشروع الوطني الفلسطيني، بالمعنى المعروف لهذا المشروع، أو الوصول به إلى غاياته، المرحلية منها والنهائية. وذلك أن القضية الفلسطينية كانت، في معظم الأحيان، ورقة بيد هذه الحكومات، ولو من موقع قومي، أكثر منها قضية بذاتها، لشعب فلسطين، صاحب المصلحة المباشرة في تحقيقها".
التقليديون العرب والنكبة:

لقد انصبت على رأس جامعة الدول العربية وأمينها العام، آنذاك، عبد الرحمن عزام باشا الاتهامات. والذي صمت دهراً، قبل أن ينطق، بعد عقود، حيث رأى أن الخلافات التي نشبت بين الزعماء العرب، خلال حرب 1948 الفلسطينية "كانت تعبيراُ عن حالة التفكك التي كانت تعاني منها أمتنا العربية في تلك الأيام"؛ إلى ذلك "كانت غالبية بلادنا تئن وترزح تحت نير الاحتلال الأجنبي. وكان من بين ملوك وزعماء العرب من لا همَّ لهم سوى إرضاء السادة البيض من المستعمرين الأجانب. وكانت بعض العواصم العربية تدار من لندن، ومن باريس، ومن واشنطن". هكذا حاول عزام باشا أن يحمل كل المسؤولية للحكام العرب، في محاولة منه لتبرئة جامعة الدول العربية، ويبرئ نفسه، بالتالي، مقرراً "ولم يكن يهمني إلا أن أعمل على توحيد كلمة العرب، حول شيء واحد، هو الجامعة العربية، التي وُلدت على يديَّ، وكنت أول أمين عام لها، منذ نشأتها.. ولذلك علمت على أن يكون جهاز أمانتها العامة جهازاً ثورياً.. ولا أريد أن أقول إن الجامعة العربية انتصرت في قضية ليبيا، وفشلت في قضية فلسطين". ثم ينتقل إلى ما اعتبره عزام باشا "أخطر مشكلة تهدد قضايانا العربية"، فيحددها في "مواقف البطولة الزائفة، التي حاول بعض الزعماء العرب أن يخرج من اجتماعات اللجنة السياسية (الجامعة العربية)، ليفضي إلى الصحفيين بتفاصيل المناقشات السرية، وكثيراً ما كانت تكشف عما كنا نتفق عليه من خطط سياسية، في مواجهة المؤامرات الاستعمارية، التي كانت تهدد مصالح أمتنا العربية".
ويبدو أن ثمة ثأراً قديماً بين عزام ورئيس وزراء العراق، في فترات طويلة من الأربعينيات والخمسينيات، ثوري السعيد باشا، لذا نجد عزام يخص السعيد، دوناً عن بقية الزعماء العرب، بالهجوم، فيقول أول أمين لجامعة الدول العربية: "تصور نور السعيد أن في وسعه أن يجعل من الجامعة العربية أداة يحركها في خدمة مصالح قوى الاستعمار الأجنبي في بلادنا العربية. ولكنني استطعت أن أقف لك تحركاته بالمرصاد". يستطرد عزام باشا، موضحاً نقطة الصدام بينه وبين السعيد:"كنت أريدها جامعة عربية، لك أمة العرب.. وحاول نوري السعيد، أكثر من مرة، إن يحرجني، وأن يدفعني إلى الاستقالة، ولكنني لم أكن أهتم كثيراً لمناوراته". ويسرد عزام واقعه في هذا الصدد، فيقول: "وحدث، عندما تأزم الموقف في فلسطين، على أثر إعلان الهدنة الأولى، أثناء الحرب، عام 1948، أن حاول نوري السعيد أن يلقي بتبعة تطورات الموقف على الأمانة العامة (الجامعة العربية).. وفي اجتماع اللجنة السياسية الذي هاجمني فيه نوري السعيد، بعنف، لم أتمالك نفسي من الغضب، فاتهمته، بالتآمر على قضية فلسطين، وتنفيذ مخططات الإنجليز، والصهيونية العالمية، وحاول نوري السعيد أن يدافع عن نفسه، ولكنني صرخت في وجهه، وأنا أقول له: (أسكت يا نوري، وإلا خرجت من هنا لأعلن أمام الجماهير العربية حقيقة مؤامراتك على شعب فلسطين. وسكت نوري السعيد، ولم يتكلم".
يبدو أن عزام خص السعيد، دون غيره، بانتقاداته هنا، أولاً، بسبب الحرب المستعرة، تاريخياً، بين النظامين المصري والعراقي، ومحورها التزاحم على قيادة الوطن العربي، وثانياً فإن السعيد قد مات، ولم يعد في مقدوره أن يرد على عزام. ثالثاً فإن النظام الذي كان السعيد أحد أهم رموزه قد ولى، منذ صيف 1958، ولم يعد من حرج لدى عزام أن هو ندد به، وحمّله مسؤولية الهزيمة في حرب 1948 الفلسطينية، بل لعل ما أوغر صدر عزام على السعيد، أن الأخير ألح على قادة ثورة يوليو / تموز 1925، في مصر، بضرورة إزاحة عزام باشا من الأمانة العامة للجامعة، وقد كان.
بيد أن هذا كله لا يبرئ الجامعة العربية من تهمة التقصير في غير مجال من حرب 1948 الفلسطينية، خاصة في مجال توفير السلاح والعتاد للمقاتلين الفلسطينيين، الذين تصدوا للعصابات الصهيونية المسلحة (الهاجناة، الأرجون، وشتيرن)، منذ صدور قرار تقسيم عن الأمم المتحدة (29/11/1947)، وحتى دخول الجيوش العربية فلسطين (15/5/1948).



إلى ذلك ثمة شهادة تاريخية من سياسي مصري مخضرم، التصق بالقضية الفلسطينية، على مدى ربع قرن سابقاً على نكبة 1948، وهو أحد رموز "حزب الأحرار الدستوريين" المصري، الذي افتقد الشعبية في مصر، فطفق يبحث عنها، حثيثاً، خارج مصر. يعيد هذا السياسي المصري التقليدي نكبة فلسطين إلى:

- تواطؤ بعض الدول، وعلى رأسها إنجلترا وأمريكا، للقضاء على فلسطين، وإعطائها لليهود، ومساعدتهم بالمال، والسلاح، والذخيرة.

- عدم استعداد الدول العربية لخوض غمار الحرب.

- صفقات الأسلحة الفائدة للعرب.

- تولي ضباط غربيين قيادة جيوش عربية.



هكذا، عبثت بريطانيا بأمانة الوصاية على فلسطين، فيما ظاهر بعض الحكّام العرب السياسة الاستعمارية، "جهلاً، أو جرياً وراء مغانم الدنيا".



يقدم السياسي المصري المخضرم حزمة من الإجراءات لاتقاء خطر الصهيونية، يبدؤها بضرورة "مقاطعة إسرائيل الباغية، اقتصادياً.. وإسرائيل لا يمكنها أن تعيش بغير أسواق الأمم المحيطة بها، المتخلفة في الصناعة". ثم هناك ضرورة أن يصون المسيحيون والمسلمون "أنفسهم من التعاليم الضارة التي يبثها الصهيونيون". وثالثاً العمل على تحريم الماسونية في الأقطار العربية. ومعها أندية الروتاري المختلطة، ومؤتمرات السلام المسمومة! رابعاً "إن الصلح مع إسرائيل جريمة لا تغتفر، وأن معناه ثم تبادل التجارة والتعامل، فتتاح الفرصة لإسرائيل أن تغزو أسواقنا، وتسلب أموالنا، وتخضعنا لإرادتها، ولا توجد في الأرض قوة تلزمنا هذا الصلح". والبند الخامس في هذا المشروع قوامه تعمير سيناء. أما البند السادس فيقترح سن تشريعات ضد من يثبت اشتراكه في أعمال تخدم الصهيونية. وفي البند السابع يقترح السياسي المصري مقاطعة جميع الشركات الصهيونية، والشركات التي تتعامل مع إسرائيل، ووكلاء الشركات، متى كانوا يهوداً والسماسرة، ورجال الأعمال اليهود، من أية جنسية كانوا، فيما يطالب البند الثامن يجعل العربية لغة مشتركة فيما بين المسلمين، في التجارة والصناعة، والتخاطب. ويخصص السياسي نفسه البند التاسع لضرورة تقوية الجيش المصري. ويحث البند العاشر على ضرورة تضامن الأمم الإسلامية مع الدول العربية، في مواجهة إسرائيل. ويحذر البند الحادي عشر من دخول العرب في مشاريع الدفاع المشترك، التي توفر لإسرائيل سانحة للاندماج في أقطار المنطقة.



وبعد

فلعل الشاعر العربي الكبير، نزار قباني، أجمل أسباب النكبة، فأجاد في رائعته "الحب والبترول"، حيث قال:

إذا خسرنا الحرب، لا غرابة

لأننا ندخلها

بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة

بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة

لأننا ندخلها

بمنطق الطبلة والربابة

وقد أعاد الشاعر نقسه "السر في مأساتنا" إلى كون؛

صراخنا أضخم من أصواتنا

وسيفنا

أطول من قامتنا

وزاد قباني الأمر وضوحاً؛

خلاصة القضية

توجز في عبارة

لقد لبسنا قشرة الحضارة

والروح جاهلية

واستنكر الشاعر العربي توجه العرب باللعنات إلى السماء:

إذا تخلت عنكم

لا تلعنوا الظروف

فالله يؤتي النصر من يشاء

وليس حدّاداً لديكم

ليصنع السيوف



ونعى قباني علينا غياب الديمقراطية، وسحق المواطن، وإهدار حقوقه وحرياته. وتمنى الشاعر لو يمنح الأمان، حتى يقول للسلطان:

يا سيدي السلطان

كلابك المفترسات مزقت ردائي

ومخبروك دائماً ورائي

أنوفهم ورائي

أقدامهم ورائي

يستجوبون زوجتي

ويكتبون عندهم أسماء أصدقائي

ضُربتُ بالحذاء

أرغمني جندك أن آكل من حذائي

يا سيدي.. يا سيدي السلطان

لقد خسرت الحرب مرتين

لأن نصف شعبنا ليس له لسان

…………….

لأنك انفصلت عن قضية الإنسان

وعليه يصل قباني إلى استنتاج مؤداه؛

ما دخل اليهود من حدودنا

وإنما

تسربوا كالنمل من عيوبنا

ويتأسى من النفط العربي الذي بدل أن يتحول إلى أسلحة:

يراق تحت أرجل الجواري!

بعد أن يبكي نزار الوحدة العربية المهدرة، يرى الحل في جيل غاضب:

نريد جيلاً يفلح الآفاق

ونكش التاريخ في جذوره

وينكش الفكر من الأعماق

نريد جيلاً قادماً مختلف الملامح

لا يغفر الأخطاء.. لا يسامح

لا ينحني.. لا يعرف النفاق

نريد جيلاً، رائداً، عملاق

عن موقع لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين

عبد الرحيم محمود
11 - 5 - 2007, 04:26 AM
الشكر على الموضوع



http://www.3rb100.net/folder1/3rb100_3RwI6P3J7.gif

http://www.dubaieyes.net/gallery/data/media/25/t-w%20(17).gif (http://www.dubaieyes.net/gallery/data/media/25/t-w%20(17).gif)


مودتي

ملاك الحب
5 - 6 - 2007, 01:04 PM
حسبنا الله ونعم الوكيل

فى اسرائيل



مشكووور استاذنا


http://kuwaitup.net//up/uploads/3753-6251-5632.gif



ملاك

شمس الاصيل
5 - 6 - 2007, 07:17 PM
http://www.3rb100.net/folder1/3rb100_3RwI6P3J7.gif

لمجهووووووووووووووووود في المنتدى

اللهم فرج كربتنا واعيننا على ما ابتيتنا

قرنفلة النقاء
26 - 6 - 2007, 12:46 PM
حسبنا الله ونعم الوكيل

فى اسرائيل


تقديري

ميريام
27 - 6 - 2007, 10:14 PM
مشكور استاذنا القدير على هدا الطرح الرائع
شو بدنا نقول غير
حسبنا الله ونعم الوكيل
هادا الى بيطلع بأيدى احكيع
مشكور مرة تانيه
بارك الله فيك