المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " بيني و بينك " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)



فيصل الزوايدي
25 - 10 - 2008, 11:37 PM
بيني و بينكَ ..

هذا الذي بيني و بينكَ فـي العمرِ لـحظَة..
هذا الذي بيني و بينكَ أغنيةٌ حزينةٌ بصمتٍ حزين..
و أنا بيني و بيني .. أجلسُ وحيدًا فـي زاويةِ غرفةٍ باردةٍ، أجلــسُ على مقعدٍ قاسية أطرافه، و تفوحُ رائحة الـخدَرِ ،و أنينٌ حادٌّ بينَ أُذنَـيَّ.. صريرُ خفقانِ القلبِ يــطغى على أصواتٍ باهتةٍ تنبعثُ من حيثُ لا أدري.. يسكنُ في النَّفسِ صوتٌ ســألَني يومًا : إلى أين ؟ و هَذي المرافئُ تتجاذبني .. و أنا وحيدٌ في زاويةِ الغرفةِ .. يقتربُ رجلٌ في أناقةٍ مبتَذلةٍ، ينظرُ إلَـيَّ بعينينِ ثَقيلَتَيْ الأجفانِ، و يسألُني بصوتِ حَجَرٍ مُتنَاثِرٍ : أنتَ السَّيد ..؟
أجبتُ مضطَرِبًـا: أنا هُوَ، لعلِّي أنا ..
لم يأبَه لاضطِرابي فأَشَارَ إلى مَمَرٍّ مُظلمٍ بعضَ الشَّيء : إنّهم يريدونَ رُؤيتَكَ .. أَزَّ في الرأسِ صوتٌ مُوجِعٌ و اضطربَت دقاتُ القـلبِ بتسارُعِها نحوَ ..آخرِ الـمَمَرِّ.. و تَزاحَـمت الهواجسُ ثقيلةً كالهزيمةِ .. هل وُلَدَ الصبيُّ المنتَظَرُ منذ السِّنين أم ماتَت الأمُّ ؟ كيف اقـترنا تلك اللحظةَ بداخِلي ؟ كيف اقتربَ الموتُ مِنَ الحياةِ ذلك الاقترابَ ؟ هربتُ بـهَواجِسي إلى الوجهِ الباهتِ أمامي ، هَمَمتُ بسُؤالِهِ : ولادةٌ أم موتٌ ؟ لكنَّ الـوجهَ الـباردَ الجاف الذي لا ينبئُ بشيءٍ رَدَّني عنِ السُّؤالِ .. مــلَّ الرجلُ صمتي فأردفَ بصـوتٍ يكـتمُ ثورةً : إنهم بانتظاركَ ، تَفضل من هُنا .. قَرعُ حِذائي على الأرضِ ينهالُ على رأسي و أنا أتبعُ الرجلَ .. تـحركَت أشباحٌ حَولـي و أحسستُ ببعضِ الصدماتِ و كلماتٌ تُقالُ ، لعلّها اعتذارٌ أو سخطٌ .. مَن يهتم ؟ أيُّ معنى لأيِّ قولٍ أمامَ الولادةِ أو الـموتِ ؟؟ باحتدادٍ حدَّثَــــنا الطبيبُ قبلَ أشــهرٍ و هـو يـحذِّرُنا مِن خَطَرِ الحَملِ .. تُرَى هل أرســلَ القدرُ يومَــها ذاكَ الطبيبَ ينذِرُنا بِـما نَخشاه الآن ؟ هل يـمكِنُ أن يغتالَ ذاك الصـــبيُّ أمَّهُ ؟ هل تنطلقُ حياتُه بـمَوتِها ؟ أم يـموتُ لتَحيا...؟
أحسـستُ أنَّ آخرَ المـمرِّ هو آخر الكَونِ .. و أنا لم أَعُد أعلمُ أَيْـني .. لا أدري كيفَ التــقطت عينَاي الكليلتانِ لافتةً تشيرُ إلى غرفَةِ الوِفَياتِ .. حائطٌ بـناه عاملٌ لا يُدرِكُ مــا يفعلُ .. يفصلُ به بينَ الحياةِ و الموتِ .. و أنا لا أزال أسيرُ ، كأنَّ الطريقَ لا تنتَهي و لكن فجأةً وصلنَا أمام بابٍ مُوارَبٍ قليلا .. أشارَ الرجلُ بلامُبالاةٍ إلى الغرفـةِ و قَالَ : إنهم هُنا .. و لكن هل يمكنُ ذلكَ حقًّا : أن يُوجِّـهَكَ رجلٌ لا تعرفُ حتّى اســــمَهُ و لا يهتم بـمعرِفَتِكَ .. أن يُوَجِّهَــك إلى .. حيثُ الـحياة أو الموت .. وقفتُ برهةً أخـشى الدخولَ .. أصَــختُ السمعَ .. ما الذي أصابَ حواسي لــحظَتَها ؟ يرتَفِعُ الوجــيبُ و أخشى من سُؤالٍ جَديدٍ .. سُرعانَ ما زَعزَعَني : هل تُقدِّمُ الممرضةُ إلـيَّ لـفافةً بيضاءَ و تقولُ بحُنُوٍّ مُصطَنَعٍ : أَبشِر إنَّه الصـبي الذي انتظَرتَه .. ها قد جَاءَ .. أم يُوجِّهُني الطبيبُ بنظراتٍ نحوَ لُفافَةٍ بيضاءَ أيضًا و يقولُ بتعاطفٍ لا أُدركُ صِدقَه مِن زَيفه : لقد حذَّرتُكم قبلَ أشهرٍ ، و لـم نستَطِع فِعلَ شيءٍ لها .. خشيتُ أن أدفعَ البابَ .. بابٌ صَنَعَهُ نَـجَّارٌ و هو يتابعُ بِبَصَرِهِ النَّهِمِ فتياتِ الحَيِّ .. صنَعَهُ يومـًا و لم يُدرِك أبدًا ما الذي يُـمكِنُ أن يُخفي وراءَهُ .. أسـمعُ هَمهَماتٍ مِن داخِلِ الغُرفَةِ .. تداخَلت مَعَ صَرخَاتٍ مِن داخِلي .. هل أقتحمُ الغرفةَ ؟ هل أهربُ ؟ إلـى أين ..؟
أنينُ النَّفسِ الـمُوجِعُ يُطبِقُ على أنفاسي فـأُحِسُّ ضيقًا هائلا .. الـخوفُ أحيانًا يدفَعُنا إلى نَفسِ الفِعلِ الذي نَقومُ به بدافعِ الشَّجاعةِ .. تَمتدُّ يدي نحوَ قبضةِ البابِ فِضيةِ اللَّونِ، يـخترقُ مَسمَـعي صريرٌ حادٌّ لن أنسَاه .. تتخلّى اليدُ عن تلكَ القبضةِ الـمبتعِدَةِ إلـى داخل الغرفةِ .. ينفَتِحُ البابُ كأنَّ غيري قامَ بِفتحِهِ .. لـم تَقَع عينَاي على أحدٍ .. فقـط ظهرت زاويةُ السَّريرِ الـحديديِّ و الـجزءُ السُّفلي مِن سُترةٍ طِبيةٍ بيضاءَ ..أحسـستُ حركاتٍ فـي الأجسادِ تلتفتُ تستطلع مَنِ القادمُ .. بِبَقيـةٍ مِن قُدرَةٍ و عزمٍ تقــدَّمتُ خُطوتَينِ داخلَ الغرفَةِ و تضخُّمٌ مـخيفٌ بصَدري كأنّـي سأنفجرُ .. توسطتُ الـمكانَ و نظرتُ أمامي : أذهَلَني كلُّ ذلكَ البياضُ .. بياضٌ شديدٌ ناصعٌ ، تـمامًا مثلَ السَّوادِ .

فيصل الزوايدي

مازن الطباع
26 - 10 - 2008, 01:40 AM
الكاتب الرائع فيصل الزوايدي
ما أروعك عزيزي وما أجمل قلمك عندما يبدع ويتميز في صفحاتك الراقية
دمت ودام نبض قلبك وجمال أبداعاتك في صفحاتك الرائعه
لك ودي وأجمل الورود

فيصل الزوايدي
26 - 10 - 2008, 11:19 AM
الكاتب الرائع فيصل الزوايدي
ما أروعك عزيزي وما أجمل قلمك عندما يبدع ويتميز في صفحاتك الراقية
دمت ودام نبض قلبك وجمال أبداعاتك في صفحاتك الرائعه
لك ودي وأجمل الورود

العزيز مازن اسعدني كثيرا تجدد اللقاء بك و انا ممتن لمشاعرك الراقية و الصادقة التي اعتز بها كثيرا
دمت في الخير
مودتي

عوني زنون أبوالسعيد
26 - 10 - 2008, 08:41 PM
"بيني وبينك" قصة قصيرة تدخل عوالم دقيقة خفية عصية معتمة كما المَمَرٍّ المُظلم الذي دخله بطلنا لنسمع قرع حذائه نكتم الأنفاس لنستطلع ما الخطب
تأخذنا في رحلة فريدة في أغوار النفس لتضعنا وجهاً لوجه أمام ثنائية الحياة والموت و الوعي واللا وعي
http://img301.imageshack.us/img301/4301/h22up7.gif
ما لفتني هنا من عناصر إبداعية تكثفت بجزالة و إيقاع متسارع لتلاحق أنفاس القاريء و تشد حواسه بفن و ذكاء و عذوبة لتجبره على ممارسة الإنتظار متوقعاً نهاية تحسم مصير البطل
لكن المدهش ترك النهاية مفتوحة أو لحدث قادم بتكملة متخيلة تماماً كما مصائرنا في الإحتمالات المفتوحة على إستمرار الحياة أو توقفها بالموت
مبدعنا الرائع
أ.فيصل الزوايدي http://img159.imageshack.us/img159/1632/52d016b0a6if0.gif
سعدت جداً بحضورك و إدراج رائعتك هنا لتستحق ختم التميز بجدارة والتحليق عالياً في صدارة النصوص المنتخبة الراقية في وطن رؤى
كل التحية والمحبة والتقدير لمقامكhttp://img204.imageshack.us/img204/6599/hartroserh0.gif
http://img159.imageshack.us/img159/7568/flowers002oc0.gif

فيصل الزوايدي
27 - 10 - 2008, 12:38 AM
"بيني وبينك" قصة قصيرة تدخل عوالم دقيقة خفية عصية معتمة كما المَمَرٍّ المُظلم الذي دخله بطلنا لنسمع قرع حذائه نكتم الأنفاس لنستطلع ما الخطب
تأخذنا في رحلة فريدة في أغوار النفس لتضعنا وجهاً لوجه أمام ثنائية الحياة والموت و الوعي واللا وعي
http://img301.imageshack.us/img301/4301/h22up7.gif
ما لفتني هنا من عناصر إبداعية تكثفت بجزالة و إيقاع متسارع لتلاحق أنفاس القاريء و تشد حواسه بفن و ذكاء و عذوبة لتجبره على ممارسة الإنتظار متوقعاً نهاية تحسم مصير البطل
لكن المدهش ترك النهاية مفتوحة أو لحدث قادم بتكملة متخيلة تماماً كما مصائرنا في الإحتمالات المفتوحة على إستمرار الحياة أو توقفها بالموت
مبدعنا الرائع
أ.فيصل الزوايدي http://img159.imageshack.us/img159/1632/52d016b0a6if0.gif
سعدت جداً بحضورك و إدراج رائعتك هنا لتستحق ختم التميز بجدارة والتحليق عالياً في صدارة النصوص المنتخبة الراقية في وطن رؤى
كل التحية والمحبة والتقدير لمقامكhttp://img204.imageshack.us/img204/6599/hartroserh0.gif
http://img159.imageshack.us/img159/7568/flowers002oc0.gif


أخي عوني أعتز كثيرا بهذه القراءة الباذخة و برأيك في القصة و انا ممتن للثناء على النص و للمشاعر الطيبة التي اسعدتني كثيرا
دمت في الخير
مع الود الممتد

حفيظة طعام
27 - 10 - 2008, 04:04 PM
بيني وبينك يا فيصل
انني سعيدة بانهمار غيث وجودك في رؤى وغيث ابداعاتك التي اشهد دائما انها متميزة
حفيظة

فيصل الزوايدي
27 - 10 - 2008, 11:20 PM
بيني وبينك يا فيصل
انني سعيدة بانهمار غيث وجودك في رؤى وغيث ابداعاتك التي اشهد دائما انها متميزة
حفيظة

ايتها الراقية حفيظة .. لتعلمي سعادتي بتجدد التواصل معك و برأيك في كتابتي
و مبارك لك اصدارك الاول ( انتظر نسختي )
دمت في الخير

سحر الحرف
3 - 11 - 2008, 02:09 AM
الابيض والاسود

الموت والحياه

كلاهما على طرفي نقيض

وحاله من الغموض تركتنا لنعيشها الصمت خيم وكاننا نعيش الواقع بل عشناه

معك بكل حذافيره سلبتنا من الواقع الى سطورك لنحلق معك هناك في غرفة

وملاءه بيضاء حتى ضجيج خفقان قلبك اسمعتنا

سرد بغاية الروعه

فيصل الزوايدي
3 - 11 - 2008, 03:26 PM
الابيض والاسود

الموت والحياه

كلاهما على طرفي نقيض

وحاله من الغموض تركتنا لنعيشها الصمت خيم وكاننا نعيش الواقع بل عشناه

معك بكل حذافيره سلبتنا من الواقع الى سطورك لنحلق معك هناك في غرفة

وملاءه بيضاء حتى ضجيج خفقان قلبك اسمعتنا

سرد بغاية الروعه

أسعدني كثيرا الراقي و العفوي اخت سحرالحروف و اعتز برأيك في القصة و بثنائك الباذخ عليها فشكرا لك
دمت في الخير

ترانيم أحمد محمد علي باشا
4 - 11 - 2008, 03:01 AM
لك جزيل الشكر

فيصل الزوايدي
7 - 11 - 2008, 04:54 PM
لك جزيل الشكر

شكرا للتفاعل اختي الكريمة
دمت في الخير