المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصمت بوصفه ثقافة



همس الروح
13 - 11 - 2008, 02:45 PM
تتحول بعض التصرفات السلوكية - التي وجدت بوجود الإنسان -، وما تحمله من دلالات مع مرور الزمن
إلى تراكمات وترسبات لا تعلو أن تشكل ثقافة تتشعب وتتعمق عبر الأجيال، ويُعرف بها الإنسان -
الفرد أو الجماعة.

كما هو شأن بعض الآراء والأهواء الشخصية، عندما تتحول بمرور الوقت إلى (أيديولوجيا) كما رأى ذلك
(د. عز الدين إسماعيل) في كتابه (آفاق معرفية..) والصمت نقيض الكلام، سلوك إنساني يعبر عن موقف
ما، كالخوف والجبن وأحياناً الحيادية أو الرفض أو التأييد.. وفي موروث الحكمة قديماً، قيل:

( إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب)،
حيث تترادف كلمتا الصمت والسكوت في المرجعية المعجمية.

ومثل هذا الموروث يعزز مكانة الصمت بوصفه سلوكاً حكيماً في دائرة الأخلاق الإنسانية. وفي العرف الاجتماعي
يقترب الصمت من المرأة، فيبدو أكثر التصاقاً بطبيعتها، التي تعاف البوح عن مكنونات ذاتها وأسرار حياتها
الخاصة، وتحديداً تلك التي تقترب من عواطفها ورغباتها!

ولعل أقرب مثال يرتسم في مخيلتنا، صمت الفتاة في حالة القبول عند سؤالها عن رأيها في الزواج، الذي يحمل
دلالة توارثتها الذاكرة العربية.

وثقافة الصمت بوجهيه السلبي والإيجابي، تشكلت من الموروثات القولية والفعلية التي سرت في ذاكرتنا،
وحالة الغلو والتطرف أحياناً التي صاحبت عملية الأخذ والتسليم بها من غير مناقشة لبعض مفاهيمها المغلوطة،
يضاف إلى ذلك، التربية القمعية الممارسة من قبل البعض على أبنائهم، ومصادرة حق التعبير عن الرأي
الذي هو من أبسط حقوقهم - وانعدام لغة الحوار فيما بينهم!

لكن ما يهمنا ونحن بصدد تناول هذه القضية؛ هو اتجاه الصمت نحو السلب، ودلالته الموحية بالضعف
والكبت وقلة الحيلة!

ومثل هذه الدلالات متفشية بصور متباينة، وبمعدل أعلى في المجتمع النسائي، ونأخذ مثالاً من المضمار
الأدبي كصمت قلم المرأة طويلاً، وهي صورة ملحة من صور الصمت المطبق الذي مارسته في تاريخها
فلم تكتب عن همومها وقضاياها وأحلامها ومعاناتها إلا بعد مرور فترة زمنية انتقالية، تحول فيها التوجس
والخوف من البوح والكلام إلى جسارة وجرأة، ممارسة نوعا من كسر القاعدة التي حرمتها شيئا من حقها
في إثبات الذات أولا ثم الحق الأدبي والإبداعي ثانيا!

ولعل الكاتبة فرجينيا وولف في كتابها (غرفة تخص المرء وحده)، أبرز من كتب حول كتابة المرأة،
والإشكاليات التي تثار حولها، خاصة عندما رأت أن استخدام القلم من قبل المرأة يهدد السلام العائلي!

إلا أن خروج المرأة من بوتقة الصمت أخيراً إلى ساحة البوح، يعد طوراً مهماً من تطور ثقافة الصمت السلب
كان له تداعياته وتبعاته.

والصمت في الكتابة النسائية، بمعنى ممارسته داخل النصوص كحوار داخلي بين شخصيات القصص،
ما هو إلا نوع من معافة البوح الذي يبرز من خلال الحوار الخارجي واللجوء إلى الحوار الداخلي
(المونولوج). كما أن الصمت كمفردة، تلحظ كثيراً في النصوص المكتوبة بأنامل أنثوية!

وقد تعمد الكاتبة أحياناً إلى النقط كفواصل تركيبية في نصها، وفي ذلك دلالات كثيرة، فبالرغم من الأبعاد
البصرية في تشكيل النص إلا أنها في الأصل ممارسة خفية لصمت حقيقي انطلق من داخل الذات الكاتبة.

وعلى صعيد الطرح الموضوعي، نجحت المرأة - في تصوري - في تخطي أمر الصمت الأدبي، من خلال
استخدام الرمز وتوظيف الموروث وتقنيات أخرى، أسهمت في منح هذه الثقافة التي تأصلت عبر الأجيال
منحاً آخر، وخصوصاً عند الحديث عن طرق باب المحظور الموضوعي ومقص الرقيب والخطوط الحمراء
للكتابة! بل إن مشاركة المرأة الرجل في صنع الثقافة العامة، وتفعيل دورها في الحراك الثقافي أسهم في
تحولات مهمة في الصمت بوصفه ثقافة، من خلال الكلمة المنطوقة والمكتوبة عندما اعتلت المنابر الثقافية
واحتلت الزوايا الصحفية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ستتحول ثقافة الصمت خاصة عند المرأة أدبياً وثقافياً إلى ثقافة بوح؟!

نسائم بوح:

كانت صامتة..

ظلت كما هي!

كان صمتها موقفاً.. لكنهم طالبوها بالكلام؟!

وعندما نطقت

.

.

بادلوها بالصمت؟!


المصدر : مجلة الرأي

عوني زنون أبوالسعيد
13 - 11 - 2008, 05:41 PM
أ.همس الروح أسعد الله أيامك بالخير و التوفيق
جميل نقلك للمقال المميز الذي تحدثت فيه الكاتبة منيرة المبدّل عن جوانب من المسكوت عنه في ثقافتنا و تراثنا العربي.
و الصمت فعل و سلوك يترجمه الأمساك عن الكلام و حبس الكلمات في الصدر نتيجة لعوامل كثيرة منها التفكر أو الإحتجاج أو الخوف و المهابة أو الإستعلاء أو التواضع
والصمت السلبي كما تناولته الكاتبة قد تكون المرأة أبرز ضحاياه و أكثر تضرراً منه
لكن في ظل الأنظمة الديكتاتورية و السلطة الأبوية فللرجال أيضاً نصيبهم الموجع
بوركتِ أ.همس الروح على الإختيار المتميز

صبحي الخطيب
17 - 11 - 2008, 10:52 PM
الأخت همس .. أقرأ كل ما تكتبينه عادة ..
وإن لم أقم بالتعقيب او الرد ..
فهذا لا يعني أنني لا يعجبني ما تكتبين أو تنقلين ..
وهنا كان الموضوع جميل ؛
حيث يسلط الضوء على قلم المرأة وإمكانية البوح بجرأة .
ولكن لنكن منصفين في حق انفسنا ؛ وفي حق المرأة بالذات .
أحياناً أقف ضد قلم المثقف ( الرجل ) بشكل عام .
فنحن في مجتمعنا العربي لم نمتهن الثقافة بعد ..
ومعظم المبدعين في وطننا هم من الرجال .. شئ طبيعي !
فمجتمعنا كباقي مجتمعات العالم .. مجتمع رجال ..
وبالتالي فإن هذا الرجل ( المدلل ) ؛
هو القادر على منح نفسه الوقت الذي يريد لممارسة ( ثقفنته ) ؛
إن صح التعبير ؛ في بيته ومكتبه .
فخلال الكتابة ؛ تكون المرأة - حتى ولو كانت اكثر ثقافة من زوجها -
تعتني بأمور البيت ودراسة البناء ؛ والتنظيف والترتيب..الخ
في الوقت الذي يكون فيه الزوج يتجلى في إبداعاته الفكرية.
ومن هي المرأة التي يتسنى لها متسعاً من الوقت كي تبدع ثقافةً ؟
المرأة التي هي عزباء single/ أو متزوجة؛
وليس لديها أبناء أو هم لا يحتاجون لها الآن / او هي متزوجة
من رجل يتفهم إمكاناتها وثقافتها ودورها..
وفي كل الأحوال تبقى نسبة وجود تلك المرأة؛
المتفرغة للإبداع أقل منها للرجل ..
وهذا لا يعني أنها غير قادرة على الإبداع ؛
بل لا يتسنى لها الوقت لذلك ..
وتموت لديها الرغبة في الإبداع هنا ..
تماما كما هي ( بطارية ) السيارة غير المستعملة .
أما بخصوص الصمت للمرأة القادرة على الإبداع ؛
فنحن في مجتمع له أعرافه وعاداته الخاصة .
وإن تجرأت المرأة في طرح الموضوع بصراحة ؛
ستكون عندها وقحة ؛ أو بلا حياء ..
وكلنا يعرف نوال السعداوي ؛ او غادة السمان ..
وكم من الآراء المضادة لهما قد قيلت ..
المهم ؛ كل هذا لا يمنع من ان نقول ؛
أن مجتمعنا العربي وبرغم كل القيود ؛
قد أصبح اكثر تسامحا و ( تطنيشا ) لرأي المرأة الصريح .
وما عاد المجتمع يبادل المرأة بالصمت كما كان سابقا :)
احترامي وتقديري لكِ
تحياتي